تخطَّ إلى المحتوى

رفعت رأسي والريح تلعب بالرحاب

الوافر

٨٥ بيت

النسيب

رَفَعْتُ رَأْسِي وَالرِّيحُ تَلْعَبُ بِالرِّحَابِ

فَبَانَتْ كَظَبْيَةِ وَحْشٍ يَقُودُهَا النَّصَبُ

خَرَجَتْ مِنَ الخِبَاءِ كَأَنَّ البَيْدَ تَحْمِلُهَا

وَفَوْقَ جَبِينِهَا حِلْيٌ يُصَفِّقُ وَيَنْسَبُ

تُضِيءُ الْمَكَانَ بِحِلْيِ فِضَّةٍ مُتَهَدِّلٍ

وَتَهْتَزُّ فَوْقَ جَبِينِهَا الدَّوَائِرُ وَاللُّعَبُ

عَلَى جَبِينِهَا وَشْمُ قَبِيلَةٍ عَزِيزَةٍ

يَخُطُّ الْفَخَارَ وَيَشْهَدُ الصَّبْرُ وَالْغَلَبُ

وَعَيْنَاهَا سَهْمٌ مِنَ الكُحْلِ مَذْبَحُهُ

إِنْ أَبْصَرَهَا الرَّخَم خَافَ وَيَرْتَعِدَ الْعَصَبُ

وَفَوْقَ الْعُيُونِ نِقَابُ فِضَّةٍ خَفَقَتْ

بِرِيحٍ تُجَلْجِلُهَا إِذَا سَرَتِ السُّحُبُ

وَخَاتَمُهَا صَوْغُ فَحْلٍ جِذْمِهِ نَسَبٌ

عَنْ مَجْدِهَا يَشْهَدُ الطِّيبُ وَالطَّرَبُ

وَأُقْرِئُ النَّقْشَ قُبَّةَ جَبْهَتِهَا فَيَسْكُنُ

كَمَا يَسْكُنُ الْوَسْمُ فِي الْكَبِدِ وَيَنْتَصِبُ

وعَلى الثَّغْرِ أثرُ غَيْمِ وَمَبْسَمٌ يُهَلِّلُ

إِنْ ضَحِكَتْ فَيَخْجَلُ الأَدَبُ

وفي أَنْفِهَا حِلْيَةٌ لَمْ يَمَسَّهَا صَائِغٌ

تُرَجْرِجُهَا نَفَسٌ يَرْتَجِفُ مِنْهَا الذَّهَبُ

وَعِقْدُ فِضَّةٍ يُغَطِّي جَيْدَهَا وَكَأَنَّهُ

قَطْرُ النَّدَى عَلَى وَرْدِ الْبَانِ يَنْسَكِبُ

وَيَسْتَكْنِفُ السِّتْرُ السَّوَادُ جَسَدَهَا

كَأَنَّهُ لَيْلُ بَيْدَاءٍ عَلَيْهِ الدَّهْرُ يَنْسَرِبُ

تَحْمِلُ السَّكِينَةَ فِي طَرْفِهَا وَشَمْخَةً

تُقَلِّدُهَا صَبْغَةَ الرَّمْلِ وَالْعِرْقُ يَلْتَهِبُ

وَفِي يَدِهَا نُقَطُ الْبَدْوِ قَدْ رُسِمَتْ

كَنُقَاطِ وَبْلٍ عَلَى صَفْحَةِ الْقَرَبُ

وَتَمْشِي كَأَنَّ البَيْدَ خُلِقَتْ لِخُطْوِهَا

فَيَرْكَعُ صَخْرٌ إِذْ تَمُرُّ وَالْجَدَبُ يَجْتَنِبُ

وَحَوْلَ الْعُنُقِ عِقْدٌ وَحَوْلَ الرَّأْسِ

جَرْسُهُ يُخَبِّرُ أَهْلَ الْمَضَارِبِ أَنَّهَا أُعْجُوبُ

يَتَفَجَّرُ الْبَدْوُ فِي نَبْرَةِ الضِّحْكَةِ الْعَلْيَا

فَإِنْ ضَحِكَتْ أَخْجَلَتِ النُّورَ وَالطَّلَبُ

رَأَيْتُ بِهَا لَفْتَاتِ مَنْ كُنْتُ أَعْشَقُهَا

فَخَالَطَ قَلْبِي مِنْ هَوَاهَا عَتَبُ

وَمَا كَانَتِ الْأَنْفَاسُ مِنْهَا وَإِنَّمَا أَتَتْ

كَنَسِيمِ الرَّبْعِ يَذْكُرُ مَنْ ذَهَبُوا

فَظَنَنْتُهَا وَهْلًا وَعَادَتْ صُوَرُهَا

تُعِيدُ إِلَى عَيْنِي وَجْهًا مُغَيَّبُ

وَقُلْتُ لَعَلَّ اللَّيْلَ أَرْسَلَ طَيْفَهَا

