يَا قَصِيدَ الرُّوحِ، قُمْ إِنَّ الزَّمَانَ انْحَنَى
لِعَظِيمِ البَوْحِ، فَاكْتُبْ أَلْفَ أَبْوَابِ
يَا عَشِيرَ القَلْبِ قُمْ، إِنَّ الزَّمَانَ نَدَى
لِعَظِيمِ البَوْحِ، فَاكْتُبْ نَفْحَ أَصْوَابِ
قُمْ، وَارْتَقِ الكَلِمَاتِ حَتَّى السَّمَاءِ، فَمَا
تَسَامَتِ الأَلْفَاظُ إِلَّا فِي يَدِ الشُّهَابِ
قُمْ، وَاعْلُ الأَلْفَاظَ حَتَّى نَجْمَهَا عَبِقٌ
مَا سَامَتِ الأَحْرُوفُ إِلَّا فَوْقَ أَهْضَابِ
هُنَا وُجِدَتْ قَصِيدَةٌ لَا يُشْبِهُهَا زَمَنٌ
وَلَا يُجَارِيهَا الخُلُودُ وَسْطَ العِجَّابِ
سَطَّرْتُهَا وَالأَلَمُ فِي صَدْرِي يُغَازِلُنِي
وَالرُّوحُ تُحْدِقُ فِي جَلَالِ المَوْتِ وَالغِيَابِ
هُنَا وُلِدْنَا، وَفِي الأَسْرَارِ مَلْحَمَةٌ
لَا تُشْبِهُ الدَّهْرَ، أَوْ تُجَارِي عِزَّ أَصْحَابِ
سَطَّرْتُهَا، وَالأَسَى فِي صَدْرِيَ الْتَهَبَتْ
وَالرُّوحُ تَسْبَحُ فِي أُفْقٍ مِنَ النِدَّابِ
فَاسْمَعْ صَدَى جُرْحِنَا يَجْرِي بِمَوْعِظَةٍ
مِنْ صَبْرِنَا تَاجُهُ يَسْمُو عَلَى الصِّعَابِ
وَاسْمَعْ هُمُومَ الجُرْحِ مِنْ فَمِ حَامِلٍ
لِلصَّبْرِ تَاجٌ، وَلِلْبَلَاءِ أَلْفَ إِجَابِ
قَدْ كُنْتُ فِي لَيْلِ حُبِّ النَّاسِ مُنْفَرِدًا
أُهَدِّدُ الصَّبْرَ، وَالأَحْزَانُ أَسْحَابِ
فَمَا رَأَيْتُ سِوَى وَجْهِي يُؤَانِسُنِي
فِي ظُلْمَةٍ أَخْنَقَتْنِي فَوْقَ أَطْنَابِ
أَسِيرُ أَشْتَاقُ، وَالأَذْكَارُ تَجْلِدُنِي
وَالنَّايُ يَبْكِي عَلَى أَطْلَالِ أَحْبَابِ
مَاذَا جَنَيْنَا سِوَى أَحْلَامِ غَائِبَةٍ
تَمْضِي كَطَيْفٍ عَلَى الأَفْقَاعِ جَابِ
فَإِنْ سَأَلْتُمْ فُؤَادِي، كَيْفَ مُقْتَرَحِي؟
قَالَ: الوَفَاءُ، وَإِنْ خَانَتْنِي الأَسْبَابِ
قَدْ أَضْنَتِ الأَيَّامُ صَدْرِي فَاحْتَرَقْتُ بِهَا
وَسَاقَنِي الحُزْنُ مَا بَيْنَ العَذَابِ
أَسِيرُ فِي لَيْلِ وَجْدٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ
يَحْتَلُّنِي وَهْوَ يَسْقِينِي بِأَصْوَابِ
أَضُمُّ أَطْلَالَ ذِكْرَاكُمْ فَيُوجِعُنِي
صَدَى النَّوَى، وَجَرِيحُ العَيْنِ سَكَّابِ
أُخَاطِبُ الرِّيحَ: هَلْ يَأْتِي لِيَ الخَبَرُ؟
فَتَرْجِعُ الرِّيحُ مَذْهُولَةَ الأَجْوَابِ
يَا نَجْمُ، أَخْبِرْهُمُ أَنِّي مُعَذَّبَةٌ
تَشْتَاقُ رُوحِي إِلَى أَحْبَابِهَا الغِيَابِ
أُسَائِلُ الوَرْدَ عَنْهُمْ كَيْفَ قُرْبُهُمْ؟
فَيَبْكِي الوَرْدُ مِنَ التَّذْكَارِ وَالعِتَابِ
