تخطَّ إلى المحتوى

تذكرت ظلا كان يسري بمرقدي

الطويل

٥٧ بيت

النسيب

تَذَكَّرْتُ ظِلًّا كَانَ يَسْرِي بِمَرْقَدِي

فَهَاجَتْ جُرُوحُ الْقَلْبِ وَاللَّيْلُ أَرْمَدُ

وَأَبْصَرْتُ فِي جَوْفِ السُّهَادِ نَزِيفَهُ

كَنَدْبَةِ عَيْنٍ فِي دُجَى اللَّيْلِ تَجْمُدُ

وَأَمْضِي عَلَى آثَارِ ظِلٍّ تَبَدَّدَتْ

يُطَاوِعُنِي حُزْنٌ وَيَشْكُو الْمَسْنَدُ

وَأَسْأَلُ دَارًا قَدْ تَخَلَّفَ أَهْلُهَا

أَيَرْجِعُ مَا وَلَّى الزَّمَانُ وَيَعْتَدُ

وَفِي الرَّمْلِ أَشْدُو وَالْمَسَاءُ يُجَاوِبِي

وَيَخْفِقُ قَلْبِي كَالطَّرِيدِ الْمُشَرَّدُ

وَفَوْقِي سَمَاءٌ لَا تُجِيبُ تَحِيَّتِي

وَتَحْتِي رِمَالٌ فِي المَسِيرِ تُهَدْهَدُ

وَتَبْسُطُ لِي الْبَيْدَاءُ كَفًّا يَبِسَتْ

كَأَنَّ عَلَيْهَا مِنْ جُرُوحِيَ تَرْصُدُ

وَكَمْ طَيْفِ بَانَةٍ أَطَلَّ فَأَوْقَدَا

بِنَارِ الْهَوَى فِي الْجَوْفِ وَالقَلْبُ مُقْيَدُ

إِذَا لَاحَ فِي فَجْرِ الْعُيُونِ بَرِيقُهَا

تَفَتَّقَ فِي صَدْرِي الْحَنِينُ وَيَرْعُدُ

يُجَافِي هَوَانَا كُلَّ سِرْبٍ مُغَرِّبٍ

وَيَحْفَظُهَا سِرِّي إِذَا اللَّوْمُ يُحْشَدُ

تُعَانِقُ نَسْمَاتِ الصَّبَا خُطُوَاتِهَا

فَيَزْهُو الرِّمَالُ وَالْعَبِيرُ يُبَدَّدُ

وَفِي الْبَانِ عِطْرُ اللَّيْلِ حِينَ تَعَرَّقَتْ

خُطَاهَا وَدِفْءُ الصُّبْحِ مِنْهَا يُبَرَّدُ

إِذَا مَالَ تَحْتَ القَيْنَةِ الخِفُّ قَدَمُهَا

تَرَنَّحَ فِي صَدْرِي وَجِيبٌ يُجَلَّدُ

لَهَا كَتِفٌ لَوْ أَنَّهُ مَسَّ سَيْفَهُ

فَتَرَّ مَضَاءُ الحَدِّ فِيهِ وَيَخْمُدُ

وَخَلْخَالُهَا إِذْ حَرَّكَ الرَّمْلَ حَوْلَهَا

تَسَابَقَ فِيهِ النَّبْرُ وَالصَّوْتُ يُشْهَدُ

وَإِنْ ضَحِكَتْ بَانَتْ كَنَجْمٍ تَكَشَّفَتْ

لَهُ سُحُبُ اللَّيْلِ الْبَهِيمُ وَتُبْعِدُ

وَإِنْ أَعْرَضَتْ مَالَ الْخِيَامُ لِظِلِّهَا

كَأَنَّ عَلَى أَرْكَانِهَا الْوَجْدُ يُعْقَدُ

أُقَلِّبُ نَارَ الْبَيْنِ فِي كَفِّ ذِكْرِهَا

فَتَزْدَادُ وَهْجًا وَالجَوَانِحُ تُسْعِدُ

وَأَسْرِي وَظِلُّ الْحَيِّ يَلْفَحُ مُقْلَتِي

فَيَسْتَعْبِرُ الدَّمْعُ الْكَتِيمُ وَيَفْقِدُ