لِيُوقِظَ نَارًا فِي الضُّلُوعِ تَلَذَّبُ

هِيَ ابْنَةُ عِرْقٍ كَالظَّبِيَّةِ الْمُرْتَقَبْ

إِذَا لاحَ حُسْنُهَا خَجِلَ السَّنَاءُ وَيَحْتَجَبُ

يَحْتَفِي السِّتْرُ بِقَامَتِهَا وَاللَّيْلُ يُرْدِفُهَا

وَيَغْتَسِلُ الْبَيْدٌ فِي وَجْنَتَيْهَا وَيَنْسَكِبُ

وَهَبَّ دَمِي مِنْ سُفْلِ صَدْرِي

كَأَنَّهُ سَيُطْفِئُ جَمْرًا فِي الحَشَا يَتَلَهَّبُ

وَأَحْسَبُ أَنَّ العَيْنَ لَمْ تُنْصِفِ

النَّوَى وَلَكِنَّهُ وَجْدٌ إِذَا جَاءَ يَعْتَلِبُ

تَصَعَّدَ فِي صَدْرِي هُيَامٌ كَأَنَّهُ

سَرَاةُ نُجُودٍ فَوْقَهَا الرِّيحُ تَعْزِبُ

وَأَعْلَمُ أَنِّي لَا نَصِيبَ لِيَ عِنْدَهَا

وَلَكِنَّ قَلْبِي فِي الهَوَى لَا يُؤَنَّبُ

وَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ يُعِيدُ تَصَبُّرِي

حِكَايَةَ صَبٍّ فِي الصَّبَابَةِ يُسْلَبُ

وَأَمْشِي كَأَنْ يَدِي بِغُلٍّ تَشُدُّنِي

وَأَنِّي أَسِيرٌ لِلطَّرِيفِ المُعَذِّبُ

أَسِيرُ عُيُونٍ لَوْ أَرَادَتْ فِكَاكَهُ

لَمَا رَامَ قَلْبِي الفِدَاءَ وَيَرْغَبُ

وَأَعْلَمُ أَنَّ الْحُسْنَ رُمْحٌ مُقَوَّمٌ

إِذَا نَفَذَتْ نَجْلانُهُ لَا يَتَثَلَّبُ

فَعَيْنَاهَا نَبْلٌ فِي الضُّلُوعِ مُشَاهَدٌ

يُصِيبُ وَلَا يُخْطِي وَقَلْبِي يَرْتَجِبُ

وَلَا قُوَّةٌ تَدْفَعْ هُيُومَ سِهَامِهَا وَلَا

عَزْمُ عَبْسٍ إِنْ يَهُوجُ وَيَكْتُبُ

فَإِنْ قُلْتُ هَلْ لِي مِنْ فِرَارٍ مِنَ

اللِّقَا تَبَسَّمَ قَدَرٌ فِي السَّرَاءِ وَيَسْلُبُ

وَلَوْ خُيِّرَ القَلْبُ انْفِكَاكًا لَمَا ارْتَضَى

سِوَى قَيْدِ عَيْنٍ بِالْمَحَاسِنِ يَجْذُبُ

فَأَنَا وَإِنْ أَبْصَرْتُ أَنِّي مُجَرَّدٌ

مِنَ الحَظِّ إِلَّا أَنَّ قَلْبِي يَكْتَرِبُ

وَأَعْرِفُ أَنَّ العِرْقَ يَهْوَى دِيَارَا

تُقَرِّبُهُ وَالرَّغْبَاءُ تَدْنُو وَتَغْلِبُ

وَلَسْتُ الَّذِي يَهْوَى الفَكَاكَ مِنَ الأَسَى

إِذَا لَاحَ وَجْهٌ فِي الحَيَاةِ مُعَذَّبُ

وَلَسْتُ الَّذِي يَرْجُو نَجَاةً مِنَ اللِّقَا

فَإِنَّ أَسَارَى الحُسْنِ يَحْلُو لَهُمُ السَّبَبُ

أَتَدْرِينَ يَا بَانَةَ البَيْدِ إِنَّنِي

أُصِيبُ بِذِكْرَاكِ وَالْفَجْرُ يَرْقُبُ

أُفِيقُ عَلَى نَارِ الْمَضَارِبِ وَالضُّحَى

فَيَرْقُصُ طَيْفُكِ فِي الرِّمَالِ وَيَضْطَرِبُ

وَكُلُّ صَبَاحٍ يَفُورُ هَوَاكِ فِي ضَلَعِي

كَمَاءِ الْغَدِيرِ إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُ الصَّبَبُ

