تخطَّ إلى المحتوى

أما تسألينا الدهر ما صنع البلى

الطويل

٤٢ بيت

النسيب

أَمَا تَسْأَلِينَا الدَّهْرَ مَا صَنَعَ الْبِلَى

بِرَبْعٍ جَرَى فَوْقَ الرِّمَالِ رَحِيلُهُ

وَكَمْ رَبْعِ حُسْنٍ فِي الفَلَاةِ تَنَاثَرَتْ

مَعَالِمُهُ فَالْعَيْنُ تَبْكِي دَلَائِلُهُ

وَأَسْأَلُ دَارًا قَدْ تَخَلَّفَ أَهْلُهَا

أَيَرْجِعُ يَوْمٌ كُنَّا بِالأَمْسِ نَأْمِلُهُ

وَأَجْلِسُ فِي ظِلِّ الأَثَافِيِّ مُوقِدًا

حَنِينًا وَجَمْرُ الصَّبْرِ فِي الكَفِّ أَوْقِدُهُ

وَأَتْبَعُ آثَارَ الظِّعَانِ وَرَسْمَهَا

عَلَى التُّرْبِ حَتَّى يَعْيَ قَدَمِي وَيُحْفِرُهُ

كَأَنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا

أُجَاوِزُ أَرْحَالَ الرِّكَابِ وَأَلْثِمُهُ

أُزَيِّنُ لِنَفْسِي أَنْ أُشَدِّدَ مَرَّةً

وَيَأْبَى هَوَى الغَزَّالَةِ إِلَّا أُطَاوِلُهُ

ثُمَّ انْثَنَيْتُ إِلَيْكِ وَالدَّمْعُ سَائِحٌ

أُحَدِّثُ قَلْبِي أَيْنَ ظِلِّي أُحَاوِلُهُ

فَقَدْ غَادَرَتْ عَيْنَاكِ فِي كُلِّ مَنْهَلٍ

سَنًا يُضِيءُ الدَّرْبَ وَاللَّيْلُ مُظْلِلُهُ

وَخَدٌّ سَقَى الوَرْدَ العَتِيقَ رُضَابُهُ

فَيَرْوَى لَهُ ظَمْآنُ قَلْبٍ يُقَبِّلُهُ

وَثَغْرٌ كَأَنْ فِيهِ شَهْدًا مُسَالَهُ إِذَا

ابْتَسَمَتْ ضَوْءُ الصَّبَاحِ يُنَزِّلُهُ

وَعَيْنَاكِ إِنْ تَلْقَ القُلُوبُ سَنَاءَهَا

تُطَاطِئُ مِنْهَا حَدَّ طَرْفٍ وَيُذْهِلُهُ

وَقَدٌّ سَلِيلُ الغِزْلِ إِذْ هَزَّ رَخْصَهُ

تَرَنَّحَ فِيهِ الخَطْوُ حَتَّى يُخَيَّلُهُ

وَقَامَتُكِ المَسْقُولَةُ يَرْتَجِفُ النَّدَى

عَلَى خَصْرِهَا وَالرِّيحُ رِقًّا تُدَلِّلُهُ

وَخَصْرٌ إِذَا مَا الْتَفَّ فِي حَلَقَاتِهِ

ظَنَنْتُ بِهِ أَفْعَى الحِمَى وَحَبَائِلُهُ

وَمِشْيَتُكِ الظَّبْيُ السَّرِيعُ إِذَا مَشَى

تَرَنَّحَ رَمْلٌ حَوْلَ خَطْوٍ يُجَمِّلُهُ

وَشَعْرٌ إِذَا مَا أَلْقَتِ اللَّيْلَ ظِلَّهُ

تَدَثَّرَ فِيهِ البَدْرُ حَتَّى يُكَلِّلُهُ

وَعِطْرُكِ لَوْ هَبَّتْ نَسِيمَةُ صُبْحِهِ

عَلَى كَبِدِي أَلْقَى القَتَادُ حَدَّتَهُ

لَقِيتُكِ عِنْدَ المَاءِ وَالمَاءُ نَاضِرٌ

يُجَاوِبُ فِي كَفَّيْكِ ظَمْأً نُبَلِّلُهُ

تَمُدِّينَ كَفًّا بِيضَةً تَحْتَ نُورِهَا

فَيَذُوبُ لُجَيْنُ المَاءِ حَيْثُ يَنْسِلُهُ

فَقُلْتُ أَمَاءٌ ذَا أَمِ النَّدَى أَمْ شَهْدُهُ

فَطَرْفُكِ قَدْ أَغْنَى الجَوَابَ وَأَجْمَلُهُ