يَا لَيْلُ، كَمْ قَدْ نَسَجْتَ الوَجْدَ فِي دَمِي
حَتَّى غَدَوْتُ أُقَاسِي كُلَّ أَسْبَابِ
وَيَا صَبَاحِي، مَتَى تُهْدِي لِيَ البُشْرَى؟
فَإِنَّنِي أَتَلَظَّى فِي دُجَى الغَابِ
أَبْنِي أَمَانِيَّ صَبْرِي ثُمَّ أَهْدِمُهَا
إِذْ جَاءَنِي الفِكْرُ مَمْلُوءًا بِأَشْنَابِ
وَأَكْتُبُ الدَّمْعَ فِي صَحْرَاءِ غُرْبَتِنَا
حَتَّى يُصَارِعَ صَدْرِي كُلَّ أَحْجَابِ
مَا أَكْرَمَ الذِّكْرَ يَحْمِلُنِي عَلَى أَمَلٍ
وَلَوْ جَرَحْتُ بِهِ أَعْمَاقَ أَعْصَابِ
إِنْ جَاءَنِي طَيْفُهُمْ فِي نَوْمِ أَعْيُنِنَا
أَحْيَا، وَأَكْسُو حَيَاتِي أَجْمَلَ الأَثْوَابِ
أَمْشِي عَلَى جَمْرِ أَشْوَاقِي فَيَسْكُنُنِي
صَوْتُ الحَنَانِ، وَيُرْوِينِي مِنَ السُّحْبَابِ
يَا أُمَّةَ الحُبِّ، هَلْ تَبْقَى عُهُودُكُمْ؟
أَمْ ضَاعَ وَعْدُكُمُ فِي بَحْرِ أَكْذَابِ؟
يَا قَلْبُ، صَبْرًا، فَإِنَّ الهَجْرَ مُحْتَرِفٌ
فِي كَسْرِنَا، وَيُجَدِّدُ كُلَّ أَصْوَابِ
هَذَا طَرِيقِي وَمَا فِيهِ مِنَ أَلَمٍ
إِلَّا دَلِيلٌ عَلَى إِيمَانِ أَصْحَابِ
مَا ضَاعَ دَمْعِي سُدًى، بَلْ صَارَ أُغْنِيَةً
يُغَنِّي بِهَا الحُزْنُ فِي صُبْحٍ وَإِسْغَابِ
وَمَا غَدَا جُرْحُنَا إِلَّا مَسَافَاتِهِ
تُعَلِّمُ النَّاسَ صَبْرًا فَوْقَ أَطْنَابِ
إِنِّي غَرَسْتُ عَلَى أَطْلَالِ ذِكْرَتِكُمْ
وَرْدًا يُعَطِّرُ أَيَّامِي وَأَسْحَابِ
فَإِنْ بَعُدْنَا، فَإِنَّ الرُّوحَ تَجْمَعُنَا
يَوْمًا عَلَى صَدْرِ مَنْ نَهْوَاهُ قُرَّابِ
أَنَا ابْنَةُ الحُبِّ، لَا أَرْضَى لَهُ بَدَلًا
حَتَّى وَلَوْ سَارَ قَلْبِي نَحْوَ أَغْرَابِ
إِنْ ضَاقَ صَدْرِي فَإِنَّ الحُبَّ يَسْكُنُنِي
وَيَمْنَحُنِي بَلْسَمًا يَحْيَا بِأَطْيَابِ
وَإِنْ سَكَبْتُ جُرُوحِي فِي مَدَامِعِنَا
تَحَوَّلَ الدَّمْعُ فِي لَيْلِي إِلَى غَابِ
يَا مَوْعِدَ الوَصْلِ، مَتَى يَأْتِي لِتُبْهِجَنِي؟
إِنِّي عَلَى وَعْدِكُمْ أَحْيَا بِآدَابِ
هَذِي قُصُورُ الهَوَى بَنَّيْتُهَا أَمَلًا
فَانْهَارَ جُدْرَانُهَا فِي صَدْرِ مُنْسَابِ
فَتَرَكْتُ صَمْتِي، وَأَطْلَقْتُ البُكَاءَ عَلَى
وَجْدٍ يُغَطِّي حَيَاتِي كُلَّهَا غَابِ
يَا لَيْلُ، سَلِّمْ عَلَى أَرْوَاحِ مَنْ رَحَلُوا
فَإِنَّ ذِكْرَاهُمُ تَسْقِينِي أَعْذَابِ
أَرْجُوكَ، يَا حُلُمِي المَكْسُورُ، كُنْ وَطَنِي
إِنِّي غَرِيبٌ عَلَى الأَيَّامِ مُغْتَابِ
قَدْ أَشْعَلَ الشَّوْقُ نِيرَانًا بِمُهْجَتِنَا
