نَفَضْتُ رِدَائِي عَنْ غُبَارِ مَضَارِبٍ
وَتَرَكتُ خُطَايَ عَلَى حَاشِيَةِ الْمَنْزِلِ
أُقِيمُ عَلَى جَمْرِ الرِّحَالِ وَأَرْتَمِي
بِظِلِّ سَعِيرِ النَّارِ فِي وَهْجِ الْمُلَلِ
وَأَسْتَظِلُّ بِخَيْمَةِ الْعُشْبِ إِنْ طَفَتْ
شَمُوسُ الْبَيَادِ وَهِيَ تَلْسَعُ بِالْحِيَلِ
أُجَاذِبُ فَجْرَ الصَّبْحِ وَهْجًا خَامِدًا
يُدَاوِي لَظَى الْأَمْسَاءِ فِي قَلْبِ الرِّجَلِ
وَأَرْتَقِبُ الظِّلَّ الْقَدِيمَ كَأَنَّهُ
يَحُكُّ جُدُرَ الْخِبْءِ مِنْ حَجَرٍ أَذِلِّ
أُحَاوِلُ أَنْ أَشْهَدَ طَلْعَتَهَا سُدًى
فَتَجْتَثُّ نَفْحَ الْبَيْدِ عَنْ رَأْسِي الذُّلُلِ
فَإِنْ أَقْبَلَتْ طَارَ الْمَسَاءُ بِظِلِّهَا
وَجَاءَتْ رِيَاحُ الْوَجْدِ تَنْبِذُ بِالْخَبَلِ
أَرَاهَا كَصُبْحِ الْمَاءِ فِي عَيْنِ جَامِلٍ
تُغَسِّلُ جُرْحَ الْمَسْكَنِ الْقَفْرِ بِالْحُلَلِ
وَأُبْصِرُ فِي خَدِّ السُّرَى زَهْرَ وَجْهِهَا
كَمَا يَلْمَعُ السِّكِّينُ فِي كَفِّ الْأَبِلِّ
وَأَنْشُدُ عِطْرَ الْجِيدِ إِنْ مَسَّتْ يَدِي
غُصُونَ النَّوَى وَالرِّيحُ تَحْمِلُ بِالسُّبُلِ
وَإِنْ نَادَتِ الْبَانَةُ عَيْنِيَ صُبْحَهَا
رَكَضْتُ إِلَى كَفِّ الْحَيَاةِ مِنَ الْعَطَلِ
فَإِنْ أَجْفَلَتْ نَاقَتُهَا بِرِكَابِهَا
تَبَدَّدَ لَيْلِي فِي بُرُودِ الْمُنْفَلِلِ
وَأَمْضِي عَلَى وَجْهِ الرِّكَابِ مُوَحَّدًا
أُقَبِّلُ جِيدَ الْقَوْمِ فِي صَخْرِ الْعِدِلِ
وَأَرْفَعُ وَجْهِي إِنْ دَنَا الطَّلْعُ وَانْجَلَى
فَأَرْتَاحُ فِي جِلْدِ الْمَسَاءِ إِلَى الْمُلَلِ
وَأَعْتَصِرُ الْقَدْرَ الْقَدِيمَ كَخِشْبَةٍ
تَبَلَّلَهَا يَوْمًا نُدَى خَيْمَةِ الْأَوَّلِ
وَأَرْجُو يَدَيْهَا لَوْ أَتَاحَتْهَا النَّوَى
لَشَقَّقْتُ رَمْلَ الْبَيْدِ فِي ظِلِّ الْأَشَلِ
وَأَرْكُضُ فِي وَجْهِ الظِّلَالِ مُبَكِّرًا
كَأَنِّي أُطَارِدُ فِي دُجَايَ بِقَافِلِي
وَإِنْ أَقْبَلَ السُّمَّارُ أَحْسَبُهُمْ قَفَا