أَسِيرُ وَفِي ظِلِّي أَسًى وَنَسِيمَةٌ

تُسَامِرُنِي وَاللَّيْلُ فِي الْوَجْدِ يَسْهَدُ

يُجَادِلُنِي ذِئْبُ الْفَلَاةِ بِعَيْنِهِ

فَيَعْرِفُ أَنَّ الْعَاشِقِينَ تُبَدَّدُ

إِذَا مَالَ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ تَتَبَّعَتْ

خُطَايَ خُطَاهُ وَالقُلُوبُ تَرَعْرَعُدُ

وَإِنْ أَغْلَقَتْ عَيْنَايَ نَارُ صَبَابَتِي

تَوَهَّجَ جَمْرُ الْبَوْحِ وَالسِّرُّ يُحْشَدُ

وَإِنْ أَقْبَلَ السُّهْدُ الْقَدِيمُ تَنَفَّسَتْ

جِرَاحِي وَفِي الأَحْشَاءِ جَمْرٌ يُجَدَّدُ

أَمُرُّ عَلَى أَطْلَالِ حَيٍّ تَنَاثَرُوا

كَأَنِّي عَلَى صَدْرِ الرَّمَادِ أُرَدِّدُ

وَأَنْظُرُ فِي أَعْيَانِهِمْ مُتَخَيَّلًا

كُحُولًا مَحَتْهَا الرِّيحُ وَالدَّمْعُ يَزْبُدُ

فَأَهْتِفُ يَا دَهْرُ أَتَسْتَحْلِي دَمًا

تُهَدِّمُ مِنْهُ الحَيَّ وَالْعَيْشَ تُفْسِدُ

فَهَذَا جَرِيحُ الْحَيِّ لَا جُرْحُ صَابِرٍ

وَهَذَا دَمُ الْعِرْقِ الْعَرِيقِ يُسَهَّدُ

سَرَيْتُ وَقَدْ أَلْقَى الرَّدَى فِي رِكَابِهِمْ

كَرَعْدٍ عَلَى أَطْوَادِ بَيْدَاءَ يَجْلِدُ

وَرُحْتُ أُجَاوِرُ فِي الدُّجَى سَادَتِي الَّذِينَ

إِذَا ذُكِرُوا فِي الْحَيِّ قَامَ المَجْدُ يَشْهَدُ

وَيَهْمِسُ لِي عَظْمُ الرِّمَالِ هُمُو الأُلَى

إِذَا جَاعَ فِي اللَّيْلِ الطَّرِيدُ تَسَدَّدُوا

فَقُلْتُ: أَنَا الْقَبْرُ الَّذِي فِي ظِلَالِكُمْ

يُقِيمُ عَلَى الذِّكْرَى وَمَنْ غَابَ يُفْقَدُ

وَلَمْ أَعُدِ الْمَكْوِيَّ وَحْدِي بِنَارِهَا

فَفِي الْكَفِّ جَمْرُ الْحَيِّ وَالصَّدْرُ يُوقَدُ

أُقَبِّلُ تُرْبَ الْبَيْدِ إِنْ طَالَ نَائِحِي

وَيَحْجُبُنِي جَلْدٌ عَلَى الْكَمَدِ يُحْمَدُ

فَإِنِّي إِذَا ضَاقَتْ بِيَ الأَرْضُ لَمْ أَزَلْ

أُفَجِّرُ فِي صَدْرِي الْمَسَافَاتِ وَأَصْمُدُ

وَيَبْقَى صَدَى الرَّاحِلِينَ بِمَسْمَعِي

كَنَبْضٍ قَدِيمٍ فِي الدِّمَاءِ يُجَدَّدُ

فَدَعْ عَنْكَ وَحْدَتِي فَإِنِّي رِحْلَةٌ

يَمُوتُ بِهَا الآخَرُونَ حَتَّى يُخَلَّدُوا

وَإِنِّي لِقَوْمٍ كَانَ جَلْدِيَ عِزَّهُمْ

وَمَا خَانَ عَهْدَ الْبَيْدِ قَلْبٌ يُسَيَّدُ

