كَمَا سَلْسَبيلِ نَقَاءٍ أَرَاه
تَرَدَّدَ فِي مِسْمَعَيَّ صَدَاهُ
وأَسقَطَ غيثًا بِجَدبِ حَيَاتِي
فَأنبَتَ وردًا زكيًّا شذاهُ
سَلِيلُ كِرامٍ، سَنِيُّ خِصَالٍ
لهُ السَّبقُ في كلِّ دربٍ مشاهُ
فمِنْ نُورِهِ الكَونُ أضحَى سِراجًا
ومن عِلمِهِ فاضَ نهرُ سَناهُ
سجاياهُ مثلُ سَجَايَا نَبِيٍّ
قَدِ اتَّبَعَ التَّائِهونَ هُدَاهُ
فَيَا لَلعُلُومِ التي قَد حَبَانِي
فأَجْلَتْ عَنِ العَقلِ مَا قَد عَرَاهُ
تَعَلَّمتُ مِنهُ، فَمَا ضَنَّ يَومًا
عَنِ النُّصحِ مِمَّا حَبَاهُ الإِلَهُ
وفَتَّشتُ حَوْلِيَ عَن أصدقَائِي
فَأَبْصَرتُهُم مِن زَكِيِّ نَدَاهُ
فَهَذَا طَبِيبُ يُدَاوِي الجِرَاحَ
وذَا عَالِمٌ، والفَضَاءُ مَدَاهُ
وهَذا المُهَنْدِسُ يُعْلِي البِناءَ
فَنَرنُو بِفَخرٍ إِلى مَا بناهُ
وذَا فِي مَجَالِ الصِّناعَةِ يَزهُو
بِمَا صَنَعَتْ فِي ذَكَاءٍ يَدَاهُ
وعِندَ الحُدُودِ جُنُودٌ عِظامٌ
وأَمنٌ يَعِيشُ الوَرَى فِي حِمَاهُ
قَدِ ارتَشَفُوا عِشقَ هَذِي البِلادِ
بِكُلِّ السَّعَادَةِ مِمَّا سَقَاهُ
هُوَ الوَاهِبُ الرُّوحَ سِلْمًا وطُهرًا
هُوَ النَّاهِلُ العِلمَ فَيْضًا جَنَاهُ
يُبِيدُ الجَهَالَةَ حُبًّا، ويُصغِي
لِكُلِّ مُرِيدِ عُلُومٍ رَجَاهُ
فَإِنْ تُكرِمُوهُ سَيُعطِي ويُعطِي
وذَا حقُّهُ ليسَ يَبغِي سِوَاهُ
وقَد قَالَهَا فِي القَصَائِدِ " شَوْقِي
" لَهُ قُمْ، وبَجِّلْهُ حِينَ تَراهُ
فَبِالعِلمِ تَسمُو البِلادُ وتَرقَى
ويَبلُغُ كُلُّ ابْنِ أُنثى مُنَاهُ
وبِالعِلمِ تُبنَى صُرُوحٌ، وتَبقَى
حَضَارَةُ عَالَمِنَا مِن رُؤَاهُ
وعِلْمٌ بِلا خُلُقٍ سَوفَ يَفنَي
فَصُونُوا بِأخلاقِكُمْ مَا بَنَاهُ
لَكُمْ فِي النَّبِيِّ الأَمِينِ اقْتِدَاءٌ
خُذوُا مِنهُ لَنْ تَبلُغُوا مُنتَهَاهُ
أَتَى الوَحيُ ب " اقرأْ " فَكَانَتْ سِراجًا
لِمَنْ ضَلَّ فِي صُبحِهِ أو مَسَاهُ
مُعَلِّمُنَا خَاتَمُ الأنبِيَاءِ
وقُدوتُنَا مًنذ رَبِّي اصطَفَاهُ
سَمَا بِالوَرى خُلُقًا قبلَ عِلمٍ
فسُبحانَ من بِالكِتابِ هَدَاهُ