لِأَحْكِي لَهُمْ صَبْرَ الرِّجَالِ عَلَى الْأَجَلِ
وَأَحْمِلُ عَيْنِي فِي خَصَاصَةِ خِبْئِهِا
كَصَفْوِ الْغَدِيرِ بِمَوْجِ الرِّيحِ يَنْسَلِ
وَأُشْهِدُ نَفْسِي أَنَّ عَيْنَكِ مَرْمَرٌ
وَأَنَّ صَدَى الْوَجْدِ الْقَدِيمِ لَهُ وَصْلِي
وَكَمْ بَاتَ حَوْلِي فِي الْمَسِيرِ ظَبَايَةٌ
وَمَا رَاقَ لِي إِلَّا خَدِيكِ مِنْ قُبَلِ
وَأَقْطَعُ عُمْرِي فِي الْمَسَافَةِ نَازِفًا
وَأُرْدِفُ وَجْدِي فِي دَمِ الْقَلْبِ مُقْتَتِلِ
وَأَنْسَى سُهَادَ الْبَيْدِ إِنْ قِيلَ افْرَحُوا
فَمَا أَبْصَرَتْ عَيْنِي سِوَى دَرْبِكِ الْأَوْلِي
وَأَخْشَى حَسَانًا قَدْ مَرَرْتُ بِجَنْبِهَا
فَلَمْ يَهْتَزَّ قَلْبِي إِذْ تَبَسَّمْنَ بِالْخَجَلِ
وَأُرَاوِغُ عَيْنَ الْقَوْمِ فِي سَاحَةِ اللِّقَى
وَأَغْرِسُ فِي كَفِّ السُّرَى جَمْرَ الْأَمَلِ
فَإِنْ جُدْتِ بِاللَّيْلِ الْعَتِيقِ كَرِيحَةٍ
نَثَرْتُ جَمِيعَ الدَّهْرِ فِي جَيْبِكَ الْمُقْفِلِ
وَأَحْمِلُ ظِلَّ الصَّبْرِ فِي دُجْنَاءِ عَيْنِكِ
وَأَسْقِي لَظَى الرَّحْلِ الْقَدِيمِ عَلَى الْمُلَلِ
وَإِنْ غِبْتِ عَنْ نَحْرِي تَنَاثَرَ صَبْرُهُ
وَأَبْقَى كَذِئْبِ الْبَيْدِ يَبْكِي وَيَنْتَحِلِ
وَأَسْجُنُ عُمْرِي فِي قَرَارَةِ نَاقَةٍ
يُحَاوِرُهَا الْوَجْدُ الْقَدِيمُ إِلَى الطُّلَلِ
وَأُشْعِلُ فِي كَفِّ الشَّتَاءِ جَمِيرَهَا
وَأُصْبِحُ وَحْدِي فِي الْبَرَارِي كَالْخَلَلِ
فَإِنْ جَاءَ نَجْمُ الْبَيْدِ يَشْهَدُ لَيْلَهَا
ذَرَعْتُ السَّرَى وَتَكَوَّرَ الْجَمْرُ عَلَى الْحِلَلِ
وَإِنِّي لَفِي خَطْوِالْغَوَاهِرِ أُبْصِرُ
سَرَابَ عُيُونٍ فِي الْبَيَادِ مُظَلَّلِ
أَمُرُّ عَلَى رِيحِ الْغَرَامِ وَجَسَدِي
تُلَفِّحُهُ أَذْرَاعُ الرِّيَاحِ بِالأَسَلِ
وَأَحْلُمُ أَنْ لَوْ كُنْتِ مِثْلَ هُدَاةِ قَوْمِي
رَعَيْنَا الضُّحَى فِي جَانِبِ الْوَادِي الأَطَلِ
وَخَلَّفْتُ أَهْلِي وَالرِّكَابُ قَرِيبَةٌ
لأُخْرِجَ أَيَّامِي إِلَيْكِ مِنَ الْغَلَلِ
