تخطَّ إلى المحتوى

يسكب الصباح على الرباع سحائبا

الطويل

١٦٣ بيت

النسيب

يَسْكُبُ الصَّبَاحُ عَلى الرِّبَاعِ سَحَائِبًا

فَتَنْهَدُّ مِنْ وَجْدِي الدِّيَارُ وَتَنجَدْ

وَيَنْفَضُّ وَجْهُ البَيْتِ عَنْ أَثَرِ الرُّفَاقِ

فَيَسْتَوحِشُ الوَخْدُ القَدِيمُ وَيَنكَدْ

أَعُدُّ الشُّرُوقَ عَلى يَدَيْ مَنْ غَابَ

وَأَكْسِرُ لَيْلِي حِينَ يَطْوِيهِ السَّهَدْ

أَشُقُّ طَرِيقِي فِي سِرَاجِ الغَيْمِ عُرْيًا

وَأَرْقُبُ ظِلِّي إِنْ تَحَرَّكْ أَوْ جَمَدْ

أَمَا هِيَ إِنْ مَرَّتْ عَلَى الرَّمْلِ تُوقِدُ

خُطَاهَا كَمِسْكٍ فِي الثَّرَى يَتَبَدَّدْ

وَيَهْتَزُّ بَانُ البَيْدِ إِنْ هُزَّ ظِلُّهَا

كَأَنَّ نَسِيمًا عَنْ رِدَائِهَا يَرْتَدْ

وَإِنْ ضَحِكَتْ هَزَّ الرِّدَافُ صَفَاءَهُ

وَأَوْقَفَ فِي جَوْفِي جَمِيرًا لَا يَخَمْدْ

وَإِنْ سَكَبَتْ أَجْفَانُهَا نُورَ صَبْحِهَا

تَرَاكَمَ فِي أَحْشَائِيَ الْوَجْدُ وَاحْتَقَدْ

لَهَا نَبْرَةٌ لَوْ مَسَّتِ اللَّيْلَ لانْحَنَى

وَغَاضَ مِنَ الهَدْءِ العَمِيقِ وَمَا زِدْ

وَشَاحُ شَذَاهَا فِي ذَوَائِبِ شَعْرِهَا

كَأَنَّ ثَنَايَا الْبَدْرِ فِيهَا تَوَعَّدْ

وَكَفَّانِ مِثْلَ الصَّقْعِ أَلْمَسُ طِيبَهُمَا

فَيَرْتَجِفُ القَلْبُ العَتِيقُ وَيَشْتَدْ

يَتْرُكُ الْحِنَّاءَ أَثَرًا فِي خُطُوطِهَا

كَحَزٍّ قَدِيمٍ فِي الحَجَرِ لَمْ يَتَبَدَّدْ

وَإِنْ فَتَحَتْ كَفًّا لِتَرْفَعَ خِمَارَهَا

تَنَفَّسَ رَمْلُ البَيْدِ مِنْ فَتْحَةٍ يَهْدْ

وَمَا خُطْوُهَا إِلَّا الظَّبِيُّ إِذْ انْهَلَّ فِي

مَرَابِعِه يَخْشَى المَطَارِدَ إِذْ يَفِدْ

وَإِنْ مَالَ مِنْهَا مِعْصَمٌ قَالَ رَاكِبٌ

هَذَا وِشَاحُ البَانِ فِي الرِّيحِ يُفْرَدْ

لَهَا عُنُقٌ لَوْ قِيسَ فِي البَيْدِ طُولُهُ

لَطَالَ عَلَى نَخْلِ السَّرَاةِ وَلَا يُحَدْ

وَفِي وَجْهِهَا لَوْ يَنْطَفِي اللَّوْنُ قَالَ فَتًى

تَوَارَتْ خُيُوطُ البَدْرِ خَلْفَ مَنْ اسْتَبَدْ

وَإِنْ قَامَتِ انْحَلَّتْ دِمَاءُ مَفَاتِنٍ

تُرَوِّضُ قَلْبَ العَاشِقِ المُتَوَقِّدْ

فَمَهْمَا مَضَتْ تَتْرُكْ جَوَاهَرَ قَصْدِهَا

وَيَبْقَى لَهَا فِي كُلِّ رَمْلٍ مُعْتَمَدْ

أَقْطَعُ يَدَ الذِّكْرَى إِذَا مَسَّتْ جَبِينِي

وَأَبْصُقُ فِي وَجْهِ النَّوَى حِينَ يَبْتَعِدْ

أَغْسِلُ بِاللَّيْلِ وَجْهَ قَلْبِي فِي الدِّمَاءِ

وَأَرْجِعُ نَبْضِي فِي الصَّحَارَى إِذَا بَرَدْ

أُرَاوِغُ جُرْحِي كَمَا الذِّئْبُ العَطِشُ

يَسْتَنشِقُ النَّبْتَ الهَزِيلَ وَلا يَسْتَجِدْ

يُحَرِّكُ أَنفَهُ فِي تُرَابٍ جَفَّ مِسْكُهُ

فَيَنْبُشُ ظِلَّ المَطَرِ الفَائِتِ المُبْتَعِدْ

