تخطَّ إلى المحتوى

يمد السهاد الليل والسير خافيا

الطويل

١٢٩ بيت

النسيب

يَمُدُّ السُّهَادُ اللَّيْلَ وَالسَّيْرُ خَافِيَا

وَيَبْسُطُ فِي الفَلَاةِ بَهَاءً وَسَاوِيَا

تَدَثَّرَ جَبِينُ البَدْرِ وَهْجًا مُخَيَّمًا

وَأَلْقَى عَلَى السَّافِينَ ضَوْءً دَانِيَا

فَتَصْعَدُ مِنْ حَوْلِ الْفَضَاءِ عُتْمَةٌ

وَتَنْحَدِرُ الزُّرْقَةُ الشَّدِيدَةُ بَادِيَا

تَمُوجُ حُدُودُ النُّورِ فِي عَيْنِ سَاهِرٍ

كَتَدْرِيجِ أَحْلاَمِ الطَّلَالِ تَلَاوِيَا

وَأَبْصَرُ بَدْرَ اللَّيْلِ يُشْبِهُ قُرْطَهَا

يُدَلِّي عَلَى الْأُذْنِ الْبَيَاضَ الْهَادِيَا

وَيَنْسَابُ خَيْطٌ الذَّهَبِ فَوْقَ جِيدِهَا

يُدَلِّي بِحَجَرٍ كَالضِّيَاءِ السَّافِيَا

تَمَشَّى ضِيَاءُ البَدْرِ فَوْقَ نَخِيلِنَا

فَأَلْقَى عَصَائِبَ ظِلِّهِ الْمُنْثَنِيَا

تَثَنَّتْ قَوَامَاتُ النَّخِيلِ بِرِقَّةٍ

كَعُذْرَاءِ بَانٍ فِي الرِّيَاحِ تَلَاوِيَا

وَيَنْسَابُ فَوْقَ الرَّمْلِ لَوْنٌ مُوَشَّحٌ

يَمِيلُ مِنَ الفَاتِحِ الصَّحْوِ دَاهِيَا

فَتَخْتَلِفُ الأَلْوَانُ حَوْلَ مَجَالِسِي

كَأَثْوَابِ عَذْرَاءِ انْتَشَيْنَ سَوَايَا

وَتَسْكُنُ عَيْنِي فِي اتِّسَاعِ بِدَايَةٍ

تُلَطِّفُهَا نَفْحَاتُ نَسْمٍ صَفِيَا

وَتَرْتَدُّ أَصْوَاتُ الرِّيَاحِ كَأَنَّهَا

سِجَالُ نَحِيبٍ فِي الْفُؤَادِ جَرِيَّا

وَحَوْلِي نَدَى النَّارِ الصَّغِيرَةِ خَامِدٌ

يُوَارِي جُمَيْرًا فِي الرَّمَادِ خَفِيَّا

تُجَانِسُ حَالِي فِي خُمُودِ لَهِيبِهَا

كَأَنَّا أَخَوَانِ في البَيَادِ عَصِيَّا

وَيَرْتَاحُ نَاظِرِي لِمَا صَاغَهُ السُّرَى

مِنَ السِّحْرِ فِي الأَعْيَانِ لَيْلًا نَقِيَّا

وَتَتْرُكُنِي الصَّحْرَاءُ أَشْرَبُ جَمَالَهَا

وَأَغْمُسُ جَفْنِي فِي السُّهُولِ وَلِيَّا

وَيُبْصِرُ جَذْوِي فِي الأُثَافِيِّ صَابِرًا

يُدَارِيهِ جِلْدٌ مِنْ هُدُومٍ سَوِيَّا

وَيَنْبُضُ فِي جَنْبِ الْقِدْرِ بَاقِي جُمَيْرِهِ

كَقَلْبِ فَتًى شَبَّ الغَرَامُ خَفِيَّا

وَيَلْوِي إِلَى جَنْبِي إِذَاعَةَ رَاحِلٍ

عَلَى ضَوْءِ وَهْجٍ فِي الرِّمَالِ تَحَيَّا

وَيُشْرِفُ خِبَائِي فِي السَّرَابِ مُوَارَبًا

يُطَالِعُ شُعْلَةً قَدْ لَهَا اسْتَقْوِيَا

وَيَغْسِلُ زُرْقُ الْبِشْكِ فِي طَاسِ جِلْدِهِ

خُيُوطًا مِنَ اللَّيْلِ الْقَدِيمِ تَرَيَّا

