تخطَّ إلى المحتوى

أباغت نفسي والصباح يجانب

الطويل

٨٥ بيت

النسيب

أُبَاغِتُ نَفْسِي وَالصَّبَاحُ يُجَانِبُ

وَيَخْتَطِفُ الطَّيْفُ الخَفِيُّ مَسَامِرِي

وَأَجْلِسُ فِي السِّرْبِ الْقَدِيمِ كَأَنَّنِي

عَلَى جَمْرِ أَثْفَايٍ وَقَارٍ مُسَاهِرِ

فَتَنْفُذُ ذِكْرَاكِ الْقَدِيمَةُ فِي دَمِي

كَمَا يَخْتَرِقُ السَّيْلُ الْغَامِرُ فِي الْغِمَارِ

وَيَزْحَفُ ضِيقُ الْجَنْبَتَيْنِ إِلَى صَدْرِي

كَقِرْبَةِ رَحْلٍ بَيْنَ قَبْضَتَي حَادِرِ

وَأُخْفِي هُمُومِي لِلْقَبِيلَةِ خَافِيًا

وَأَكْتُمُ شَكْوَايَ وَإِنْ سَفَحَت مَقَادِرِي

وَإِنْ بَادَرُونِي بِالكَلَامِ تَجَنَّبْتُ

وَأَرْخَيْتُ عَيْنِي فِي ظِلالِ الدَّوَاخِرِ

وَأَسْرَحُ فِي الآثَارِ أَلْحَقُ رَكْبَهَا

وَأَرْقُبُ جَفْنِي كَالرَّمَادِ الْمُنَاثِرِ

وَأَطْوِي النَّهَارَ كَمَا يُطَوَّقُ جَامِرٌ

وَيَضْمُرُ الْوَجْدُ القَدِيمُ عَلَى السَّرِيرِ

فَأَمْشِي إِذَا ضَاقَتْ بِيَ الْبَيْدُ دُونَهَا

كَفَارِسِ بَيْدَاءٍ وَضَعْتُ سِنَابِرِي

وَإِنْ جَاءَنِي فَجْرٌ يَنُوءُ بِذِكْرِهَا

لَبِسْتُ غُبَارَ الرَّحْلِ أَشْجَى النَّوَاظِرِ

وَأَحْسُو شُجُونِي بَيْنَ جَنْبَيَّ كُلَّمَا

تَدَافَعَ جَانِبَانِ مِنَ الْحَزَنِ الْغَجَرِ

أُحَمِّلُ رِجْلَيَّ الضُّمُورَ كَأَنَّهَا

ظِلَالُ رَكِيبٍ يَسْتَفِزُّ السَّرَادِرِ

وَأَنْفُضُ عَنْ جِلْدِي غُبَارَ رِّحْلَةٍ

تَرَكْتُ رُبَاهَا فِي رُسُومِ الدَّوَاثِرِ

وَأَمْضِي وَفِي جَنْبَيَّ صَمْتُ مَسِيرَةٍ

تُقَلِّبُهَا الرِّيحُ الْقَدِيمَةُ فِي السَّحَرِ

أَسِيرُ وَأَعْلَامُ الرِّكَابِ مُشَرَّعٌ

عَلَى النَّقْعِ وَالْجَمْرُ الْيَبِيسُ عَلَى الْحَجَرِ

وَأَرْقُبُ وَجْهَ الْبَيْدِ وَاللَّيْلُ أَرْهَقَتْ

سُهُودِي وَضَوْءُ النَّارِ يَلْمَعُ فِي الْأثِيرِ

أُخَالِطُ عَيْنَ الْبَانَةِ الْمُسْتَرِقَّةَ

وَأَنْظُرُ فِي الْجَوْنِ الْمُوَارِدِ كَالْقَدَرِ

وَأَشْحَذُ عَزْمِي إِنْ تَفَرَّقَ رُكَّبِي

وَأَحْفَظُ دَرْبِي بَيْنَ أَفْلَاذِ الشَّجَرِ

وَأَنْزِلُ ظِلَّ الْمُزْنِ يَحْمِلُ بَرْدَهُ

فَأَسْتَشْعِرُ السُّهْدَ القَدِيمَ عَلَى النَّوَرِ

وَإِنْ نَاءَتِ الرَّحْلُ الْقَدِيمُ فَمَا لَهُ

سِوَى جَمْرِ وُجْدٍ فِي قَلِيبِ الْمُهَاجِرِ

أُجَادِلُ رِيحَ البَيْدِ حِينَ تُنَشِّزُ