وَيَخْدُشُ الكُثْبَانَ مِخْلَبُهُ المُرَاقِبُ

حَتَّى يُرَوِّضَ صَدَى الجُوعِ إِذَا يَشْرَدْ

وَيَصْغَى إِلَى لَيْلِ الفَلَاةِ بِأُذْنِهِ

يَرْتَعِشُ مِنْ هَمْسِ الرِّيَاحِ إِذَا تَسْتَعِدْ

وَيُحْدِقُ فِي ظِلٍّ يَمُرُّ عَلَى البِيَادِ

كَأَنَّهُ وَهْمٌ بِحَوْلِ الكَثِيبِ يُطَرِّدْ

فَإِنْ نَفَضَ الرِّيحُ عَنْ شَفَتَيْهِ غُبَارَهَا

أَحَسَّ بِمِلْحِ العَطَشِ المَرِّ يَسْتَفْرِدْ

وأَخُوضُ سَنَادِيدَ الرَّمْلِ كَالْعُرَافِ

لا أُفَكِّرُ في خَسَارَةِ الْجُرْحِ أَوْ أَعْتَدْ

أَلْعَقُ نُدَى الرَّمْلِ بِأَطْرَافِ اللِّسَانِ

حَتَّى يُغَطِّي الْجَوْفَ بَارِدُهُ وَيَفْقِدْ

ويَخْدُشُ بَاقِي العَطَشِ بَاطِنَ الحَلْقِ

حَتَّى يَصِيحَ الظَّمَأُ في الجوفِ ويَشْرُدْ

فَإِنْ سَكَنَ البَرْدُ أَحْشَاءِي تَنَبَّهَتْ

نِيرَانُ شَوْقٍ كَامِنٍ فِي الْقَلْبِ تَقْدِدْ

وَأَحْسُو مِلْحَ الرَّمْلِ كَالغَرْبِيِّ يَحْتَرِقُ

إِذْ يَلْتَهِبُ الجوفُ مِنْ شَوقٍ وَيَرْعُدْ

وَيَسْكُنُ الجَوْفُ لَحْظَةً ثُمَّ يَصْطَلِي

بِالنَّارِ إِذْ يَغْزُو الحَنِينُ وَلا يَهْدُدْ

أُسْكِتُ قِرْبَةَ الشَّوْقِ إِذَا نَضَبَ السُّرَاةُ

وَأُقْسِمُ أَلَّا يَسْكُنَ الصَّبْرُ المُنَجَّدْ

أُرَاوِغُ ضِلُوعِي بِخَطْوِ الشَّوْقِ جَهْرًا

وَأَدْفَعُ نَفْسِي أَنْ تَنَامَ وَلا تَرْقُدْ

أُخَضِّبُ بِالدَّمْعِ وَجْنَتَيَّ إِذَا طَمَحْتُ

وَأَضْرِبُ جِيدَ الوَجْدِ حَتَّى يَنْقَدِدْ

مَا لِي وَمَا لِلنَّاسِ إِنْ هُمْ ضَحِكُوا

وَقَلْبِي مَرَارُ الذِّكْرِ يَلْهَبُ وَيَزدَدْ

يَنْأَى الجَمِيعُ عَنِ الكَرَى وَيَلُوذُ بِي

طَيْفُ الحَنِينِ كَنَاسِمٍ تَتَبَدَّدْ

أَنْظُرُ فِي جَرَارِ القَوْمِ أَثَرَ بَسْمَةٍ

فَأَجِدُ الغِيَابَ عَلَى الكُؤُوسِ مُوَقَّدْ

أَمْضِي كَعَضْبِ الضَّبْعِ في عَقْرِ مَهْلَبٍ

لا أَنْثَنِي لِوَهَنِ السُّرَى وَلَا أَرْتَدْ

يَحْزِنُ الرَّبِيعُ إِذَا تَنَاشَدَ فِي الفَلَا

وَيَنْدُبُ النَّوَى عَهْدًا عَلَى الرَّمْلِ أَبْرَدْ

أَعُدُّ خُطَى العُشَّاقِ فَوْقَ جَبِينِهَا

فَيَصْهَرُنِي سَيْرُ القَدَرِ المُتَشَرِّدْ

أَرْقُبُ ظِلالًا قَدْ مَضَيْنَ وَلَمْ يَعُدْ

سِوَى النَّدَمِ الدَّامِي يُقَلِّبُ مِقْعَدْ

فِي قَعْرِ جَرَّةِ أُمِّنَا بَقِيَ الهَوَى

مِثْلُ السَّنَا يَخْفُو إِذَا اللَّيْلُ أَرْعَدْ

يَسْتَفِيقُ إِذْ هَبَّتْ رِيحُ السَّهَى

فَيَصِيحُ فِي الجَرَّةِ الجَمْدْ

يَنْفُضُ السَّنَا فِي قَعْرِ مِقْدَحِهِ

كَالشِّرَارِ إِذَا دَجَا الْخِبَاءُ وَسُدِّدْ

يَرْقُبُهُ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَيَكْتُمُ النُّورَ

