أَلا هَلْ لِهَذَا الدَّمْعِ مِمَّا أُسَائِلُ ال
بُكَاءُ عَلَى دَارٍ لَهَا القَلْبُ فِي أَسْرِ
أُقَلِّبُ أَطْلَالَ الخِبَاءِ، فَيَسْأَلِي ال
سُّفُوحُ، وَتَشْكُو الرَّمْلَ دِمْنَةُ ذِي أَثَرِ
أُحَيِّي مَغَانِيهَا، وَفِي الكَفِّ شُعْلَةٌ
كَأَنِّي أُنَاجِي الجَمْرَ فِي صَدْرِهَا المُسْتَعِرِ
دِيَارٌ خَلَتْ إِلَّا مِنَ الرِّيحِ وَالصَّدَى
وَتَحْتَ القَتَادِ العِفْرِ آثَارُهَا تَسْرِي
تَرَى فِي ثَرَى الأَوْطَانِ بَعْرَةَ أَرْؤُمٍ
كَدُرٍّ نُثِرْنَ عَلَى الغُبَارِ مِنَ الحَجَرِ
وَمَوْضِعُ أَرْسَاغِ النِّسَاءِ كَأَنَّهُ
خُطُوطُ سَوَادٍ فِي صَبَاحٍ مِنَ البَدْرِ
وَمَا بَيْنَ أَطْرَافِ الخِيَامِ وَمَوْقِفِي
سِوَى نَفْسِ مُسْتَوْقِدَةٍ تَحْتَ هَذَا القَفْرِ
أُحَيِّي مَغَانِيهَا، وَفِي الكَفِّ شُعْلَةٌ
كَأَنِّي أُنَاجِي الجَمْرَ فِي صَدْرِهِا الأَوَّلِ
إِذَا حَرَّكَتِ الأَنْفَاسُ نَفْخَةَ زَفْرَةٍ
تَرَدَّدَ فِي جِلْدِي صَدَى الوَجْدِ وَالسِّحْرِ
أُسَائِلُ ظِلَّ السِّدْرِ: هَلْ عَادَ رَكْبُهَا؟
فَيَسْكُتُ، إِلَّا مِنْ حَنِينٍ عَلَى الغُبْرِ
أَتَى يَوْمُ بَيْنٍ عِنْدَ سَمْرَاءِ نَاقَةٍ
وَخَيْمٍ يُدَارُ الظِّلُّ فِيهِ عَلَى السَّمْرِ
تَوَلَّوْا، فَمَا أَبْقَوْا سِوَى أَثَرِ الخُطَى
وَرِيحِ قَلُوصٍ فِي الثَّرَى بَعْدَها تَجْرِي
رَأَيْتُ نِسَاءَ الحَيِّ يَرْفَعْنَ سُفْرَةً
وَيُسْدِلْنَ مِنْ أَرْدَافِهِنَّ عَلَى السِّتْرِ
وَهِيْهَاتَ لا أَنْسَى التِفَاتَةَ مُقْلَةٍ
تَقُصُّ عَلَى قَلْبِي حَدِيثًا بِغَيْرِ فَمِ
أَشَارَتْ إِلَيَّ الرِّيحُ عِنْدَ رَحِيلِهِمْ
فَفَهْتُ: أَتَتْنِي مِنْ هَوَاهَا رِيَاحُهَا العِطْرِ
وَقَدْ كَانَتِ الأَيَّامُ تَحْمِلُ أُلْفَتِي
وَتُدْنِي خُطَاهَا فِي الضُّحَى عِنْدَ ظِلِّ السِّدْرِ
فَلَمَّا نَهَضْنَا، وَالمَطَايَا مُصَعَّدٌ
تَنَاثَرَ مِنْ عَيْنِي هَطُولٌ مِنَ المَطَرِ
أُعَلِّلُ نَفْسِي بِالْتِفَاتَاتِ طَرْفِهَا
وَأَعْلَمُ أَنَّ الحُلْمَ قَدْ شَرَّدَ السِّتْرِ
ألا رُبَّ لَيْلٍ قَدْ سَرَيْتُ إِلَى الصِّبَى
فِيهِ، وَمَا فِيهِ سِوَى النَّجْمِ وَالسِّفْرِ
وَغَادَرْتُ عِرْسًا فِي خِبَاءٍ مُضَلَّلٍ
