رَنَا بي سُهادٌ لم تُحِطْهُ العصافِرَا
فأوقدَ في جمرِ الفؤادِ السَّرى سَحَرَا
أُقَلِّبُ في رملِ الدُّجى كفَّ ذاكرٍ
وأُنصِتُ للأثرِ الدفينِ وقد غَبَرَا
أَتَتْني نُوَيْحَاتُ الهَوَى مِنْ جُدَيْدَةٍ
تَعِدُّ شُجُونَ العَيْشِ قَفْرًا ومَقْفَرَا
وَأبْصَرْتُ ظِلًّا في العشيِّ تَحَنَّبَتْ
عليهِ جِباهُ الرملِ حتى تَعَفَّرَا
وَنَادَتْ سَحائِبُ الدَّجَى بِنَوَاحِهِ
وأوجَسَ قلبي أنْ يَمُرَّ ويَنْدَرَا
خُطُوطُ الضباعِ العاوياتِ كأنها
سِوارٌ مِنَ الأَشْوَاكِ صُفِّدَ وانتثَرَا
أُحَدِّثُ نَفْسِي والسُّهادُ يُعَذِّبُ المَدى
وأَسِيرُ البيدَ والحُلْمُ مُنْسَجِرَا
وفي مَقْرَبِ الخِبَاءِ مِجْدَحٌ قَدْ بَقِيَتْ
جِراحُ الهَوَى فيهِ ولم يُسْقَ مُعْصَرَا
تَحَدَّرَ دَمْعِي حينَ لاحَتْ خَيَالَةٌ
تُشَاكِلُ ضِلِّي عندَ مَطْلَعِهِ انْحَدَرَا
أَسِرُّ إلى القَطَا والهوى نَزْفُ مِئْزَرٍ
ويَخْفِقُ في قَلْبِي غَلِيلٌ تأبَّرَا
يَشُدُّ لظى الذكرى بقلبٍ مُجَمَّرٍ
كَنَارِ السِّجِلِّ إذا استشاطَ وتَسْعَرَا
وأَسْرُحُ بينَ الغَصْنِ والسَّمْرِ أرتقي
شُجَيْرَةَ أحْلَامٍ بها العَطَشُ انْكَسَرَا
كأنَّ يدَ البيداءِ فوقَ ضُلُوعيَ
المُسَهَّدَةِ الساعاتِ أَوْقَدَتِ القَدَرَا
مضَى رَكْبُها والسَّرْجُ يَخْلِفُ غَيْهَبِي
وشَمْلِي على فَيْضِ الحنينِ قد انْحَسَرَا
وَخَلَّفَ فِي سَفْحِ الكُثَيْبِ حِكايَةً
تُقَلِّبُها الريحُ السُّهُودُ وتَنشَرَا
مَضَتْ نَوْرَةُ السُّمْرِ الرَّقيقةُ خُطْوُها
كطيفِ هُداهُ الليلُ حينَ تَغَيَّرَا
وأَهْدَتْ إلى البَانِ الرَّضيعِ تَمائِمًا
وَعَقَّدَ في خَدِّ السَّحابِ مُغَفَّرَا
سَنَتْ وَجْهَهَا للنورِ يومَ تَكَشَّرَا
فأشرقَ في عَيْنَيَّ لَمعٌ تَنَوَّرَا
يُعَانِقُ عِقْدُ الشمسِ جِيدًا أَهِلَّةً
تُهِلُّ على جيدِ الغزالةِ مَغْفَرَا
وتسحبُ من شعرِ الليالي ضفائرًا
تَذَرُّ على الليلِ الكَثيفِ سُكَّرَا
وفي خطوِها البَيْداءِ ما جَفَّ غَيمُها
إذا ضحكتْ للوجدِ راحَتْ وأنْوَرَا
مُهاةُ العيونِ إن رمقْتَ سَبَتْكَ رَهِيبَةٌ
وفي نظرةِ البرقِ الحزينِ تَحَيَّرَا
إذا أقبلتْ في موكبِ البيدِ سُحْتُها
تَعَثْثَرَتِ الظلُّ الجسورُ وتأخَّرَا
وفي وجهِها الحِسْنُ القديمُ مُجَلْجَلٌ
كَجَرْسِ رُوَى الشُّهْبِ إذا الليلُ عَسْعَسَرَا
وفي خَدِّها لَونُ الطَّلُوعِ إذا دَنَا
وفي شَفَتيها طَعْمُ قُرْصِ الأَثَرَا
تَمُدُّ أصابعَها كَغُصْنٍ بِسَفْحِهِ
ندى الصباحِ إذا تغامزَ وانْهَمَرَا
إذا لامَسَ الذَّهَبُ السَّمينُ جِلْدَها
تَصَفَّدَتِ الأكوانُ دُونَهُ وانْكَسَرَا
