إِلَى فِلَسْطِينَ، أَرْضِ القُدْسِ، أُهْدِيهَا
مَنْظُومَةً، مِنْ عُبَيْدِ اللهِ مُسْدِيهَا
مَكْتُوبَةً، بِدُمُوعٍ طَالَمَا سُكِبَتْ
عَلَى الخُدُودِ، وَرِيحُ الحُزْنِ يُجْرِيهَا
فَأَسْقَطَتْ فَوْقَ سَاحَاتِ الضُّلُوعِ، لِكَيْ
تَسْتَنْبِتَ الرَّأْفَةَ العُظْمَى، وَتَرْوِيهَا
نَبْكِيكِ، يَا بَلْدَةً حَلَّ اليَهُودُ بِهَا
وَطَارَدُوا أَهْلَهَا، وَاسْتَكْبَرُوا فِيهَا
قَدَّمَهَا مَلِكُ الأُرْدُنِّ صَائِغَةً
إِلَى اليَهُودِ، وَفَارُوقٌ يُوَارِيهَا
وَفِي العِرَاقِ مَلِيكٌ بَاعَهَا طَمَعًا
وَيْلٌ لِبَائِعِهَا، وَيْلٌ لِشَارِيهَا!
وَيْلٌ لَهُمْ مِنْ مُلُوكٍ جَحَدُوا وَطَغَوْا
وَخَالَفُوا دِينَ طَهَ، خَيْرِ وَالِيهَا
عُدْ، يَا رَسُولَ الهُدَى، وَانْظُرْ لِمَا صَنَعُوا
بِأُمَّةٍ جِئْتَ بِالإِسْلَامِ تَهْدِيهَا
هَذِي فِلَسْطِينُ تَشْكُو فِعْلَ غَاصِبِهَا
إِلَى المُلُوكِ، فَلَمْ يُسْمَعْ لِشَاكِيهَا!
فَعُدْ إِلَيْهَا، أَبَا الزَّهْرَاءِ، تُنْقِذُهَا
فَمَا سِوَاكَ مِنَ الأَعْدَاءِ يَحْمِيهَا
عُدْ كَيْ يَعُودُوا بَنُوهَا، إِنَّهُمْ طُرِدُوا
مِنْهَا، فَصَارُوا فِرَارًا فِي بَوَادِيهَا
فِي كُلِّ خَبْتٍ تَرَى الأَمْطَارَ تُدْرِكُهُمْ
وَالرِّيحُ تَضْرِبُ أَجْسَادًا وَتُؤْذِيهَا
وَلَا وِقَاءً مِنَ البَرْدِ الشَّدِيدِ لَهُمْ
وَلَا ثِيَابٌ لِأَجْسَادٍ فَتُدْفِيهَا
فَالْبَرْدُ وَقْتَ الشِّتَا أَبْلَى جُلُودَهُمُ
وَالْحَرُّ فِي الصَّيْفِ، يَا مَوْلَايَ، يَشْوِيهَا
فَالْبَرْدُ أَوْرَثَ فِي أَطْفَالِهِمْ عِلَلًا
خَطِيرَةً، لَيْسَ يَلْفِي مَنْ يُدَاوِيهَا
مَشَوْا نَدَامَى، حَيَارَى فِي طَرِيقِهِمُ
وَالْدَمْعُ يَجْرِي عَلَى الْأَرْضِ وَيُسْقِيهَا
إِنْ رَقَدُوا، كَانَتِ البَطْحَا فِرَاشَهُمُ
أَوِ اتَّكَوْا، فَحِجَارًا مِنْ صَحَارِيهَا
وَالنَّوْمُ، تَحْتَ جُذُوعِ السِّدْرِ، لَيْسَ لَهُمْ
بَيْتٌ عَلَى الأَرْضِ، وَالأَحْلَامُ تُدْنِيهَا
مِنْ بَعْدِ مَا فَارَقُوا دُورًا مُنَظَّمَةً
فِي أَرْضِ حَيْفَا، عَلَى أَقْصَى رَوَابِيهَا
وَالْيَوْمَ رُدُّوا عَلَى الأَبْوَابِ فِي خَجَلٍ
وَفِي القُلُوبِ لَهِيبُ الحُزْنِ يُذْكِيهَا
أَيْنَ القُلُوبُ الَّتِي طَابَتْ سَرَائِرُهَا
فَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِعْلِ الخَيْرِ تَوْجِيهَا؟
أَيْنَ القُلُوبُ الَّتِي تَرْثِي لِمُفْتَقِرٍ
قَدْ فَارَقَ الدَّارَ فِي يَافَا وَيَبْكِيهَا؟
أَيْنَ القُلُوبُ الَّتِي تَحْنُو وَتَرْحَمُ مَنْ
أَضْحَى شَرِيدًا، ضَعِيفَ اليَدِ، خَالِيهَا؟
أَيْنَ القُلُوبُ الَّتِي رَقَّتْ لِمُرْتَحِلٍ
يَمْشِي الخُبُوتَ، سَهِيرَ العَيْنِ، بَاكِيهَا؟
يَقُولُ: مَنْ لِيَ إِذَا مَا المَوْتُ أَدْرَكَنِي
فِي هَذِهِ القَفْرَةِ الدَّهْمَا لَيَالِيهَا؟
وَلَا أَنِيسَ لِأَطْفَالٍ وَأُمِّهِمُ
إِذَا بَكَتْ وَبَكَوْنِي بَيْنَ أَيْدِيهَا!
مَا لِلْعُيُونِ تَرَاهُمْ لَاجِئِينَ، وَلَمْ
تَبْكِ الدُّمُوعُ، وَفِي الخَدَّيْنِ تَذْرِيهَا؟
يَا عَيْنُ، أَبْكِي أَخِي، وَارْثِي لِحَالَتِهِ
شُنِّي الدُّمُوعَ بِجَفْنَيْكِ، وَصُبِّيهَا
يَا مُهْجَتِي، أَشْفِقِي مِنْ طُولِ غُرْبَتِهِ
وَابْدِي الحَنِينَ، وَأَنَّاتٍ، يُعَانِيهَا
يَا أَيُّهَا اللَّاجِئُ المَحْبُوبُ فِينَا، لَقَدْ
أَدْخَلْتَ فِي القَلْبِ آلَامًا نُقَاسِيهَا
خُذْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُمْ، إِنَّهُمْ فُقَرَا
قَدْ كُرِّهُوا عِيشَةَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
تَرَاكَبَتْ فَوْقَهُم أَبْدَالُ مُثْقَلَةٌ
مِثْلَ الجِبَالِ، وَمَنْ مِنَّا يُؤَدِّيهَا؟
وَالْيَدُ خَالِيَةٌ مِنْ كُلِّ مُدَّخَرٍ
وَلَا تَجِدْ مَنْ مِنَ الخَيْرَاتِ تُعْطِيهَا
مَعَادِنُ الذَّهَبِ الإِبْرِيزِ مَكْنُونَةٌ
بَيْنَ التُّرَابِ، وَمَوْلَانَا يُوَارِيهَا