أُرَتِّقُ لَيْلِي بِذِكْرَاكِ كَالصَّادِرِ الْوَجِلِ

يُقَلِّبُ عَيْنَيْهِ فِي الأَفْقِ حَيْثُ لَا مَهْرَبُ

وَأَحْسُدُ قَلْبِي إِنْ هَدَأْنَا سَوَاعَةً

وَأَغْفَلَ عَنْ وَجْدِي فَهَلْ يَسْلُو أَرَبُ

وَيَا لَيْتَ أَنِّي مَا وُصِبْتُ بِحُبِّهَا وَلَمْ

يَتَّجِهْ نَحْوِي مِنَ الدَّهْرِ مَا نَصَبُ

وَيَا لَيْتَ قَلْبِي مَا عَرَفْتُ سَبِيلَهَا

وَلَمْ تَهْتَدِ العَيْنَانِ نَحْوَ الَّذِي يَجُبُ

وَلَكِنَّهُ الْوَجْدُ إِذَا حَلَّ فِي الْحَشَا

تَقَاسَاهُ حُرٌّ وَيَهِينُ لَهُ الصَّعْبُ

أُفَتِّشُ عَنْ عُذْرٍ لِحُبِّكِ مَا وَجَدْتُ

سِوَى الْأَمَلِ الْمَذْبُوحِ بِقَلْبٍ يَنْتَحِبُ

وَكَمْ قُلْتُ يَا لَيْتَ لَمْ أُولَعْ بِطِرَافِكِ

وَلا قَرَعَتْ خَيْمِي رِيَاحُكِ وَالْغَرَبُ

وَيَا لَيْتَ صَبْحِي يَقُومُ وَلَا أَرَاكِ بِهِ

فَإِنَّ لِذِكْرَاكِ فِي الحَشَا جُمْرَةً تَلْتَهِبُ

وَلَكِنَّهَا الذِّكْرَى تَشُبُّ مَشَاعِلًا

تُقَلِّبُ أَيَّامِي وَ الصَّدْرُ مُضْطَرِبُ

فَهَلْ تَعْلَمِينَ وَاللَّيَالِي شَوَاهِدٌ

بِأَنَّكَ أَشْهَى مَا يُشَاهِدُهُ الْغَرْبُ

وَهَلْ تَدْرِينَ أَنِّي إِذَا الْفَجْرُ سَارَنِي

أَسِيرُ عَلَى ذِكْرَاكِ مَا لِيَ مُهْتَرِبُ

وَأُخْفِي وُجُودِي عَنْ جُلُوسِ الْقَوَافِلِ

لِئَلَّا يُبَاحَ الْحُبُّ فِي الْحَيِّ وَيُغْلَبُ

فَإِنْ قَدَرَتْ يَوْمًا عَلَى السَّيْرِ نَحْوَنَا

فَذَاكَ مَنَى قَلْبٍ بِهِ الْوَجْدُ مُشْتَعِبُ

وَإِنْ لَمْ تَرِدْ عَيْنَاكِ يَوْمًا مَنَازِلِي

فَحَسْبِي بِذِكْرَاكِ يَبْقَى الْعُمْرُ يُنْتَهَبُ

وَخَرَجْتُ أَمْشِي وَالنَّوَى شَرِبُ

يَحُثُّ خُطَايَ وَاللَّيْلُ الْمُرِيرُ يَكْتَئِبُ

وَتَحْمِلُنِي الرِّيحُ السَّفَارَى بِنَخْوَتِي

وَظِلِّي عَلَى أَثَرِ الغَادِينَ يَنْتَسِبُ

وَفِي كَفِّيَ الأَثَافِي يَسْكُنُ الْجَمْرُ

وَيَلْهُبُنِي الشَّوْقُ إِذْ يَمْضِي وَيَنْقَلِبُ

وَأَمْضِي وَوَجْدِي فِي الضُّلُوعِ زَمَانُهُ

يُفَتِّتُ صَبْرِي كَيْفَ مَا قَالَ لِي التَّعَبُ

يُوَارِينِي الرَّمْلُ الْعَتِيقُ وَهَاجِرِي

طِرَادُ حُبٍّ بَيْنَ جَفْنِي وَمَا يَجِبُ

وَإِنْ صَاحَبَتْنِي عَيْنُ نَجْمٍ فِي الدُّجَى

تَشُقُّ سَوَادَ اللَّيْلِ وَالقَلْبُ مُضْطَرِبُ

وَخَلْفِي الْمَضَارِبُ وَالصَّبَابَةُ بَالِغٌ

وَأَمَامِيَ الْبَيْدُ يَمْتَدُّ وَيَنْسَحِبُ

أُقَلِّبُ فِي أَطْلَالِ رَكْبٍ قَدْ تَنَاءَى