فَتَدْفَعُ جِلْدِي وَهْوَ يَلْتَاعُ بِالْحَرَرِ

وَأَغْرِزُ فِي وَهْدٍ مَهَابَ الرِّكَابِ إِذْ

تُخَاتِلُهُ الرِّيحُ الْعَتِيقَةُ بِالْحَفَرِ

وَأَسْقِي ضُلُوعِي وَهْجَ شَمْسٍ وَقَدْ غَفَتْ

عَلَى الْجَمْرِ أَثْقَالُ السُّرَى وَالمُسَاهِرِ

وَأَرْصُدُ دَرْبِي فِي انْقِبَاضِ قَفَافَةٍ

كَأَنِّي ظَليمٌ في قَفارِ الْمَهَاجِرِ

وَأَطْوِي الطَّرِيقَ وَالْجِرَارُ مُوَارِبٌ

تُحَرِّكُهُا أَيْدِي الرِّيَاحِ وَالْمَطَرِ

وَأَرْتَجِعُ الذِّكْرَى عَلَى ظِلِّ جَامِرٍ

يُهَدْهِدُ صَدْرِي فِي مَسَاءِ الْمُسَافِرِ

وَأَمْضِي عَلَى سُهْلٍ تَصَهْصَهُ نَارُهُ

وَيَرْقُدُ فِي أَعْشَابِهِ ظِلُّ عَابِرِ

وَأَجْهَرُ فِي صَمْتِ الْمَسِيرِ غَرَامَنَا

كَأَنِّي عَلَى أَثْرِ الرِّكَابِ بِمِسْعَرِ

وَأُكْثِرُ مِنْ ذِكْرِ الْمَنَازِلِ إِنْ مَرَرْتُ

عَلَى رَبْعِ صَبْرٍ أَوْ خِيَامٍ لِبَادِرِ

وَأَرْقُبُ بَيْنَ الْكَثِيبِ لَهِيبَ جَمِيرِهِ

وَأَرْتَاعُ مِنْ لَيْلِ الشُّجُونِ وَمِنْ سُهَرِ

وَأَغْتَرِفُ الْمَاءِ الْقَدِيمَ بِرَاحَتِي

وَأَشْرَبُ شَوْقِي فِي الْمَسِيرِ كَمَا الْوَتَرِ

وَأَحْفَظُ وَجْهِي مِنْ شُحُوبِ الْمَسَافِرِ

وَأَخْفَى جُرُوحِي خَلْفَ جَفْنٍ مُؤَزَّرِ

وَأَرْبُطُ نَفْسِي فِي مَسَارِحِ نَاقَتِي

كَرَبْطِ حِوَارٍ ضَاعَ فِي لَيْلِ سَاهِرِ

وَتَدُورُ أُمٌّ فِي الفَلَاةِ مُوَثَّقَةً

عَلَى الْحِبَالِ كَدَوْرِ شَوْقٍ دَائِرِ

إِذَا مَالَتِ الْبِيدُ انْثَنَى قَلْبِي مَعَهَا

وَإِنْ أَجْفَلَتْ سِرْتُ اتِّجَاهَ الْمُحَاذِرِ

أُعَاكِسُ خُطْوَاهَا كَرَاعٍ بِبَادِيَةٍ

يُرَوِّضُ نَاقَاتِ الهَوَى وَالمَشَاعِرِ

وَإِنْ أَخْطَأَ القَيْدُ وَانْفَلَتَ الْحَبْلُ يَوْمَهُ

تَشَرَّدَ وُدِّي فِي مَدَارِ الهَوَاجِرِ

وَيَبْقَى جَرِيحُ الشَّوْقِ أَدْنَى لِمَرْتَعٍ

تَدُورُ عَلَيْهِ اللَّيَالِي وَالمَخَاطِرِ

وَإِنْ جَفَّنِي قَوْمِي وَمَاجَتْ نُفُوسُهُمْ

تَنَاءَيْتُ عَنْهُمْ فِي طُرُوقِ الْمُحَاذِرِ

وَأَجْرِي فِي النَّفُودِ كَالسَّرَابِ يُطَالِعُ

أَثَارِيَ الْبَيْضَاءَ فِي جِيدِ الْمَقَادِرِ

وَأَنْظُرُ أَطْلَالَ الخِيَامِ كَأَنَّهَا

شُعَاعُ صَبَاحٍ بَيْنَ لَيْلٍ مُحَجَّرِ

وَأَتْبَعُ رَكْبَ النَّوَى كَالسَّيْلِ يَنْحَدِرُ

فَتَحْفَرُ قَدَمَايَ الرِّمَالَ بِالأَظَافِرِ

وَتَحْمِلُنِي الْأَيَّامُ فَوْقَ مَسَالِكٍ

