صِبِي صَحْنَ المَدَامَةِ لا تَمُنِّينَا
فَقَدْ ضَاقَ الجِلَادُ بِمَا حَوَيْنَا
وقِفْنا عند أطلالٍ عِجافٍ
تُجِيبُ الريحَ إن سُئِلَتْ حَنِينَا
أثافيها سوادٌ من ليالٍ
توالتْ ثم أبقَتْ ما بَقِينَا
ومرَّ الركبُ لا يُلْقِي سلامًا
كأنّا ما شهدناهم سنينا
فقلتُ لصحبتي لما تباعدْ
أهذا الحيُّ أم طيفٌ سَرَانَا؟
فلم يَصْدُقْ جوابٌ غير دمعٍ
يُقيمُ على الخدودِ ولا يُبِينَا
ثم انثنتِ البانةُ الغرّاءُ تمشي
تجرُّ الخطوَ في لينٍ رزينَا
لها جلدٌ إذا لامسْتَهُ ارتدَّ
إلى كفّي كأن لم يبرحينا
تضوعَ مسكُها من غير طِيبٍ
كأنَّ البانَ في شعرٍ كمينا
إذا نظرتْ رَمَتْكَ بلا سلاحٍ
وإن صمتتْ أشدُّ على اليقينا
تُديرُ الراحَ أيدٍ ما شَرِبْنَا
ولكنْ سُقْنَها عُرْيًا مَعِينَا
حياءُ الخدرِ يمنعُها ارتشافًا
ويُغويني فتسكرُني العيونا
إذا مالتْ علينا في زجاجٍ
تدلّى الضوءُ وانكشفَ السَّكينا
نُقاسِمُها الزمانَ على قَدَرْنا
ففَحْمَتُها بأوّلِهِ قَيْدَنَا
ومَزَّةُ الأسحارِ صَفْوٌ
إذا لانَ النهارُ بنا ولانا
ورُفِعْنَ الراياتُ على المناصِبِ
لتُهدى الخيلُ إذ ضلّت مَغَانِينَا
فأبصرتُ اللواءَ فَهِمْتُ قصدًا
وأدركني الهوى حتّى انثنينا
أراها واقفاتٍ لا تريمُ
كبليةٍ شددناها هوانا
شدَدْناها على قصدِ الدِّنانِ
كما شُدَّتْ رتيمةُ مَن مَضَانا
أجيءُ إليها وحدي مشوقًا
كما تُؤتى القبورُ ولا أمانا
فَلَا هِيَ تَشْرَبُ الرَّاحَ اخْتِلَاسًا
وَلَا أَزِلُّ وَلَوْ بِتْتُ سُكْرَانَا
إذا ضحكتْ سقَتْني من يديها
ولم تَدنُ الشفاهُ ولا الدِّنانا
فيا عجبًا لراحٍ تستقيمُ بنا
إذا وُهبتْ أقامتْ فينا قَرِينَا
وإني لفي لذّةِ ليلٍ طويلٍ
إذا انقطعَ الرقيبُ بنا وأغفانا
أُساقُ إليها طَوْعَ اختياري
كما يُساقُ المطيُّ إذا أُعِينا
وما بي نشوةُ السكرانِ لكنْ
غَلَتْ نفسي فصارتْ ما قَضَانَا
فإن طالَ الوقوفُ على لوائها
حسبتُ اللواءَ قبرًا مُصانا
كأنّي صرتُ ناقةَ ميتِ قومٍ
أُشدُّ هناك لا أرجو فِدَانَا
أُسَدُّ العيْنَ عن دربِ النجاةِ
ويُترَكُ لي الرجاءُ وما تبيّنا
فإن بعثَ الزمانُ غدًا رفاتي
ركبتُ الراحَ واتّبعتُ الخِلَّانَا
فما الدنيا سوى سَقْيٍ وحبٍّ
إذا انقطعَا انقطعنا حيث كانا
أُقيمُ على لوائِكِ ما حييتُ
كأنِّي ما عَرَفْتُ سِوَى المَكانا
أُطيلُ الوقفَ لا شَكْوَى بلسانٍ
ويَنْطِقُ بالصُّدورِ بما عَنانا
إذا مَرَّ السُّرَى خِلْتُ السُّرَى بي
وما سَرَتِ القَوافِلُ إن تَوانا
أُحَدِّثُ نَفْسِيَ السَّكْرَى سُرُورًا
وأكْتُمُ في الضُّلُوعِ ما اسْتَبانا
فلا وَعْدٌ يُصَدِّقُ ما أُؤَمِّلُ
ولا يَأْسٌ يُسَمِّي ما دَعانا
وإن مالَتْ نُجُومُ اللَّيْلِ عَنِّي
قُلْتُ: الحُبُّ أَعْرَفُ بالزمانا
أُقَلِّبُ كَفَّ صَبْرِي في دَهْرٍ
فلا يَصْفُو ولا يَبْقَى كَمَانا
تُطِلُّ البانةُ الوضَّاحُ طَيْفًا
فَيَثْقُلُ في العُيُونِ ولا يُجارِينَا
أراها بين خَمْرٍ لا تُذَاقُ
وبين شَهْوَةٍ تُعْطِي مَعَانَا
فإن نَادَيْتُهَا لَبَّتْ سُكُوتًا
وإن سَكَتُّ اسْتَجَابَتْ لي بَيانَا
وما بَيْنَ التَّمَنِّي واللِّقَاءِ
سِوَى نَفَسٍ يُعَلِّقُهُ التَّوانَى
أُحِبُّ الحُبَّ فِيهَا لا سِوَاهَا
وأكْرَهُ أن يُقَاسَ لها اقْتِرَانَا
ومَا اسْتَوْقَفْتُ عَيْنِي غَيْرَ وَجْهِكِ
سِوَى لِأَسْتَنْزِفَ مِنْهُ لَكِ لَحْظَانَا
فَخَمْرُ اللَّيْلِ تُوقِظُ فيَّ فَخْرًا
وخَمْرُ الصُّبْحِ تُورِثُنِي اتِّزَانَا
إذا انْصَرَفَ النَّهَارُ عَنِ الطُّرُوقِ
بَقِيتُ أنا ولوائِي ثابتًا عِيَانَا
أُجَالِسُهُ كما تُجَالِسُ الأيَّامُ
مَنْ أَفْنَى الشَّبَابَ وما اسْتَعَانَا
فلا أَسْلُو ولا أَرْجُو خُلُودًا
ولكنْ أَسْتَتِيبُ بهِ الزَّمَانَا
وإن قِيلَ: انْتَهَى، قُلْتُ: ابْتِدَاءٌ
فَهَذَا العِشْقُ لا يَرْضَى أَبَدَنَا
أُوَسِّدُهُ الضُّلُوعَ وإن تَصَدَّى
وأَسْقِيهِ من الأيَّامِ مَانَا
فإن ذَهَبَتْ خُطَايَ ولم أَعُدْ
وَبَقِيَ اللِّوَاءُ هُنَاكَ عَانَا
فَقُولُوا: مَرَّ هَذَا يَوْمَ شِرْبٍ
فَمَاتَ على الهَوَى وَعَاشَ آنَا