وَيَضْرِبُ جُرْدَانُ الْمَزَادِ بِحَافِرٍ

عَلَى قَرْصِ رَمْلٍ كَالنُّقُوشِ بَيَانِيَا

وَيَرْقُدُ جَرْسُ القَطَا عَلَى غِرْبَةٍ

وَيَرْتَعُ فِي السَّهْلِ ضَبٌّ جَفِيَّا

وَيَخْفِقُ ظِلِّي فِي جُدُودِ جَرِيدَةٍ

عَلَى مَتْنِ زَنْدٍ قَدْ جَفَا فِي الْمِقْدِيَا

وَيَسْقُطُ نُورُ الْبَدْرِ فَوْقَ إِدَامِنَا

فَيُبْدِي لَهَا طَعْمَ الْمُلُوحِ دَفِيَّا

وَيَصْعَدُ مِنْ جُوفِ الْقِرَابِ سَنَابِكٌ

تُرَجْرِجُ فِي الأَكْوَامِ مَلْحًا نَقِيَّا

وَأَرْقُبُ عَيْنَ الزِّقِّ تَجْرِي بِصَوْتِهَا

تُوَاسِي سَهَادِي إِذْ سَرَى فِي الْعَشِيَّا

وَأَرْثِي جُدُرَانًا خَلَتْ مِنْ ضَحِكِ الْمِلاَ

كَأَنَّ اللَّيَالِي فِي زَوَايَاهَا بَكِيَّا

وَأَيْنَ تَهَامَسُهُمْ وَرِقَّةُ أَلْسُنٍ

تَرَنَّمُ فِي الرَّوضِ الْقَدِيمِ هُنَيَّا

سَكَانُهَا الْمِرْحُ الْقَدِيمُ تَبَدَّدُوا

وَتَرَكَتْ جُدُرَانُ الْحَنِينِ بَلِيَّا

وَأُبْصِرُ فِي كُوَّةِ الطَّلَلِ الْهَامِدِ

مَسَارِجَ لَيْلٍ قَدْ نَضَبْنَ صَفِيَّا

وَيَمْضِي إِلَيَّ الْبَدْرُ يَرْسُمُ قُرْطَهَا

عَلَى جَانِبِ الْخَدِّ الْأَبِيضِ حَيَّا

وَيَنْسَابُ سِلْكُ التِّبْرِ الْمَصْقُولِ مُنْسَدِلًا

كَأَنَّهُ وَشْمٌ عَلَى الْجِيدِ بَقِيَّا

وَيُدَلِّي الْقُرْطُ دُرَّةً تَحْتَ أُذْنِهَا

تُنِيرُ الْمَسَاءَ كَالبَدْرِ إِذْ بَانَ جَلِيَّا

وَإِنْ نَظَرَ السَّاهِرُ إِلَى ذَاكَ الْحَجَرِ

تَخَيَّلَهُ سِرْبًا مِنَ النُّورِ قَصِيَّا

تَدُورُ الْقَرَاطِيمُ الْبِيَاضُ بِحَذْوِهَا

كَنَوَرِ الرَّبِيعِ إِذَا أَقَامَ الْمَلِيَّا

وَيُغْرِي سَمَاحُ الْوَجْهِ صَوْتُ حَلِيقِهَا

فَيَمْتَدُّ شَعْرٌ حَوْلَ أُذْنٍ سَمْحِيَّا

خُيُوطٌ كَضَوْءِ الْبَرْقِ يَحْفُّ بَشَرَتَهَا

وَتَسْكُنُ فِي الْوَجْنَتَيْنِ عُلُوَّ بَنِيَّا

وَيَبْرُقُ وَجْهُ الْغَانِيَاتِ إِذَا ضَحِكْ

نَ كَمَا الْفَجْرُ فِي السَّهْلِ إِذْ لَاحَ نَقِيَّا

وَيَرْسُمُ نُورُ الْوَجْهِ ثَغْرًا نَاعِمًا

عَلَيْهِ مَلامِحُ بَهْجَةٍ وَصَفِيَّا

شَفَتَانِ مِثْلُ ثَمَرِ الرَّبِيعِ إِذَا نَمَتْ

تُفِيضُ بِرُطْبٍ طَابَ مَذَاقًا زَكِيَّا

وَيَزْهُو عَلَى الثَّغْرِ الْبَدِيعِ تَنَفُّسٌ

كَأَنَّ شَفَتَيْهَا رُمَّانَةٌ فِي النَّدِيَّا

تُضَاحِكُ فِيكَ الْحُسْنَ وَاللَّوْنُ جَاذِبٌ