وَيَأْبَى مِعْصَمُهَا الفِضَّةَ المُسَوَّدَةَ
كأنَّهُ لا يَرْضى سِوَى النُّورِ جَوْهَرَا
يَضِيقُ النُّحاسُ إذا دَنَا مِنْ ضِيَائِهِ
وتُعْرِضُ عَنْهُ البِيضُ والفَخْرُ تَيَسَّرَا
وفي جِلْدِهَا الهَيْبَةُ الجَمَّاءُ لَوْ حَلَّ
سِوَى التِّبْرِ أَضْحَى لِلحَلِيِّ مُنْحَسِرَا
تُذِيبُ حُليَّ البَادِيَاتِ جِسْمَهَا هيبةً
وَيَبْقَى الذَّهَبُ البَهْرُ في جِيدِها سَطَرَا
تَغارُ عليها الريحُ لو مسَّتْ غَضارةً
وفي نَفَسِ الرَّوضِ الرطيبِ تَعَطَّرَا
لها من جَمانِ الرملِ عِقْدٌ إذا مشَتْ
تراقصَ في أفياءِ عُذْرَتِها الجَرَا
وَيَهْفُو غزالُ التيهِ خلفَ أريجِها
فَيَصْعَدُ دمعُ البَانِ إنْ هِيَ أدْبَرَا
وفي الكَفِّ سُبحانُ الرِّياحِ جُمُوعُها
إذا ما رَمَتْ بي للصبابةِ والضَّرَا
تُبَلِّلُ دمعي سَعْفَةٌ من أصابعٍ
إذا البُعدُ في فَجِّ الضياعِ تَغَبَّرَا
إذا ما تَطَلَّعْنَا لِوَجْهِ غَريبةٍ
تَحَدَّثَ رَيْعانُ القلوبِ وأخْبَرَا
وقفتُ على ظِلِّ الكثيبِ مُتَيَّمًا
وأَخْفَتْ يَدَايَ عَبَثَ النَّدَمِ السَّفَرَا
وَنَحْنُ صِبَاةٌ في النَّوَى قَدْ تَفَرَّقُوا
كسِرْبِ القطَا إذا الديارُ تَدَبَّرَا
ويَنْبُتُ في صدري رَمَادُ فِقَارِهِمْ
إذا الخوفُ في عينِ الضياعِ تَسَمَّرَا
وتبكي على عودِ القَتَادِ خواطرٌ
وتُلْبِسُ نَفْسِي ثوبَ وَجْدٍ وأَزْدَرَا
أَبَثُّ الطُّلولَ البَيْضَ ذِكْرَى عِصَابَةٍ
تَوَازَعَهُم بَيْنَ الليالي التَّذَكُّرَا
ويَمْشِي معَ الحُزْنِ العَنِيدِ هَواؤُهُمْ
كَنَاقَةِ يَوْمٍ في الرِّمَالِ إذا سَرَا
وَمَرَّتْ بِنَا خَيْلُ العَشِيرِ كَأَنَّهَا
هَبَاءُ الرِّيَاحِ يَخْتَرِقُ السَّيْلَ إِذْ جَرَى
وَصِرْنَا عَلَى الدَّهْرِ الشَّديدِ جُدُودُنَا
تُنَازِعُهَا الرِّيحُ الصَّلِيفُ إِذَا ادْكَرَا
إذا عَادَ جُمْرِي بعدَ بَرْدِ تَحَمُّلي
تَنَفَّسَتِ الأشْجَانُ سُهدًا وتَحْتَضِرَا
وَأَوْهَى جَنَاحي سَهْدُ لَيْلٍ مُحَيِّرٍ
يُوَسْوِسُ للعُشَّاقِ وَجْدًا ويَسْهَرَا
أُوَاسِي صَدَى النَّجْدِ العَطَاشَى بِسِيرَتي
وأَدْمِي خُطَايَ إنْ تَعِبْتُ وأتْعَبَرَا
وَخَلْفِي رِكَابُ القَوْمِ تَحْفِرُ رَمْلَهَا
كَأَسْدِ الهِجَانِ إِذَا الشِّمَالُ تَسَعَّرَا
أُرَاقِبُ خِبَاءَ العِشْرَةِ البِيضِ وَالحِمَى
كَأَنِّي عَلى رَبْعِ المَجَادِرِ أَسْهَرَا
وَفِي الفَجْرِ تَسْقُو الشَّمْسُ لَوْنَ جِبِينِهَا
كأنَّ شَذَاها بالضياءِ قد انْدَرَا
فيا مَن نَأَتْ عنهُ الطُّيُورُ بِشِرْعَةٍ
وأُضْحِيتُ في جُوفِ الفلاةِ مُسَهَّرَا
تَخَطَّى صَدَايَ الرِّيحُ فِي وَجْهِ فُرْقَةٍ