تَقُولُ، وَقَدْ حَرَّكْتُ مِنْ كَفِّهَا العِصْرِ:
«أَتَتْنَا خُطَاكَ اليَوْمَ مِنْ غَيْرِ مَوْعِدٍ»
فَقُلْتُ: مَوَاعِيدُ الهَوَى رَسْمُ ذِي القَدَرِ
طَرَقْتُ الخِيَامَ البِيضَ حَمْلَةَ عَاشِقٍ
يُخَاتِلُ نُجْمَ اللَّيْلِ عَنْ أَعْيُنِ الحَفْرِ
فَمَا بَيْنَ مُثْنًى مِنْ جَرِيرَةِ ضَفْرِهَا
وَبَيْنَ يَدِي إِلَّا ارْتِعَاشَةُ مُضْمَرِ
أُوَادِعُهُنَّ الوَدْعَةَ البِكْرَ ثُمَّ أَرُوحُ
وَفِي الصَّدْرِ مِمَّا لَا أُحِبُّ لَهُ عُذْرِ
كَأَنِّي إِذَا مَا اسْتَعْبَدَتْنِي مَوَاسِمٌ
مِنَ الشَّوْقِ، أَمْشِي فِي قُيُودٍ مِنَ النَّظْرِ
فَكَمْ شَاغَلَتْنِي عَنْ رِكَابِي ضَفِيرَةٌ
وَكَمْ صَرَفَتْنِي عَنْ طَرِيقِي يَدُ الخَفْرِ
حَسْنَاءُ، مَا اسْمُهَا إِلَّا سَنَاهَا المُعَبَّقُ ال
جَبِيْنِ، وَمَا فِي الكَوْنِ مِثْلُهُ مِنْ قَمَرِ
كَأَنِّي إِذَا مَا اسْتَعْبَدَتْنِي مَوَاسِمٌ
مِنَ الشَّوْقِ، أَمْشِي فِي قُيُودٍ مِنَ النَّظْرِ
فَكَمْ شَاغَلَتْنِي عَنْ رِكَابِي ضَفِيرَةٌ
وَكَمْ صَرَفَتْنِي عَنْ طَرِيقِي يَدُ الخَفْرِ
إِذَا قَامَ فَوْقَ الرَّمْلِ قَامَتْ كَأَنَّهَا
رَوَايَا نَدًى فِي مَفْرِقِ السَّهْلِ وَالجَبَلِ
لَهَا خَطْوَةٌ فِي البِيدِ تَرْفَعُ غُبْرَهَا
فَتَحْفِرُ فِي وَجْهِ الرِّيَاحِ سَبِيلَ السَّفَرِ
تُرَجْرِجُ حُلْيَ المِعْصَمَيْنِ إِذَا مَشَتْ
فَيَخْفِقُ مِنْهَا القَلْبُ خَفْقَانَ مُسْتَعِرِ
وَفِي شَعْرِهَا لَيْلٌ، إِذَا هَبَّ نَفْحَةٌ
مِنَ الرِّيحِ نَامَ المِسْكُ فِي مِسْكِهِ الأَطْهَرِ
وَأَطْرَافُ عَيْنَيْهَا إِذَا استَقْبَلَتْ ضُحًى
أَقَامَتْ عَلَى الأَجْفَانِ سِتْرًا مِنَ الحَوَرِ
إِذَا ابْتَسَمَتْ، أَطْلَعْتَ فِي الفَمِ جَانِحًا
مِنَ البَرْقِ يَسْرِي بَيْنَ أَنْيَابِهَا الغُرِّ
وَجِيدٌ، عَلَيْهِ الدُّرُّ يَرْقَى تَسَلْسُلًا
يُقَوِّمُ مِنْ أَغْصَانِهَا مَيْلَ مُنْحَدَرِ
وَمِسْكٌ يُرَجِّي الرِّيحَ، تَسْرِقُ مِنْهُ مَا
تَسَنَّمَ مِنْ غَفْلَةِ خِبَائِهَا المُسْتَرِ
إِذَا مَرَّ مِنْهَا السَّاقُ فِي ثَوْبِهَا انْثَنَى
كَجَدْوَلِ مَاءٍ فَوْقَ رَمْلٍ مِنَ الغَدَرِ
وَكَشْحٌ خَفِيفُ اللَّحْمِ، تُغْوِي مَنَازِلُهُ