كَخَدِّ عَذَارَى البَانِ فِي جَفْنِ بَاكِيَا

إِذَا قُلْتَ هَذَا النُّضْحُ يَسْكُبُ طِيبَهُ

أَجَبْتُ: هُوَ الْعِطْرُ الْقَدِيمُ سَخِيَّا

وَتَنْسَابُ فِي الْجِيدِ الرَّقِيقِ تَحِيَّةٌ

كَنَارِ الغَضَى إِذْ أَلَقَتِ الرِّيحُ حَيَّا

يُرَقْرِقُهُ بَانُ الْخَمَائِلِ نَاعِمٌ

فَيَحْمِلُ فِي الْعَيْنِ السُّرُورَ نَقِيَّا

وَأَرْمُقُ كَفًّا لِلرِّقَةِ ابْتِهَالُهَا

عَلَيْهَا حُلِيٌّ صَاغَهُ البَدْوُ وَصِيَّا

يَدُورُ خَاتَمٌ فِي السَّبَابَةِ بَاهِرٌ

يُشِيعُ عَلَى المِعْصَمِ الْحُسْنَ طَوْقِيَا

وَفِي بَرْقِهِ حَكْمُ القُدَامَى مَخْتَزَلٌ

كَأَنَّ عَلَيْهِ سِرَّ العُقُودِ السَّوِيَّا

كَأَنَّ عَلَى الْيَدْ أَوْتَارَ أُثْلٍ تَعَانَقَتْ

وَحَبْلٌ مِنَ الشَّوْكَ الْقَدِيمِ قَوِيَّا

وَحَجَرٌ كَمِصْبَاحِ النَّهَارِ تَأَلَّقَ

يَشُدُّ عَلَى الْعُودِ الْيَمَانِي هَدِيَّا

وَيَخْطُو خَصْرُهَا مَيْلَ الْعَذَارَى بِهِ الْهَ

يْبَةُ وَالشَّمْمُ الرَّفِيعُ سَمِيَّا

تُبَادِرُ قَوْمَهَا بِبَسْمَةٍ مُتَرَنِّمٍ

كَأَنَّهَا بُشْرَى الصَّبَاحِ دَعِيَّا

وَأُنْشِدُ جُدْرَانَ الدِّيَارِ بِنَظْرَةٍ

تُبَثُّ سُهَادًا فِي القُلُوبِ شَقِيَّا

وَأَرْثِي بَنَاءً كَانَ يُزْهِرُ لَيْلَنَا

فَصَارَ خَيَالًا فِي الْفَلَاةِ خَفِيَّا

وَأَيْنَ مَنِ الْخَيْرِ الَّذِي كَانَ عُمْرُهُ

يُعَمِّرُهُ مِثْلَ النَّسِيمِ رُخِيَّا

أَضَاعَهُ دَهْرٌ لا يَرُقُّ لِحَائِمٍ

وَسَاقَهُ سَيْلُ الزَّمَانِ قَسِيَّا

وَصَاحَتْ رِيَاحُ البَيْنِ فِي سَمْرِ لَيْلِهِ

وَأَغْفَلَتِ السَّمْرَاءُ دَرْبَ اللِّقِيَّا

فَبَاتَتْ جُدُرَانُ الْخُصُوصِ كَأَنَّهَا

شُجُونُ قَلْبٍ فِي الْمَسَاءِ خَلِيَّا

وَتَسْقُطُ أَوْتَادُ الْخِبَاءِ كَأَنَّهَا

سَنَابِلُ حُزْنٍ يَابِسٍ مَا سَقِيَّا

وَيَفْنَى هَنَاءُ الدَّارِ فِي رِحْلَةِ النَّوَى

وَيَبْقَى جَرَاحٌ فِي الجُدُودِ بَقِيَّا

وَأَعْلَمُ أَنِّي لَوْ أَتَى النَّاسُ كُلُّهُمْ

لَنْ يُشْرِقَ الْقَلْبُ الْمُوَحَّدُ حَيَّا

فَإِنْ عَاشَ بَيْتٌ بَعْدَهَا قَلْبِي الَّذِي

يَمُوتُ إِذَا غَابَتْ وَيَحْيَا لِيَا

وَيُومِضُ فِي لَيْلِ الْبَيَادِ تَغَازُلٌ

يَشُبُّ بِقَلْبِي نَارَهُ وَيُحَيَّا

سَرَتْ نَحْوَ خِبْئِي قَمَرِيَّةٌ بَدَوِيَّةٌ

تَخُطُّ بِخُطْوِ الْغَزَالِ الْهَنِيَّا