حَتَّى يَضِيقَ الصَّدْرُ وَيَكْتَدْ

فَإِنْ عَصَفَتْ رِيحُ عَلَيْهِ صَبْحًا

تَرَاكَمَ السُّحْمُ فِي الْجَرَّةِ وَانْتَدْ

يَرْتَجُّ فِي شَقِّ الجَرِيرِ نَدًى خَفِيًّا

مِثْلَ العِطْرِ البَادِي إِذَا الحَيُّ يَرْغِدْ

وَيَذْبُلُ فِي وَهْنِ البَقَايَا نَبْتُ أَمٍّ

كَعِرْقِ رَمْثٍ جَفَّ فِي قَعْرِ السُّهُدْ

يَا رَبْعَ قَوْمٍ كَيْفَ صِرْتَ خَرِيبَةً

تَبْكِي النَّوَى، وَالقَطْرُ فِيكَ تَبَدَّدْ

لَيْلِي يَجُرُّ الشَّوْقَ فِي كَفِّ الدُّجَى

فَيَتْرُكُنِي وَحْدِي إِذَا النَّجْمُ رَقَّدْ

لَوْ كُنْتُ أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَ مَوَاسِمِي

ما صادر التذكار رجعُ المُتَفَقَّدْ

أَسْقِ العُيُونَ جَمِيعَ أَمْطَارِ النَّوَى

لَا بُدَّ لِلبَادِي مِنَ الوَجْدِ يَسْتَبْدْ

يَا غُصْنَ بَانٍ كَانَ يَحْفَظُ ظِلَّهُ

أَيْنَ التَّنَاهِيدُ القَدِيمُ تَبَلَّدْ

أَسْأَلُ الرِّيَاحَ عَنِ الحَبِيبِ فَيَسْخَرُ ال

سَهْلُ البَدَا وَيَقُولُ: لَا أَحَدٌ وَعَدْ

وَيْحَكِ!مَاذَا أَبْلَتِينِي وَقَدْ صَهَدَتْ

رِيَاحُ سَمُومٍ جِلْدَ قَلْبِيَ الأَجْرَدْ

يَنْفَضُّ صَدْرِي كَالخِبَاءِ إِذَا عَصَفْ

تِ الرِّيحُ وَاحْتَضَنَ الضُّلُوعَ التَّبَدُّدْ

أَعْتَادُ وَجْدِي كَالبُحَيْرِ بِمَجْرًى

يقلب في طين الفؤادِ المُرَقَّدْ

مَا بَيْنَ جَوْفِي وَالظَّمَا رِبْقَةُ أَسًى

إِذْ لَا يَرِقُّ لِمَا يُكَابِدُهُ أَحَدْ

أُخَاتِلُ الآمَالَ حَتَّى لَا أُبَانُ

وأخشى الملامةَ إن مسَّني المُسَهَّدْ

أُطِلُّ كَصَقْرٍ حَائِمٍ فِي فَلَاتِهِ

وَأُحْكِمُ الأَسْرَارَ فِي الجَوْفِ أَكْبَدْ

وَإِنْ شَاعَ بَعْضُ الْهَمِّ فِي وَجْدِي الْخَفِيِّ

تَغَاضَتِ الصَّحْرَاءُ عَنْ سُهْدِي وَمَا بَدْ

يَنْسَلُّ وَجْدِي فِي الدِّمَاءِ كَنَازِفٍ

إِذَا اسْتَحْضَرَ الذِّكْرَى وَأَشْعَلَهَا الأَبَدْ

وَأَبْتَرُ أَحْلَامِي إِذَا جَازَتْ مَدَى

وَأَرْجِعُ أَشْجَانِي إِذَا أَنْكَرَتْ سُهْدْ

أَرْسُمُ بِأَحْشَائِي طَرِيقًا مُظْلِمًا

وَأَخْشَى لِسَانَ الْحَيِّ إِنْ فَاحَ مَا جَدْ

فَأَسْكُتُ مَكْظُومًا عَلَى نَارٍ سَرَتْ