فَيَنْفَضُّ عَنْ صَدْرِي غُبَارٌ يَنْتَشِبُ

وَأَتْبَعُ جَمْرَ الذِّكْرِ في مَهْمَهٍ نَدِبٍ

يُنَاجِي خُطَايَ لَيْلٌ غَرِيبٌ مُسَهَّبُ

تَخَفَّتْ صَدَاهَا النَّاقَةُ الْعُودُ فِي الْقِفَارِ

تُعَانِقُ قِدَمَ الرِّيحِ وَالْوَجْدُ يَضْطَرِبُ

وَإِنْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا طَلِيعَةَ وَحْشَةٍ

أُسَائِلُ جُرْحِي أَيُّنَا أَوْلَى يَغْلِبُ

فَأَدْرُجُ بَيْنَ النَّقْبِ وَالْقَفْرِ مُنْفَرِدًا

وَيُشْهِدُنِي سَهْلُ المَدَى أَنِّي مُغْتَرِبُ

وَإِذْ سَكَنَتْ نَفْسِي عَلَى طَيفِ بَانَةٍ

يَشُبُّ خَيَالُ الذِّكْرِ فِي الجَوْفِ وَيَلْتَهِبُ

وَمَا ضَيَّعَ الْمَجْدُ الْقَدِيمُ عِنَاقَهُ وَلَا

خَانَهُ وَجْدٌ وَلَا هَانَ أَوْ يَشْحَبُ

فَفِي كُلِّ دَرْبٍ كُنْتُ أَضْرِبُ الْفَلَاةَ

تَشُبُّ ذِكَرَاكِ وَالعُشَّاقُ تَنْتَحِبُ

وَمَا لِلْفُؤَادِ إِلَّا جُمُوعُ صَبَابَةٍ

تُقَلِّبُ أَيَّامِي وَمَا لِلْهَوَى هَرَبُ

وَإِنْ نَزَحَتْ نَوْحُ الْقَوَافِي مَدًى

تَبَقَّى وَلَاءُ الْحَبِّ لَا يَتَغَرَّبُ

وَإِنْ شَتَّتَتْ أَيَّامُهَا الرِّيحُ وَالنَّوَى

فَذِكْرَاكِ عِقْدٌ فِي الحَشَا لَا يُقَطَّبُ

وَأَغْلَقَتِ الدُّنْيَا بَقَايَا مُقَامِرِي

وَبَانَتْ دُرُوبُ الصَّبْرِ وَالْبَيْنُ يَنْتَصِبُ

سَأَمْضِي كَمَا يَمْضِي عَرِيقُ جَمِيلِهِمْ

أُقَبِّلُ ظِلَّ الذِّكْرِ وَالأَمَلُ المُنْتَدِبُ

فَإِنْ خَانَنِي كَفِّي وَمَازَالَ وَجْدُهَا

يَخُطُّ بِجِدْرَانِ الْحَنِينِ وَيَنْقُبُ

فَمَا خَابَ قَلْبٌ كَانَ يَسْكُنُهُ اللَّظَى

وَلَا غَابَ حُبٌّ عَاشَ فِيهِ دَأَبُ

فَأَمْضِي وَرَاءِ الرَّكْبِ إِنْ بَانَ مُنْقَطِعًا

وَأَحْمِلُ نَارَ الوَجْدِ حَتَّى يَنْقَضِبُ

فَإِنْ ضَاعَ مِثْلِي فِي فَلَاةٍ وَمَاجَدٍ

تَرَكْتُ لِعُشَّاقِ الطُّلُولِ مَا يُعْشَبُ

وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَالْبَيْدُ صَامِتٌ

سَيَبْقَى لَهُوَاكِ الْقَدِيمُ وَيَطْلُبُ

فَهَذَا هُوَ العِزُّ الَّذِي لَا يُذَلُّ لَهُ

سَيَّارٌ يَحْنُو لِلْهَوَى وَيُعْرَبُ

وَمَا فَاخَرَتْنِي العَيْشُ إِلَّا بِذِكْرِكُمْ

وَمَا ضَرَّنِي فَقْدٌ وَلَا أَرَّقَ النَّدْبُ

أُوَدِّعُ رَبْعًا كُنْتِ فِيهِ مُشَعْشَعًا

وَأُطْفِئُ جَمْرًا فِي الضُّلُوعِ يُشَعْشِبُ

سَأَبْقَى عَلَى عَهْدِ الصَّبَابَةِ صَادِقًا

وَيَكْفِينِي النَّجْمُ البَعِيدُ إِذَا يَحْجُبُ