وَأَلْقَتْ عَلَى الرَّمْلِ الْوَسِيعِ جَسَارَةً

كَمِثْلِ هَوَاءٍ فِي اللَّيَالِي نَقِيَّا

فَضَمَّتْ فُؤَادِي ضَمَّةً لَوْ أَحَسَّهَا

صَبَاحُ الهُلَيْسِ اسْتَعَارَ الدُّفِيَّا

وَدَبَّ بِعُرُوقِي نَبْضُهَا فَكَأَنَّهُ

جَرَى فِي وَرِيدِي وَسْطَ لَيْلٍ قَصِيَّا

وَأَغْفَرَ لِي وَجْدِي صَبَاحَ تَنَفُّسٍ

فَبَاتَتْ دِمَاءُ الْعِشْقِ تَرْوِي رُؤَيَّا

وَنَفْحَاتُهَا الْحَانِيَةُ انْسَابَ نَسْمُهَا

عَلَى عُنُقِي زَيْفَ الْمَطَرِ الْعَتِيَّا

فَطَابَ الْحِضْنُ الزَّاكِي وَعَانَقَ لِثَامُنَا

قَبِيلَ صَبَاحٍ لَمْ يُشِعْهُ سَوِيَّا

فَأَوْلَتْ عَلَى الثَّغْرِ الْحَنُونِ قُبَيْلَةً

وَأَتْبَعَتِ الثَّانِيَةَ الثَّالِثِيَّا

فَغَابَ احْتِسَابِي وَانْتَشَى كُلُّ جَانِبٍ

وَسَكَنَ الْفُؤَادُ كَمَا سَكَنَ الدِّيَّا

وَقَضَّتْ مَقَامَ الْوَجْدِ فِي لَيْلَةِ غَرٍّ

حَتَّى صَحَا لَيْلِي وَفَاحَ النَّدِيَّا

وَأَغْنَتْ بِسُهْدِ الْعِشْقِ صَدْرًا مُعَذَّبًا

وَأَبْدَلَ فِي دَمْغِ الظَّمَا نَبْعَ حَيَّا

وَلا خَيْرَ فِي اللَّيْلِ الْعَظِيمِ إِذَا جَفَتْ

سِوَى لَيْلِهَا كَيْفَ السَّنَا لَمْ يَبْقِ لِيَّا

وَإِنْ شَاءَ أَهْلُ الْوَقْتِ جَمْعَ سَعَادَةٍ

فَلَنْ يَبْلُغُوا مَا نِلْتُهُ مِنْ تَمَنِّيَا

وَقَدْ جَمَعَتْنَا لَيْلَةٌ فِي الْفَلَاةِ رَقِيقَةٌ

تُعَطِّرُهَا مِنْ جِسْمِهَا الرِّيحُ الزَّكِيَّا

تَنَامُ الْبَرَارِي عَلَى خَدِّ سَكِينَةٍ

وَأَسْهَرُ فِي كَفِّ النَّعِيمِ الْخَفِيَّا

وَأَلْقَى عَلَى الْخِصْبِ الْقَدِيمِ جُسُومَنَا

مِنَ الْمُسْكِ مَا يَجْعَلُ الرَّمْلَ حَيَّا

وَيُذْكَى هَوَانَا فِي أُبُطِّهِمَا سُهْدٌ

وَأَرْفَعُ فِي طِيْبِ الْعِتَاقِ الْوَلِيَّا

وَنَحْسِبُ لَيْلَ الْبَادِيَةِ لا يَنْقَضِي

مَا دَامَ وَجْدُ الشَّفَتَيْنِ بَقِيَّا

يُدَاوِلُنِي قُبْلَاتِهَا كَشَرَابِ نَدَى

يُبَلِّلُ مِنْ جَذْوَةِ النَّارِ فَيَّا

وَيُرْسِلُ فِي الْعَيْنَيْنِ وَعْدًا مُبَيَّنًا

كَزُرْقَةِ سَحْرٍ فِي الدُّجَى مُسْتَحِيَّا

وَيَحْكِي لِعَيْنِ الصَّبِّ نُورَ تَوَقُّدٍ

تَنَفَّسَ فِي اللَّيْلِ الطَّوِيلِ مَجِيَّا

وَيُمْطِرُنَا لَطْفُ الْحَدِيثِ طَوِيلَةً

فَنَحْنُ عَلَى فَخْذِ الْمَسَاءِ مُثْنِيَّا

وَيَنْقُشُ نَظْرُهُمَا بِرِيشَةِ بَدْرِهِ