تَأُجُّ الوَحِيدِ إِذَا أَضَاءَ لَهُ الجَدْ

نَصَبْتُ خِيَامَ القَوْمِ فِي سَاحِ قَفْرَةٍ

وَجَرَّدْتُ أَيَّامِي لِأَسْلُو وَأَبْعَدْ

وَمِثْلُ رِجَالِ الحَيِّ ضَحْكٌ وَسُمَّرٌ

يُدَارُونَ كَأْسَ اللَّيْلِ حَتَّى تَصَعَّدْ

وَخُبْزٌ عَلى الجَمْرِ القَدِيمِ تَقَلَّبَتْ

عَلَيْهِ الْيَدَانِ وَخَطْوٌ فِي الدُّجَى يَتَبَدَّدْ

أَقَاسِمُهُمُ الأَيَّامَ ضَحْكًا وَمَرْتَعًا

وَأُخْفِي جَوى الصَّدْرِ يَعْجَزُ أَنْ يُبْدِدْ

وَإِنْ قَالَ صَاحٍ: كَمْ شَرِبْنَا وَمَا الَّذِي

يُذِيبُكَ؟ قُلْتُ النَّارُ فِي الْقَلْبِ تَرْقُدْ

أُحَاوِلُ أَنْ أَنْسَى فَأَعْصِرُ صَبْرَنَا

فَيَفُورُ هَمُّ البَيْنِ إِذَا حَانَ مَرْقَدْ

أُخَبِّئُ دَمْعَ العَيْنِ فِي ضَحِكِ الصِّبَا

وَأَرْجِعُ لَيْلِي وَالحَنِينُ مُسَهَّدْ

رَكَضْتُ وَحِيدًا في الفلاةِ مُخاتِلًا

صِياحَ الضواري إذْ يُراوِغُني السَّدْ

وَكَمْ أَخَذَتْنِي فِي الدُّجَى ضَحْكَةُ الصِّبَا

فَجَرَّدْتُ نَفْسِي ثُمَّ نَادَيْتُ: مَنْ يَدْ

وَرَكَضْتُ في الرَّمْلِ الحَرِيفِ كَأَنَّني

ظَبْيٌ شَرِيدٌ أَوْ فَتًى يُرْهِقُ الوَغْدْ

أخالطهمُ، والوجدُ يكتمُ صيحتي

وأضحكُ فيهمْ والحنينُ لهُ مُرْصَدْ

فَإِنْ بَاتَ نَجْمُ اللَّيْلِ يَصْفُو لِقَصْرِهِمْ

فَإِنِّي لِذِكْرَاكِ الْقَدِيمَةِ أَرْصُدْ

وَمَا حَاوَلَتْ صُحْبَتُهُمْ أَنْ تُنَسِّيَ

فُؤَادِي سِوَى أَنَّ الهَوَى لَمْ يُبَدَّدْ

وَأُوقِدُ جَمْرَ اللَّيْلِ لِلرَّكْبِ حَوْلَنَا

فَيَخْفُقُ ضَوْءُ النَّارِ فِي الجَوِّ يُرْصَدْ

وَفَوْقَ رَمَادِ السَّمْرِ قَصْعَةُ بَادِيَةٍ

تُسَاقِي الرِّجَالَ السُّخْرَ وَالْمِلْحَ يُوْرِدْ

وَفِي ضِحْكَةِ الأَصْحَابِ شَيْءٌ خَفِيَّةٌ

كَمَا يُخْفِي النَّدْمَانُ كَأْسًا بِمَوْعِدْ

أَرَى لَيْلَ صَحْبِي يَنْقَضِي وَعُيُونُهُمْ

إِلَى فَجْرِ نُورٍ وَقَلْبِي مُسَهَّدْ

فَإِنْ رَاحَ قَوْمِي فِي اللَّيَالِي وَغَادَرُوا

أُحَاوِلُ مَا أَبْقَاهُمُ اللَّيْلُ وَالأَرْبَدْ

وَأَغْزِلُ أَحْلَامِي عَلى مِهْدِ نَارِهِمْ

وَأَبْكِي إِذَا مَا أَسْدَلَ اللَّيْلُ سُرْدُدْ