قَلُوبَ الفَتَى، لَكِنَّهُ عِفَّةُ النَّظَرِ
تَلُوذُ بِثَوْبِ الحَشْمِ حِينَ أُسَائِلُ ال
مَحَاسِنَ، لَكِنْ لا تُجِيبُ سِوَى السِّتْرِ
لِيَ النَّاقَةُ العَصْمَاءُ، تَحْمِلُ مَوْجَتِي
إِذَا اضْطَرَبَتْ نَفْسِي عَلَى جَمْرِهَا الجَمْرِ
طَوِيلَةُ أَعْنَاقِ العُشَا، أُرْهِفَتْ لَهَا
قَوَائِمُهَا حَتَّى تُجِيدَ مَسِيرَ السَّفْرِ
إِذَا عَارَضَتْ رِيحُ الصَّبَا وَجْهَ وِجْهَتِهَا
تَثَنَّتْ، وَمَا فِي الظَّهْرِ إِلَّا هَوَى السَّيْرِ
تُبَكْبِكُ فِي البِيدَاءِ تَرْفَعُ غَارِبًا
كَأَنَّ عَلَى الكَتْفَيْنِ مِنْهَا جَرَّةَ الفِخْرِ
إِذَا قِيلَ: هَلْ فِي الحَيِّ مَنْ يُدْرِكُ السُّرَى؟
تَبَسَّمَ سَائِرُهُمْ، وَأَوْمَأَ نَحْوَهَا الخَبَرِ
تُجَافِي الثَّرَى عَنْ خُفِّهَا ثُمَّ تَنْثَنِي
عَلَى الأَثَرِ السَّاخِنْ كَمَا تَغْتَرِفُ النَّهْرِ
إِذَا مَا دَعَانِي الشَّوْقُ قُبَّةَ خِبَائِهَا
أَضْحَتْ لِيَ البَيْنَ البَعِيدَ كَقُرْبِ القَطْرِ
أُغَالِبُ فِي البَيْدَاءِ ظِلِّي، وَحَوْلَنَا
مَسَالِكُ، مَا فِيهَا سِوَى النَّأْيِ وَالقَفْرِ
إِذَا مَا طَلَعْنَا نَحْوَ صَيْدٍ تَطَايَرَتْ
قُطَاهَا، وَخَرَّ الصَّقْرُ فِي مَهْوًى خَطِرِ
أُطَارِدُهُ فَوْقَ القِفَافِ، كَأَنَّنِي
أُطَارِدُ مِنْ عَيْنَيْكِ طَيْفًا مِنَ الوَطَرِ
أُحَيِّرُ ظَبْيًا فِي الفَلَاةِ، وَمَا لَهُ
سِوَى رَعْشَةٍ فِي السَّاقِ تُفْصِحُ عَن ضَجَرِ
فَإِنْ نَالَهُ سَهْمُ اليَدَيْنِ تَرَكْتُهُ
لِجُوعَانَ مِنْ أَسْدِ الفَلَاةِ وَمِنْ نَسْرِ
وَمَا الصَّيْدُ إِلَّا حُجَّةُ البِيدِ عِنْدَنَا
لِنَمْضِيَ عَنِ الذِّكْرَى، وَمَا نَحْنُ عَنْ ذِكْرِ
أُقَلِّبُ أَيَّامِي عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَةٍ
وَأَعْلَمُ أَنَّ الحُزْنَ مَرْكُوبَةُ السِّفْرِ
إِذَا مَا أَتَى اللَّيْلُ الطَّوِيلُ عَلَى الفَلَا
أَضَاءَ لِيَ الهَوْجَاءُ مِنْ جَمْرِهَا السَّحَرِ
فَأُنْشِدُ مَا أَبْقَى الهَوَى فِي تَرَائِبِي
فَتَرْتَجِفُ الأَوْتَادُ فِي مَوْقِدِ البِشْرِ
وَأَخْتِمُ عُمْرِي، وَالمَطِيُّ مُسَافِرٌ
بِعَهْدٍ لَهَا، مَا زَالَ يَصْهَلُ فِي الصَّدْرِ