عَلَى جِيدِ قَلْبِي وَجْدَهُ السَّامِيَّا

وَتَرْتَجِفُ الكَفُّ الحَنُونُ بِرِقَّةٍ

كَنَبْضِ يَمَامٍ فِي النَّخِيلِ عَشِيَّا

وَتَنْبُضُ أَحْدَاقُ النُّعَاسِ عَلَى هَدْبِهَا

كَنَوْمِ مَلَكٍ قَدْ خَفَقَ الجَفْنُ حَيَّا

تَغْفُو خَفِيفَ البَشَرِ فوقَ ذِرَاعِهِ

كَرِيحِ النَّقَا يَمْسَحُ السَّهْلَ الْوَحِيَّا

وَيَرْتَاحُ جِيدُ البَانِ فَوْقَ جِنَانِهَا

كَخَطِّ السَّرَى فِي الرَّوضِ أَلْقَى الثَّرَيَّا

فَيَسْقُطُ بَانُ الْخِمَارِ عَلَى جَبِينِهَا

كَحَبْلِ سَمَاءٍ فِي السَّرَابِ الْعَلِيَّا

وَأَرْقُبُ وَجْهًا كَانَ أَبْهَى مَلَامِحٍ

تَنَزَّهَ فِي طَرْفِ الدُّجَى بَهْجِيَّا

وَيَنْفُثُ نَفْسُ الْبَان عِطْرًا خَلِيدًا

يُبَارِكُ جَوْفَ الخِبَاءِ وَالسَّرَايَا

يُلَامِسُنِي عِطْرُ الطَّرْفَاءِ في كَفِّهَا

فَيُنْبِتُ فِي أَحْشَائِنَا النُّورَ زَكِيَّا

وَأُرَاقِبُ أَصَابِعَهَا فَوْقَ رِدَائِهَا

تُلَامِسُ جَنْبِي كَالفَجْرِ رُخْصَ الْحَنِيَّا

فَيَسْكُنُ كُلُّ الظِّلَالِ بِقَاعِ الفَنَاءِ

وَيَحْتَبِسُ النَّفْسُ فِي جَوْفِ رَوْضٍ جَلِيَّا

وَيَصْمُتُ نَبْضُ الرِّيحِ عِنْدَ جِفُونِهَا

فَيَمْشِي الزَّمَانُ مُتَخَفِّيًا مُرْتَقِيَّا

وَيُوقِدُ صَوْتُ الحَنَانِ عَلَى خَدِّهَا

نُدًى سَاكِنًا فِي لَيْلِنَا مُسْتَوِيَّا

وَأَنْظُرُ لِلْوَجْهِ المُنِيرِ مُتَأَمِّلًا

فَأَحْسَبُهُ فِي الحُسْنِ أَسْمَى تَقِيَّا

فَيَهْدَأُ جَمْرُ القَلْبِ إِذْ جَانَبَتْ جَنْبِي

وَحَلَّ بِنَا السُّكُونُ عِطْرًا جَنِيَّا

فَصَارَ الزَّمَانُ وَقْفَةً فِي خِيَامِنَا

وَطارَ النَّوَى أَوْ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيَّا

كَأَنَّ الزَّمَانَ انْحَنَى يَسْتَمِدُّ ضِيَاءَهُ

مِنْ ثَغْرِهَا لا مِنْ الْبَدْرِ الْبَدِيَّا

وَيَرْتَقِي البَدْرُ الْمُنِيرُ بِرَأْسِنَا

وَبَدْرٌ عَلَى جَنْبِي يُضِيءُ سَجْفِيَّا

كَأَنَّ الثُّرَيَّا عَلَى الْخَدِّ انْحَنَتْ

تُصَلِّي جَمَالاً لِلْبَيَادِ الضَّوِيَّا

يُطِلُّ ضِيَاؤُهُ مِنْ فَوْقِ جِيدِ مُعَطَّرٍ

فَيَكْسُو فُؤَادِي لَيْلَهُ المَسْحُورِيَّا

وَأَهْنَأُ أَنَّ الجَوْفَ يَهْتَزُّ نَبْضُهُ

إِذَا مَسَّ خَدًّا مِنْ صَفَاءِ التَّقِيَّا

وَتَنْسَحِبُ الأَيَّامُ فِي صَدْرِ فَتًى

تُخَلِّفُ لِلفُؤَادِ مَقَامَهُ الأَبَدِيَّا