وَيَخْطُرُ فِي صَدْرِي صَدَى جَوْفِ خِيمَةٍ

كَأَنْفَاسِ قَوْمٍ فِي الظَّلَامِ تَجَدَّدْ

وَأَمْشِي عَلَى الرَّمْلِ البَرِيءِ كَغَافِلٍ

وَيَحْفَظُ خُطْوِي الأَثَرُ المُتَجَدِّدْ

فَإِنْ عُدْتُ بَعْدَ السَّهْرِ إِلَى ظِلِّ وَحْدَتِي

تَنَاثَرَتِ الذِّكْرَى وَنَاحَتْ وَتَرْصُدْ

وَيَبْقَى فُؤَادِي مَا اسْتَرَاحَ مِنَ الأَسَى

تُسَافِرُ فِيهِ الرِّيحُ وَالدَّمْعُ يُبْعِدْ

فَإِنْ سَكِرُوا مِنْ لَيْلِهِمْ فَإِنَّنِي

عَطِشْتُ إِلَى لَيْلٍ بِذِكْرَاكِ مُرْبَدْ

وَكَمْ قَدْ بَنَيْنَا فِي الرِّحَالِ مَوَاعِدًا

وَخَابَتْ مَنَايَا القَلْبِ مِنْ بَعْدِ مَوْعِدْ

وَأَرْقُبُ بَيْنَ الصَّحْبِ ضَحْكَةَ صَاحِبٍ

وَفِي صَدْرِهِ، كَاللَّيْلِ يَسْكُنُ مَا أَجْهَدْ

فَإِنْ جَفَّ دَمْعُ النَّاسِ لَيْلًا فِي الْقُرَى

فَدَمْعِي يَهِيمُ فِي الْفَلَاةِ وَيَفْقِدْ

وَهَذِي خِتَامِي يَا صَحَابِيَ إِنَّمَا

أُخَبِّئُ حُزْنِي فِي الرِّجَالِ وَأَحْقَدْ

فَإِنْ جُنَّ لَيْلِي سَكَنَ الصَّوْتُ حَوْلَنَا

تَدَاعَى إِلَيَّ الحُزْنُ كَالمُطْرِدِ الْوَرْدِ

وَيَخْتَلِسُ الطَّيْفُ الْقَدِيمُ خَيَالَهُ

كَغَيْمَةِ صَيْفٍ فِي الفَلاةِ تَجَدَّدْ

فَأَهْرَبُ فِي الصَّحْبِ الضِّحَاكِ هَيْهَاتَ

فَيَأْخُذُنِي ذِكْرَاكِ أَبْعَدَ مِمَّا أُرِدْ

وَكَمْ مَرَّ لَيْلٌ قَدْ نَسِيتُ بِهِ الوَجْدَ

فَأَصْبَحَ فِي جَوفِي يَصُولُ وَيَحْشِدْ

أُدَارِجُ خُطَايَ فِي صُلْبِ النَّقَاعِ كَعِيرٍ

يَلُوذُ بِالْعَوْسَجِ الْوَعْرِ إِذَا الْحَتْفُ أَقْدَدْ

أَرَى النَّجْمَ يُومِضُ فِي بَعِيدِ صَحَارِي

فَيُوقِظُ قلبي والهمومُ تُجْرِدْ

وَيَهْتَزُّ قَلْبِي، لَيْسَ يَسْكُنُ لَيْلَةً

إِذَا هَبَّ ذِكْرَاهَا فَيُغْشَى وَيَرْقُدْ

وَمَهْمَا جَمَعْتُ اللَّيْلَ صُحْبَةَ ضَاحِكٍ

تَسَلَّلَ فِي أَضْلَاعِي الْحَنِينُ الْمُرَدْ

فَلاَ نَسْمَةٌ تَهْبُو بِصَحْرَاءِ بَيْدَةٍ

إِلَّا وَفِيهَا مِنْ جَرَاحِيَ مَرْقَدْ

وَمَهْمَا بَنَيْتُ بِالْخَيَالِ قَرَارَةً

تَهَاوَتْ جُدُرُ الشَّوْقِ وَاللَّيْلُ أَرْمَدْ

فَإِنْ رَاجَعَ الْقَوْمُ المَنَازِلَ بَعْدَنَا