وَكُلَّمَا طَالَ هَجْرُ الحُبِّ يَضْطَرِبُ
وَلَكِنِّي أُحِبُّ الحُبَّ فِي أَلَمِي
وَأَشْرَبُ الدَّمْعَ مَا بَيْنَ المَذَاهِبِ
يَا حُبُّ، يَا مَوْطِنَ الأَحْلَامِ، يَا أَمَلِي
هَلْ تَسْمَعُنِي وَقَدِ اسْتَغْرَقْتُ فِي التَّابِ؟
قَدْ يَكْسِرُ القَلْبَ، لَكِنْ لَا يُفَارِقُنِي
وَيَجْعَلُ الوَجْدَ بَاقِيًا عَلَى أَعْصَابِ
فَإِنْ مَضَيْتُ، فَإِنِّي سَوْفَ أَكْتُبُهُ
عَلَى الصُّدُورِ وَفِي الأَسْطَارِ وَالكُتَّابِ
وَإِنْ بَقِيتُ، فَإِنَّ الذِّكْرَ يَحْمِلُنِي
إِلَى مَقَامٍ مِنَ الإِخْلَاصِ مُعْتَابِ
يَا أَيُّهَا الجُرْحُ، مَهْلًا، لَا تُمَزِّقْنِي
فَإِنَّنِي أَزْرَعُ الآلَامَ أَعْشَابِ
وَيَا صَبَابَاتُنَا، كُونِي لَنَا سَنَدًا
فَإِنَّنَا عَاجِزُونَ اليَوْمَ فِي التَّرْبَابِ
قَدْ يَرْحَلُونَ وَيَبْقَى الوَجْدُ يَسْكُنُنِي
وَيَكْتُبُ الدَّهْرُ عَنْ حَالِي وَأَسْغَابِ
مَاذَا عَلَيْنَا إِذَا صَارَ الفِرَاقُ هَوًى؟
فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الأَشْوَاقَ فِي الأَصْوَابِ
أَكْتُبْ هَوَاكُمْ دُمُوعًا فِي دَفَاتِرِنَا
وَأَجْعَلُ الشِّعْرَ صَوْتًا فَوْقَ أَسْحَابِ
هَذِي حَيَاتِي وَقَدْ أَفْنَيْتُهَا أَمَلًا
يُسَجِّلُ الخُلْدَ فِي أَرْوَاحِ أَحْبَابِ
فَسَجِّلْ دَمِي فِي سُفْرِ الدَّهْرِ مُزْدَحِمًا
وَخَلِّدْ صَوْتِي عَلَى أَوْرَاقِ كُتَّابِ
وَسَجِّلْ دَمِي فِي دَفَاتِرِ وَقْتِي
وَخَلِّدْ أَحْزَانِي وَفَوْقَ العِتَابِ
أَنَا الحِرَاسُ عَلَى ذِكْرَايَ مُعْتَصِمٌ
أَرْمِي المَنَايَا بِنُورِ الصَّبْرِ وَالأَهْدَابِ
وَأَنَا الحَارِسُ البَاقِيَاتِ وَإِنِّي
رَمَيْتُ المَنَايَا بِنُورِ الجَوَابِ
وَكُنْتُ إِذَا صَاحَ فِيَّ الجُرْحُ مُرْتَعِدًا
أُسَابِقُ الشَّكَّ لِلآمَالِ وَالأَبْوَابِ
وَكُنْتُ إِذَا نَاحَ القَلْبُ فِيَّ الأَسَى
أُسَابِقُ دَمْعَ عَيْنِي إِلَى كُلِّ رَابِ
فَإِنْ مُتُّ، فَالْأَرْضُ تَبْكِي جَسَدِي
وَتُشْرِقُ مِنِّي ضَوْءُ نُجُومِ الذَّوَابِ
وَإِنْ مُتُّ، صَارَتْ ثَرَايَ الأَرْضُ مُنْتَحِبًا
وَتُشْرِقُ النُّجْمُ مِنْ أَعْمَاقِ أَصْوَابِ
وَتَشْهَدُ الدُّنْيَا أَنِّي كُنْتُ أَكْتُبُهَا
بِالحُبِّ دَمْعًا، وَبِالإِخْلَاصِ أَنْسَابِ
وَتَشْهَدُ أَنِّي كَتَبْتُ الحَيَاةَ
بِحِبْرِ الدِّمَاءِ… وَعِزِّ الغِضَابِ
فَدَوِّنْ يَا شِعْرُ هَذَا الوَفَاءَ
فَإِنِّي خُلِّدْتُ... وَمَا فِيَّ عِتَابُ