وجَرَّدَتِ الأيامُ مَا كَانَ سِتْرَا
وَمَنْ يُهْدِ صُبْحَ الصَّحَارَى لِقَلْبِهِ
يَغُصُّ بِأَصْوَاتِ الذِّئابِ إذا جَرَى
تُذِيبُ صَبَابَاتِي قَصِيدَةُ سَاهِرٍ
وتُلْقِي عَلَى النِّيرَانِ جَمْرًا إذا غَفَرَا
وَأَحْمِلُ مِيراثَ الفُحُولِ عَلَى اللَّظَى
إذا كَسَرَ الحُبُّ العِظامَ وَحَسَّرَا
أَطُوفُ فِي الآصالِ ظِلًّا مُمَوَّجًا
وأَكْتُمُ في جَنْبِي غَرَامًا تَسَتَّرَا
وَأَشْرَبُ مِنْ جَفْنِ الغَمَامِ صَبَابَةً
كأنِّي بها في دَجْوَةِ البَيْدِ قَدْ بَرَا
وأُبْكِي على الجَمْرِ الَّذِي كُنتُ مُوقِدًا
وأَذْرِي رَمَادَ الصَّبْرِ مِنِّي إذا انْتَثَرَا
وفي يَفْعُوني الصَّحْرَاءِ وَحْدِي أُغَنِّي
فَيَرْقُصُ ضَبْعُ النُّوحِ جَوْفِي مُسَخَّرَا
وأَرْقُبُ في صَهْدِ الظّمَاءِ مَسَافَتِي
وَيَحْتَضِنُ الظِّلُّ الشَّهِيْقَ إذا كَبَرَا
وفي مَضْمَأِ البيداءِ سِرْتُ بِذِكْرِهِمْ
وشَدَّ لِيَالي البُعْدِ سَهْمٌ إذا قَرَى
تَجَلَّدَتِ الرِّيحُ السَّواكِنُ حَوْلَنَا
فَمَا غَيَّرَ الصُّمُّ الصُّمُودَ ولا انْكَسَرَا
وأَمْسَيْتُ أَحْكِي لِلظَّلامِ حَكَايَةً
وأَعْلَمُ أنَّ الفَجْرَ من خَلْفِهِ حَذَرَا
تَرَقَّبَتِ الْعَيْنُ نُورَ صُبْحٍ بِنَدْبِهَا
وأَوْدَعَ في الجفنِ البكاءُ وأضْجَرَا
وَأَرْكُضُ في دَوْرِ الصَّبَابَةِ طَائِفًا
وأُشْعِلُ مِنْ جَمْرِ الفِرَاقِ إذا سَجَرَا
وفي نَغَمِ التَّيهِ السَّمَاوِيِّ رِيشَةٌ
تُعَفِّرُ جَبِينِي حينَ يَجْنَحُ أوْسَرَا
وَأَبْكِي على دَرْبِ السَّفَرِ إذا بَكَى
ذِئَابُ المَسَاءِ وادَّعَتْ أنْ ليسَ مَدَرَا
وفي جُبَّةِ الذِّكْرَى أُسَافِرُ شَامِخًا
وأَرْتَقِبُ الأيَّامَ مَا بَيْنَنا غَفَرَا
فَإِنْ سَافَرَتْ رِيحُ النَّوَى بِأَحِبَّةٍ
تَفَرَّدَ في جَوفِ المدى الأَرْقُ مُحْتَضَرَا
وأُسْلِمُ أَحْلَامِي لِظِلِّ جَمِيلَةٍ
تَرَشَّفُ مِنْ فَيْضِ النَّدى إذا قَدَرَا
وَأَخْتِمُ في خَدِّ الزَّمَانِ حِكَايَةً
تُرَدِّدُها الرِّيحُ الرَّخِيَّةُ كُلَّما سَجَرَا
وأَنْثُرُ فِي وَجْدِ البَيَادِ مَقَامَهُ
وأَصْنَعُ من جَرْحِ الفُؤادِ لَهُ وَتَرَا
فَإِنْ سَأَلُوا: مَا كُنْتُ أَبْكِي بِحَاضِرٍ
قُلْتُ: البَيْدُ والذِّكْرَى... ونَبْرَةُ مُقَدَّرَا
فَذاكَ شُجُونُ الفَحْلِ يَوْمَ بُعَادِهِ
يَحُثُّ صِبَاهُ في الهَوَى مُسْتَعَذَرَا
فَإِنْ ضَاعَ وَجْدِي في رِيَاحِ بَوَادِرٍ
بَقِيتُ حِكَايةَ فَحْلٍ ما لَهُ قَدَرَا
وَإِنْ نَادَتِ الصَّحْرَاءُ ذِكْرَى مَجَالِدٍ
أَجَبْتُ، وَفِي عَيْنِ الرِّمَالِ تَسَطَّرَا