تَرَكْتُ لِذِكْرَاكِ الْمَسَاءَ يُبَرِّدْ

وَمَا ضَحِكَ الإِخْوَانُ إِلَّا وَفِي فَمِي

مَرَارَةُ حُزْنٍ فِي الضُّلُوعِ تُبَدِّدْ

وَكَمْ ذُقْتُ نَسْيًا كَيْفَ يُغْنِي فَجْرُهُ

وَقَلْبِي إِذَا هَبَّ الحَنِينُ مُبَلَّدْ

فَصِرْتُ كَمَنْ يَرْجُو النَّوَى مِنْ عَدُوِّهِ

فَيُغْلَقُ بَابُ الصَّبْرِ وَالقَدَرُ يَشْهَدْ

وَيُوقِظُنِي وَجْدٌ كَمِصْبَاحِ رَاحِلٍ

تَرَكَ الفَلاةَ وَالنَّهَارُ مُجَلَّدْ

فَمَهْمَا تَنَاءَى النَّاسُ عَنْ سِيرَةِ الهَوَى

تَعُودُ إِلَيَّ الذِّكْرَى وَاللَّيْلُ أَشْهَدْ

ويبقى جرح القلبِ مُضمَرَ سِرِّهِ

إذا مَرَّ في جنبي نداءٌ مُرَدَّدْ

وَأَمْشِي وَفِي جَنْبِي جُرَاحٌ نَازِفَاتٌ

تُصَفِّرُ الرِّيَاحُ عَلَيْهِنَّ وَتَعْرُدْ

وَكَمْ قَدْ أَقَمْتُ البُعْدَ جِدَّ سُرُورِي

فَجَاءَ الحَنِينُ إِلَى الضُّلُوعِ يُوَرِّدْ

فَمَا سَاعَدَتْنِي فِي النِّسْيَانِ قَافِلَةٌ

وَلَا ضَحِكَتِ الدُّنْيَا وَلَا نُزْهَةُ الْبَيْدْ

سَمِعْتُ نِدَاءً فِي الرِّكَابِ تَصَدَّدَتْ

صُدُوعُ فُؤَادِي، وَالجَوَانِحُ تَفْتَقِدْ

فَأَلْفَيْتُ اسْمًا كَانَ يَسْكُنُ نَفْسَنَا

كَنَارٍ خَبَتْ، ثُمَّ اسْتَعَادَتِ التَّوَقُّدْ

تَحَرَّكَ فِي صَدْرِي كَسَيْلٍ مُفَاجِئٍ

إِذَا جَاءَ يَجْرَفُ كُلَّ مَا كَانَ قَدْ جَمَدْ

وَأَحْنَيْتُ رَأْسِي أَسْتَتِرْ مِنْ رِعَاشَةٍ

تُشِيعُ الَّذِي فِي الْقَلْبِ لِلْقَوْمِ إِنْ شَهِدْ

كَأَنَّ فُؤَادِي جَبَلٌ نُزِعَتْ ذِرَاوُهُ

فَهَالَ عَلَى أَرْضِ الْحَيَاةِ وَارْتَعَدْ

وَمَا أَنْتَهِي حَتَّى تَرَامَى صَدَاهُ فِيَّ

كَمَوْجٍ عَلَى صَحْرَاءَ رَمْلٍ تَبَدَّدْ

أُحَاوِلُ نَفْضَ الذِّكْرَيَاتِ فَتَنْهَدُ

كَمِصْطَبَةٍ فِي الرِّيحِ أَوْ هَيْكَلٍ يَبْدُدْ

يَدَايَ عَلَى وَجْهِ الغُرُوبِ تُوَارِيَانِ

جَمْرَ المَسَاءَاتِ الَّتِي لَنْ تَتَجَدَّدْ

وَأَمْضِي وَوَجْدِي يَسْتَرِقُّ سَرِيرَهُ

كَمَنْبَتِ نَبْتٍ فِي السَّوَادِ يَتَوَقَّدْ

تُعَاتِبُنِي الدَّارُ الخَلَاءُ فَأَرْفُضُ

وَأُخْفِي شَجُونِي كَالضُّلُوعِ إِذَا تَرْعَدْ