وَيُرْقِصُ شَجَرُ الرِّيَاحِ ذِكْرَاهُ

كَأَنَّهُ نَايُ بَانٍ فِي اللَّيَالِي رَنِيَّا

يَجُوبُ خَرَائِطَ الذِّكْرَى كَزَائِرِ مَرْقَدٍ

يُقَلِّبُ جَمْرًا فِي الحَشَا أَبْقَى الشَّظِيَّا

تُحَاوِلُ نَفْسِي أَنْ تَرُدَّ مَسَارِهَا

فَيُبْدِي الهَوَى أَبْوَابَهُ السُّرْمُدِيَّا

أُرَجْرِجُ نَفْسِي فِي مُقَامِ غَرِيبَةٍ

وَيَحْبِسُنِي الظِّنُّ الْقَدِيمُ الشَّكِيَّا

وَكَمْ قِيلَ: إِنَّ البُعْدَ يَبْلَى جَنَابُهُ

وَلَكِنَّهُ فِي القَلْبِ بَاقٍ قَوِيَّا

يَمُرُّ الزَّمَانُ كَخُطْوِ بَغْلٍ عَلَى النَّوَى

وَيُخْلِفُ بَعْدَ الْعُشْبِ أَثْرًا رَوِيَّا

وَمَا لِلْفَتَى إِلَّا الرُّجُوعُ لِمَوْعِدٍ

أَحَاطَ بِهِ الوَعْدُ الْقَدِيمُ الْوَفِيَّا

فَكُنْ كَصَبَاحِ الْبَادِيَةِ أَوَّلَ وَعْدِهِ

يُفِيءُ عَلَى التِّيهِ الضَّرِيبِ الْمُنِيَّا

وَلا تَخْدَعَنَّ الدَّهْرَ فِي عَهْدِ هِجْرَةٍ

وَإِنْ قَسَتِ الأَيَّامُ فَالصَّبْرُ كِيَّا

فَكَمْ قَتَلَ الْحُبُّ الكِرَامَ بِوَعْدِهِ

وَأَبْقَى عَلَى جُرْحِ الضُّلُوعِ الْعَصِيَّا

فَمَا أَجْمَلَ الْوَعْدَ الَّذِي لَمْ يُخَالِفِ ال

رِّجَالُ وَإِنْ عَذَّبْتَ نَفْسَكْ أَذِيَّا

أُحَاوِرُ قَلْبِي: أَتَصْبِرُ أَمْ تَنُوءُ؟

فَيَرْدُّ: مَا لِلْوَجْدِ غَيْرُ الصَّفَا دَوِيَّا

فَإِنْ مَرَّ فَصْلٌ مِنْ غِيَابٍ مُضَلَّلٍ

سَيَبْقَى لَنَا مِنْ دَرْبِهِ أُسْطُورِيَّا

وَيَكْتُبُ لَيْلُ الْبِيدِ آثَارَ عِشْرَةٍ

تُعَمِّرُ فِي الصَّدْرِ الحَنِينَ النَّقِيَّا

وَيَكْفِنُنَا ذِكْرَى كَقَطْرَةِ وَابِلٍ

تَسْقِي الطَّلَلَ الْمُوحِشَ الدَّامِيَّا

وَيَنْبُتُ لِي فِي ظِلِّ ظِلِّي جَمْرَةٌ

تُوَشْوِشُ وَجْدَ الرَّبْعِ فِي أَعَالِيَا

وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ القَفَارِ بِوَحْدَهِ

لَمْ يَفْهَمِ الْعِزَّ فِي بَيْدَاءَ صَفْوِيَّا

فَالدَّهْرُ يُدْنِي البَسْمَةَ المَخْفِيَّةَ

وَيَسْلُبُ فَرْحَ البَادِي إِذَا حَانَ بَكِيَّا

فَإِنْ سَارَ دَرْبُ الشَّوْقِ بَيْنَ فَلَاتِهِ

بَقِيتُ لِظِلِّ الذِّكْرِ أَحْفَظُ وَصْفِيَّا

وَيُضِيءُ فِي قَلْبِي قَدِيْمُ وِعَاءٍ

سَكَبْتُ بِهِ دَمْعَ الصِّبَا يَوْمًا غَوِيَّا

وَإِنْ بَادَ كُلُّ النَّاسِ فِي رَحْلَةِ الْهَوَى

تَبَقَّيْتُ فِي جُرْحِ الْوِدَادِ وَحْدِيَّا