فَصِرْتُ أُخَالِطُ جَمْرَ شَوْقٍ بَادِيًا
يَسِيرُ فِي أَعْشَابِ فَلَاةٍ مُقْتَبِلِ
وَخَلَوْتُ بَعِيدًا عَنْ جِرَارِ الْقَوْمِ فِي
مَفَازَةِ نَخْلٍ لَمْ يَطَأْهَا رَحَلِ
وَبَيْنَ جَنَاحَي خِصْبِ وَسْطَ قَفْرَةٍ
لَمَحْتُ العَفْرَى تَسْقِي مِنَ الْجَدْوَلِ
شَهِدْتُ قِيَامًا كَسَنَامِ اللَّيْلِ مُرْتَفِعًا
يَشُقُّ صَمْتَ الفَلَا بِالرَّهْبَةِ الْخَجَل
تَدَلَّى عَلَى نَحْرِ الْغَدِيرِ كَمَخْمَرٍ
يُجَاذِبُ أَعْشَابَ السَّحَابِ بِمُنْسَلِ
لَهُ رَأْسُهُ كَالْبَدْرِ يَعْلُو مَفَازَةَ نَجْدِ
يَحُفُّهُ زَبَدُ النُّورِ فِي ظِلِّ الْغُدُلِ
وَعَيْنَاهُ دَمْعُ السَّحَابِ إِذَا التَظَّتْ
أَوْ لَيْلُ عَيْنِ الْقَطَا فِي رَمْلَةِ النَّقَلِ
وَمِشْفَرُهُ لَيْلُ الْجَمِيرِ إِذْ تَوَهَّجَ
سَرَابُ صَحْرَاءِ قَفْرٍ نَافِرٍ أَزَلِى
وَقَرْنَاهُ أَغْصَانُ الْعَرِيفِ كَخَطِّهِ
إِذَا رَتَّبَ الْكَاتِبُ مِزْوَجَةَ الْعُقَلِ
وَجِسْمُهُ بَيْنَ الرِّمَالِ مُرَمْهَمٌ
كَالنُّقْيِ أَضْوَأُ مِنْ صُبْحٍ مُقَبِّلِ
وَفِي ظَهْرِهِ خَطٌّ كَسَبْتِ الْوَادِيَ
عَلَى رَقَبَةِ الْبَيْضَاءِ يَسْرِي كَالنَّدَلِ
وَذَنَبُهُ الْأَبْيَضُ كَالطَّلْعِ يَنْهَضُ
إِذَا مَرَّتِ الرِّيحُ عَلَى قَرْنِ الْأَجَلِ
يُحَرِّكُهُ كَالرَّايَةِ الْحُرَّةِ إِذْ عَلا
يُبَاهِي بِهِ حُرٌّ صَفَاءَ الْمُنْتَهَى الْخَجِلِ
فَآخُذُ مِنْهُ السِّرَّ فِي وَصْفِ مَحْيَاكِ
وَأَعْبُرُ نَبْتَ الْبَانِ نَحْوَكِ وَأَنْسَلِ
كَأَنَّكِ فِي الرُّؤْيَا غَزَالَةُ فَاتِنٍ
تُخَيِّبُ أَهْلَ الرَّكْبِ وَتَسْبِي بِالْجَمَلِ
يَذُوبُ عَلَى الْجَدْوَلِ سِحْرُكِ نَاعِمًا
وَتَسْقِي شَغَافَ الْقَلْبِ نَبْتًا مِنَ الْخُصَلِ
فَأَنْسَى نِزَاعَ الْحَيِّ يَوْمَ تَفَرُّقٍ
وَأَمْضِي بِظِلِّ الشَّوْقِ فِي جُنْحِ الْمُقَلِّ
وَأَرْقُبُ عَيْنَ الشَّمْسِ تَسْجُدُ لِلْهَوَى
وَيَسْتَرْسِلُ النُّورُ الْقَدِيمُ عَلَى الْأَبِلِ