وَمَا كَانَ لِلنَّاسِ الطِّلَاعِ عَلَى الجَوَى

وَلَا يَبْلُغُونَ الصَّدْعَ إِلَّا إِذَا سَجَدْ

وَكَمْ خَبَأْتُ السَّهْدَ فِي صَدْرِ تَحْتِهِ

تُسَافِرُ ذِكْرَاهَا وَقَلْبِي مُوَقَّدْ

وَأَحْتَمِلُ الْأَيَّامَ صَبْرًا وَإِنَّمَا

تَزِيدُنِي الذِّكْرَى حُزُونَةَ مَنْ فَقَدْ

فَإِنْ سَاءَلُونِي: مَا لَكَ اليَوْمَ وَاجِمٌ؟

أَقُولُ: دُمُوعُ الصَّبْرِ مِنْ عَيْنِهِا انْوَرَدْ

وَكَمْ غَلَّقَ الصَّمْتُ الشِّفَاهَ وَخَلْفَهُ

تَهَاطَلَ وَجْدٌ فِي الضُّلُوعِ وَتَوَقَّدْ

إِذَا هَبَّ نَسْرٌ فِي الدِّيَارِ يُذَكِّرُنِي

بِمَجْلِسِ أَصْحَابٍ غَفَوْا وَتَبَدَّدْ

فَأَسْرِي وَوَجْدِي فِي الْمُخَيَّمِ خَافِقٌ

كَمِصْبَاحِ وَحْدَانٍ إِذَا الظُّلْمَةُ امْتَدَّدْ

وَيَسْتَأْنِسُ القَلْبُ الْغَرِيبُ بِذِكْرِهَا

كَسَارِحِ بَادِيَةٍ إِذَا الْبَعْدُ أَوْغَدْ

فَتَهْدَأُ أَحْزَانِي إِذَا مَرَّ اسْمُهَا

كَمَا يَسْكُنُ السَّيْلُ إِذَا الْوَادِي اجْتَرَدْ

وَأَعْلَمُ أَنِّي لَوْ جَهَرْتُ بِحُزْنِهَا

لَقَالُوا: تَجَلَّدْ، أَوْ تَصَبَّرْ، أَوِ ازْدَدْ

فَعُدْتُ إِلَى الأَثْفِيِّ أُوقِدُ نَارَهَا

فَيُوقِظُنِي مَا فِي الرَّمَادِ وَقَدْ خَمَدْ

وَرَأْيُتُ أَثَرًا فِي الحَصَى كَأَنَّهُ

كِتَابُ هَوَىً لَا يُسْتَتَابُ إِذَا انْجَلَدْ

وَنَادَانِيَ الرَّكْبُ القَدِيمُ بِمَوْعِدٍ

فَأَجَبْتُ وَلَكِنْ لَا فُؤَادِيَ قَدْ رَشَدْ

فَصِرْتُ كَظِلٍّ فِي الرِّمَالِ تَغَيَّرَتْ

مَعَالِمُهُ حَتَّى يَذُوبَ وَيَبْتَعِدْ

وَتَدُورُ أَيَّامُ الْحَيَاةِ كَفَيْحِ رِيحٍ

تَذْرُو الغَمَامَ وَمَا تَرَكَتْ لِيَ سَنَدْ

وَيَرْكُضُ الْعُمْرُ الْمُبَعْثَرُ فِي الْمَسَارِ

يَنْسُجْ خُطَاهُ وَيَنْحَتُ الدَّهْرُ مَا يَقْدُدْ

وَيَعْبُرُنِي فَصْلُ الْمَطَرِ فَيَعُودُ صَيْفِي

مَا بَيْنَ دَفْءٍ مُنْصَهِرٍ وَصَقِيعِ بَرْدْ

وَكَمْ قَدْ تَنَاسَخَ فِي الخِيَامِ رَبِيعُنَا

ثُمَّ انْطَوَى فِي قَلْبِ بَادِيَةٍ وَرَمْدْ

لَا يَسْتَقِيمُ لِلْفَتَى طُولُ الْمُقَامِ

إِنْ لَمْ يُجَرِّبْ ضِيقَ لَيْلٍ أَوْ صَعَدْ