فَإِنْ جَارَنِي دَهْرٌ، وَضَاقَتْ رِكَابُهُ

فَفِي الْعَزْمِ نَارٌ لِلْمَسِيرِ تُؤَيَّدُ

وَيَبْقَى قِنَاعُ الرَّمْلِ يَحْمِي وُجُوهَنَا

إِذَا نَفَخَتْ رِيحُ الْخُطُوبِ وَتَزْبِدُ

وَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تُعِيدُ نَوَائِبُهْ

غَرِيبَ الدِّيَارِ أَمْ تُبَدِّدُهُ النَّكْدُ؟

فَمَا الْغُرْبَةُ الْكُبْرَى سِوَى أَنْ تَرَى الَّذِي

أَحَبَبْتَ يُوَارَى وَالْحَنِينُ يُجَدَّدُ

وَأَحْمِلُ فِي جِلْدِي رُسُومَ مَسِيرَةٍ

تَنُوءُ بِهَا الأَيَّامُ وَاللَّحْدُ يَشْهَدُ

وَأَسْمَعُ مِنْ عَظْمِ الرِّمَالِ حَدِيثَهُمْ

فَأَعْرِفُ أَنَّ الْمَجْدَ وَالْعِرْقَ أَوْحَدُ

وَيَبْقَى أَثَرُ الرَّاكِبِ الْحَائِرِ فِي الدُّجَى

يُغَافِلُهُ النَّجْمُ الْقَدِيمُ وَيَصْمُدُ

وَإِذَا أَدْلَجَتْ خَيْلُ الظَّلَامِ بِمَهْمَهٍ

أُنَاجِي خُطَايَ وَالسُّرَى فِيَّ تُؤَكَّدُ

فَإِنِّي إِذَا أَدْلَجْتُ فِي اللَّيْلِ وَحْدَتِي

يُجِيبُنِي الْبَيْدُ امْضِ فَالْمَجْدُ يُولَدُ

فَمَا الْعُمْرُ إِلَّا خُطْوَةٌ فِي فَلَاتِنَا

يُزَكِّي لَظَاهَا الْحُرُّ إِنْ لَمْ يُقَيَّدُ

وَإِنْ سَكَنَتْ عَنَّا السُّيُوفُ رَمَازَهَا

بَقِينَا رِمَاحَ الْجَلْدِ وَالمَجْدُ أَمْجَدُ

وَأَمْشِي عَلَى آثَارِ وَحْشٍ وَنَاقَةٍ

وَيَشْهَدُ هَذَا الْبَيْدُ أَنِّي مُوَحَّدُ

وَأَرْفَعُ كَفِّي نَحْوَ وَجْهِ الْمَغَانِي

لَعَلَّ بِأَطْلَالِ الْخِبَاءِ أُوَطَّدُ

وَفِي ظِلِّ نَجْمٍ كَانَ يُنْذِرُ رِحْلَتِي

أَقِيسُ خُطَايَ وَاللَّيَالِي تُرَدَّدُ

وَيَبْقَى وُقُوفِي فِي الرِّمَالِ عَصِيًّا

كَنَخْلِ الْفَلَاةِ لَا يَهُونُ وَيُجْحَدُ

وَإِنْ سِرْتُ فِي سَهْلٍ وَفِي قَفْرَةٍ قَفْرٍ

فَإِنَّ الْكَبِيرَ يَبْقَى وَالشَّجَاعَةُ تُحْمَدُ

وَمِنْ جَمْرِ قَلْبِي يَسْتَضِيءُ لَيْلُهُمْ

وَيُرْوَى فُؤَادِي مَا تَبَقَّى وَيُنْشَدُ

فَإِنِّي إِنِ ارْتَحْتُ فِي الْبَيْدِ وَحْدَتِي

سَتُحْفَظُ لِلْخُلْفَانِ نَارٌ تُوَقَّدُ

وَيُصْبِحُ هَذَا الشِّعْرُ رَكْبَ قَبِيلَتِي

إِذَا ضَلَّ رَكْبٌ فِي الْفَلَاةِ يُرَشَّدُ