أَتَانِي حَيَاءٌ مِنْكِ يَمْشِي مُعَرَّسًا

عَلَى السِّرِّ أَوْ لَيْلٍ يُطِيلُ ذَوَائِلُهُ

فَصِرْنَا كَنَخْلَيْنِ الْتَقَيْنَا عَلَى ظَمَإٍ

وَفِي العَيْنِ مَاءٌ وَالشِّفَاهُ تَرَشْرِفُهُ

ثُمَّ انْفَلَّ يَوْمٌ وَالضُّحَى يَتَعَصْفُ

السَّنَا وَسُيُوفُ البَيْنِ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ

رَأَيْتُ رِمَاحَ الهَجْرِ تَحْتَ ظِلَالِنَا

تَقُصُّ وِصَالًا كُنَّا أَمْسِ نُطَاوِلُهُ

رَأَيْتُ ظِلَالَ البَيْنِ تَقْصِفُ وَصْلَنَا

كَمَا تَقْصِفُ الرِّيحُ الغُصُونَ وَتَقْلَعُهُ

فَقُلْتُ لِنَفْسِي وَالفِرَاقُ مُخَيِّمٌ

هُنَا المَوْتُ هَذَا ثَوْبُهُ وَمَداخِلُهُ

سَيَذْهَبُ هَذَا الوَجْدُ مِثْلَ غَمَامَةٍ

إِذَا عَاثَ فِيهَا الدَّهْرُ وَالرِّيحُ تُجْفِلُهُ

وَتُبْقِي الرُّسُومَ البِيضَ تَشْهَدُ أَنَّهُ

عَلَى الصَّدْرِ جُرْحٌ وَالزَّمَانُ يُسَجِّلُهُ

وَيَبْقَى عَلَى الأَكُفِّ جَمِيمٌ كَأَنَّنِي

نَثَرْتُ سِهَامَ الذِّكْرِ فِيهِ فَيَحْمِلُهُ

فَلَا تَعْذُلُوا دَمْعِي إِذَا مَسَّ خَدَّهَا

فَإِنَّ هَوَى الظَّبْيَاءِ نَارٌ غَلَائِلُهُ

وَإِنِّي لِقَوْمٍ فِي الوَفَاءِ إِذَا نَأَوْا

أُقِيمُ عَلَى العَهْدِ القَدِيمِ وَأَحْمِلُهُ

وَإِنْ نَابَ خَيْلُ الدَّهْرِ عَنِّي فَإِنَّنِي

عَلَى جَمْرِ هَذَا الوُدِّ صَبْرًا أُرْسِخُهُ

وَمَا رَزِيَّةُ الأَيَّامِ إِلَّا أَرَى الَّذِي

أُحِبُّ يُوَارَى، وَالْوِجْدُ يَعْقِلُهُ

وَأَرْعَى الذِّكَرَى رَعْيَ نَاقَةِ مَهْمَهٍ

إِذَا غَابَ رَعْيَانٌ فَإِنِّي أُكْمِلُهُ

سَأَبْقَى عَلَى عَهْدِ الوِصَالِ مُعَذَّبًا

وَإِنْ غَابَ وَجْهُ الحُسْنِ قَلْبِي يُؤَصِّلُهُ

فَهَذَا هُوَ القَيْدُ الَّذِي لَا فِكَاكَ لَهْ

وَهَذَا هُوَ المَوْتُ إِذَا الحُبُّ يَذْبُلُهُ

إِذَا مَاتَ فِي قَلْبِ الفَتَى وُدٌّ مُحْكَمٌ

فَقَدْ مَاتَ فِيهِ يَوْمُهُ ثُمَّ آجِلُهُ

قِفِي غُدْوَةً عِنْدَ الطُّلُولِ ثُمَّ سِيرِي

فَقَدْ خَلَّفَتْ فِي الرِّيحِ قَلْبًا يُرَجِّعُهُ

فَمَا العَيْشُ إِلَّا غَيْمَةٌ مَرَّ ظِلُّهَا

عَلَى كَبِدٍ وَالوَجْدُ يَبْقَى يُؤَجِّجُهُ

وَإِنْ هَبَّتِ الأَنْوَاءُ فِي وَجْهِ رُكْبِنَا

فَإِنَّ رِمَاحَ العَزْمِ تَبْقَى تُجَادِلُهُ

وَيَبْقَى لَنَا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ مُعَلَّمٌ

بِرَمْلِ الفَلَاةِ الحُبُّ عَهْدًا نُخَلِّدُهُ