تُدَاوِي جُرُوحِي وَالْفُؤَادُ مُنَذَّرِ

وَأَخْشَى طُرُوقَ الْبَيْدِ إِذْ يَتَنَاهَدُ

لِيَلِي عَلَى جَمْرِ السُّهُودِ الْمُدَثَّرِ

وَأَسْتَبْقِي الْآمَالَ بَيْنَ جَنَاحِيَ

كَرِيشِ قَطَا أَبْعَدَتِ الرِّيحُ مَحْضَرِي

وَأَمْشِي وَظِلِّي فِي المَسَافَةِ غَارِبٌ

كَأَنِّي شَبَحْتُ الشَّوْقَ فِي قَلْبِ مِحْجَرِ

وَأَنْقُضُ أَيَّامِي عَلَى جَمْرِ مَرْحَلٍ

يُنَادِمُنِي وَالْبَيْدُ قَفْرٌ بِمَهْجَرِ

وَأَشْهَدُ نَفْسِي وَالرِّحَالُ مَدَامِعٌ

تُبَثُّ إِلَى الْوَجْدِ الْقَدِيمِ بِمِئْزَرِ

وَأُطْفِئُ نَارَ الْهَجْرِ فِي جَوْفِ لَيْلَةٍ

وَأَسْتَنْشِقُ الْأَثْفَاءَ بَرْدَ التَّذَكُّرِ

وَإِنْ جَنَّنِي لَيْلُ الْغَرِيبِ وَأَغْفَلَتْ

مَنَازِلُ أَحْلَامِي طُيُورَ الْمُهَاجِرِ

أُخَادِعُ وَجْدِي كَيْ أُخَبِّئَ عَبْرَتِي

وَأَسْقِي جَرَاحِي مِنْ فُجُورِ الْمَقَادِرِ

وَأَمْضِي كَأَنِّي رَاحِلٌ لَا يَسُوقُهُ

سِوَى وَجْدِ قَوْمٍ فِي الطَّرِيقِ الْمُغَيَّرِ

وَأُفْرِغُ صَبْرِي فِي زَوَايَا مَضَارِبٍ

أُجَدِّدُهُ إِنْ كَانَ يُرْهِقُنِي سَهَرِي

وَأَرْقُبُ وَجْهَ الصُّبْحِ يَبْكِي غُرُوبَهُ

كَأَنَّهُ مِثْلِي حِينَ يَذْكُرُ مَن حَضَرِ

وَيَنْقَطِعُ اللَّيْلُ الْمُثَقَّلُ فِي جَفُونِي

وَيَغْمُرُنِي طَيْفُ الْبَانَةِ الْمُتَسَرِّرِ

فَأُبْصِرُ عَيْنَيْهَا تَلُوحَانِ فِي الدُّجَى

كَمِيزَابِ وَدْقٍ فِي أَسَارِيرِ مَطَرِ

وَيَسْرِي صَدَاهَا فِي جُرُوحِ مُسَافِرٍ

وَيَشْهَدُ نَبْضِي ضَوْءَ طَيْفٍ مُعَثَّرِ

وَأَلْحَقُ خُطَاهَا فِي الرِّمَالِ كَأَنَّهَا

أَثَافِيُّ نَارٍ فِي رَمَادِ الْمَحَاذِرِ

فَإِنْ هَمَسَتْ أَحْيَا الْغَرَامُ بِمَهْجَتِي

وَإِنْ غَابَتِ الْأَطْيَافُ أَظْلَمَ مَنْظَرِي

وَأَرْقُبُ ضَوْءَ الطِّيفِ فِي جَوْفِ لَيْلَةٍ

يُنِيرُ خَبَايَا الْقَلْبِ كَالنَّجْمِ السَّارِي

وَأَسْرِقُ نَفْحَاتِ الطِّيبِ مِنْ خِمْرِ جِيدِهَا

وَأُشْرِعُ عَيْنِي فِي هُدُوءِ الْمُسَاهِرِ

فَأُهْدِي إِلَى اللَّيْلِ الْقَدِيمِ تَذَكُّرِي

وَأَرْقُبُ طَيْفًا قَدْ تَرَبَّعَ فِي النَّظَرِ

وَأَرْنُو إِلَى وَجْهِ الظَّبْيَةِ الْمُتَحَفِّرِ

يَلُوحُ كَبَدرٍ فِي دُجَى اللَّيْلِ الْعَبِرِ

تَشِفُّ عَلَى الْخَدِّ الْمُحَيَّا نَضَارَةٌ

كَسَحْرِ الْمَطَرِّ الْعَارِي عَلَى وَرَقِ الزَّهَرِ