فَإِنْ قِيلَ مَنْ ذَا قَدْ مَلَكَتْهُ بَوَادِرٌ
قُلْتُ الْبَيَادُ وَهْيَ سَحَابَةُ الْأَوَّلِ
وَإِنْ عُدْتُ أُحْصِي خَطْوَ أَيَّامِي
وَمَا تُخَبِّئُهُ الرِّيحُ الْعَتِيقَةُ لِلنَّزَلِ
رَأَيْتُ الْحَيَاةَ مَرَّةً لَيْسَ فَوْقَهَا
سِوَى صَبْرِ قَوْمٍ قَدْ تَقَدَّمَ بِالْمُلَلِ
فَمَنْ يَجْرَعِ الظَّمْأَى بِقَعْرِ بَوَادِهٍ
يُقَلِّبُ أَحْجَارَ الْمَهَاةِ عَلَى الْوَبَلِ
وَمَنْ جَرَّبَ الْمَرَّ الْقَدِيمَ بِجِيدِهِ
تَطَيَّبَ بِالْجَمْرِ الَّذِي صَبِرَتْ رُسُلِ
وَلَا يَحْسِدُ الْعَبْدُ الْفَتَى فِي حَيَاتِهِ
إِذَا مَلَكَ الْعَيْنَيْنِ وَارْتَضَى الْمُقَلِ
وَمَا ضَرَّنِي أَنِّي وَحِيدٌ بِفَلْوَةٍ
مَدَى الصَّبْرِ عِزِّي وَالرِّضَا سِرُّ مُقْتَبَلِ
وَلَم يَفُتْنِي طَيْفُها في زَحْمَةِ القَوْمِ
فَمَا كانَ قِسمِي ليُخالفني الجَمَلِ
وَإِنْ سَاقَتِ الْأَيَّامُ حُزْنًا وَحِدَّةً
فَفِي كُلِّ شَوْكٍ يَنْبُتُ الصَّبْرُ وَيَبْتَهِلِ
أَقُولُ فِي الرَّمْلِ أَثَرُ كُلِّ مُرْتَحِلٍ
وَمَنْ يَرْتَجِي غَيْرَ الْقَدِيمِ فَقَدْ ضَلِّ
فَإِنْ خَانَنِي دَهْرِي فَذَاكَ لَهُ السُّرَى
وَلَا حُزْنَ فِي الْقَلْبِ الْأَبِيِّ عَلَى خَطَلِ
وَأُسَلِّمُ وَجْدِي وَغُصَّتِي إِلَى اللَّيْلِ
إِذْ يَهْوِي الرِّكَابُ عَلَى الطُّلَلِ
وَأُخْتِمُ قَوْلِي فِي جَمِيعِ مَسِيرَتِي
بِرِضْوَانِ مَا قُدِّرْتُ يَوْمًا عَلَى الْعِلَلِ
فَمَا البَيْدُ إِلَّا كِتَابُ العُمْرِ مُغْلَقٌ
يَفُكُّ رِقَابَ النَّفْسِ إِنْ صَبَرَتْ تَصِلِ
وَمَا كَانَ مِنْ صَبْرِ الْبَوَادِي وَشَجْوِهَا
سَيَبْقَى كَنَبْتِ الْبَانِ فِي جَنْبِ الْجَبَلِ
فَهَذَا أَنَا مَا حَفِظَ الرَّمْلُ غَيْرُهُ
بِمَا خَبَأَ الْوَجْدُ الْقَدِيمُ وَمَا دَلِ
أُحْيِي الْهَوَى بِصَحْرَاءٍ مَحْضَنٍ
أَنْزِفُ الشِّعْرَ مِنْ رَمْلٍ وَمِنْ جَبَلِ
وَأُسْلِمُ الرَّحْلَ الْقَدِيمَ لِحَاضِرِي
وَأَخْتِمُ عُمْرِي فِي طَرِيقِ الْمُرْتَحِلِ