وَقَدْ يَكُونُ الشَّوْقُ أَكْبَرَ حِكْمَةٍ

يَرْسُمُ مَسِيرَ الْعَاشِقِينَ إِذَا تَبَدْدْ

فَلا يَغُرَّنَّكَ انْفِرَاجُ الْبُؤْسِ يَوْمًا

إِنَّ الْمَوَاسِمَ لَا تَدُومُ وَمَا تَمَدْ

وَالنَّفْسُ كَالسَّيْلِ الْجَمُوحِ إِذَا هَدَأْ

عَادَتْ بِهِ الذِّكْرَى لِوَحْشَةِ مَا يَفِدْ

وَمَهْمَا تَصَبَّبَ فِي الحَشَا صِفْرٌ وَمَرْجَلٌ

أُدَارِي اللَّيْلَ وَالنَّارُ دَّاخلِي تَصْعَدْ

فَإِنْ سَأَلُوا عَنْ صَمْتِ شِعْرِي، فَقُلْ لَهُمْ:

يُخَبِّئُ جُرْحًا فِي الصَّدَى لا يَتَبَدَّدْ

وَمَا بِيَ إِلَّا أَنْ أُحَاوِلَ نَسْجَهَا

فِي الدَّمْعِ وَالأَحْلَامِ حَتَّى يَتَوَقَّدْ

فَإِنْ قِيلَ: مَا جَدْوَى الهَرَبْ مِنْ فُؤَادِهِ

قُلْتُ: قَدَرُ الصَّبِّ الَّذِي لَا يَسْتَبِدْ

وَأَدْرُجُ أَيَّامِي عَلَى عَتَبَاتِهَا

كَسَارِي المَسَافَاتِ الَّذِي لا يَسْتَرِدْ

فَأَجْمَعُ جَمْرَ الذِّكْرِ فِي وَهْجِ مَقْلَتِي

وَأَحْمِلُ صَبْرَ الْبَيْنِ إِذْ طَالَ وَابْتَدْ

وَإِنْ عَادَ صَوْتٌ يُشْبِهُ الاِسْمَ الَّذِي انْدَثَرْ

أَخَذْتُ أُخَفِّي الدَّمْعَ، وَالنَّبْضُ قَدْ شَرَدْ

كَمَنْ هَدَّهُ نُدْبَانُ قَافِلَةٍ مَرَّتْ

فَانْهَارَ مِنَ التَّذْكَارِ وَالقَلْبُ قَدْ بَرَدْ

فَمَا جَدْوَى التَّغَرُّبِ وَالأَرْضُ دَارُهَا

وَلَوْ غِبْتُ عَنْهَا، كُلُّ دَرْبٍ بِهَا يَعُدْ

نَأَيْتُ بِقَلْبِي عَن وُجُوهِ الْأَصَاحِبِ

وَصَادَرَنِي الشَّوْقُ الْقَدِيمُ وَأَوْقَدْ

طَوَافِي بِأَرْضِ اللهْوِ لَمْ يُحْدِثْ سُلْوَةً

وَلا أَرْوَى صَدْرِي مِنْ رِفَاقِيَ مَقْصِدْ

كُلَّ لَيْلٍ إِذَا مَا السَّهَادُ دَنَا لِيَ

أَتَانِي خَيَالٌ مِنْ دِيَارِكِ وَاحْتَدْ

فَأَسْرِي إِلَى الذِّكْرَى وَأُنْكِرُ عَيْنِيَ

وَأَحْمِلُ صَمْتَ النَّارِ فِي الْقَلْبِ مُوقَدْ

وَإِنْ سِرْتُ بَيْنَ القَوْمِ أَخْفَى جُرُوحَهُ

قَلْبِي عَلَى الرَّمَادِ كَمَنْ لَمْ يَلِدْ

وَإِنْ هَرَبَتْ خُطَايَ إِلَى بَعِيدِ المَفَازِ

فَذِكْرَاكِ فِي السَّرَابِ تَسْتَبِدْ

وَيَبْقَى الغُبَارُ وَحْدَهُ يَحْمِلُ الْأَثَرَ

كَقَلْبِ أَعَزَّهُ الْحُبُّ وَاسْتَبْقَى وَعَدْ