وَعَيْنَاهُ تَجْرِيَانِ دَمْعًا صَفْوَهُ

كَصَفْوِ غَدِيرٍ فِي غَسِيقٍ مُسَهَّرِ

تُوَارِي أَسَانِيدَ السُّهَادِ بِسِحْرِهَا

وَتُوقِدُ فِي جَوْفِي جَمَارَ التَّذَكُّرِ

فَإِنْ نَظَرَتْ أَذْهَلَتْنِي بِلَحْظِهَا

كَنَبْلِ ظَبَاءِ الْبِيدِ فِي اللَّيْلِ الْغَجَرِ

وَإِنْ أَطْرَقَتْ أَسْهَرَتْ نَارَ وَجْدِهِا

عُيُونِيَ حَتَّى ذُبْتُ فِي حَرِّ الْحَذَرِ

تُرَاوِغُنِي أَحْلَامُهَا فِي صَمْتِهَا

وَيَبْكِي الْمُحَيَّا فَوْقَ شَوْكِ الْمَنْظَرِ

وَيَبْقَى ضِيَاءُ الْعَيْنِ نَبْعًا خَالِدًا

يُوَارِي ضِيَاءَ الْبَدْرِ فِي سَاحِ الْبَصَرِ

وَيَنْهَضُ فِي جَوْفِي صَرِيعُ التَّوَقُّعِ

كَمَنْ يَتَلَمَّسُ ظِلَّ بَانٍ مُحَيَّرِ

وَأَعْرِفُ أَنَّ الْحُبَّ نَفْحَةُ عَابِرٍ

كَمَا يَسْتَحِمُّ الْمَطَرُ الْخَفِيفُ بِالْمَدَرِ

وَأَدْرِي بِأَنَّ الرِّيحَ تَحْمِلُ ذِكْرَهَا

وَيَنْقُضُ جِيدِي أَمَلٌ مُسْتَبْشَرِ

وَأُدَاوِي جِرَاحَ الْقَلْبِ وَهْوَ يُسَابِقُ

فَصْلَ النَّوَى وَيُقَصِّرُ الرَّكْبَ عَنْ مَسِيرِ

وَإِنْ جَاءَتِ الذِّكْرَى عَلَى سَهْوِ خَاطِرِي

تَقَوَّضَ مِنْ بَيْنِ الضُّلُوعِ الْمُعَسَّرِ

فَأَبْقَى أُعَانِقُ طَيْفَهَا وَكَأَنَّنِي

أَرُودُ مَفَازَاتِ الْحَنِينِ بِغَيْرِ وَطَرِ

وَإِنْ يَنْقَضِي اللَّيْلُ الطَّوِيلُ بِصَمْتِهِ

تَبَقَّى صَدَى الْوَجْدِ الْقَدِيمِ عَلَى الْأَثَرِ

وَأَعْلَمُ أَنَّ الْبَيْدَ شَاهِدُ دَامِعٍ

عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مَا مَلَكْنَاهُ مِنْ بَشَرِ

وَعَلَّمَنِي الدَّهْرُ الْقَدِيمُ وَمَا دَرَى

بِأَنَّ الَّذِي يَخْشَى النَّوَى لَا يُعَذَّرِ

وَأَنْ لَا أُرَاوِغَ فِي الْحَيَاةِ وَخِبْرَتِي

أُسَلِّمُهَا لِلْقَدَرِ الْعَتِيقِ وَأَصْبِرِ

فَمَنْ شَرِبَ الْمَرَّ الْقَدِيمَ بِسَرْجِهِ

تَطَيَّبَ بِالْجَمْرِ الْمُعَلَّقِ بِالْقِدَرِ

وَإِنَّمَا الْعُمْرُ الَّذِي نَحْفَظُهُ

ظِلٌّ مِنَ الظِّلِّ الْمَجِيدِ عَلَى الأَثَرِ

وَكَمْ ضَلَّ قَوْمٌ فِي الْبَوَادِ وَمَا وَعَوْا

أَنَّ الرَّمَادَ يَخْنُقُ النَّارَ إِنْ كَثُرِ

فَإِنْ سَائِلِي يَوْمًا تَنَاهَى لَهُ خَبَرِي

فَإِنِّي ابْنُ بَيْدَاءَ الْحَنِينِ وَمُدَّكِرِ

وَأَطْوِي سَنِينِي فِي الْمَسِيرِ كَمَا رَأَتْ

عُيُونُ الرِّكَابِ ظِلَّ قَلْبٍ مُسَهَّرِ