عُدْ كَمَا كُنَّا طُيُوراً فِي هَوَانَا
بَيْنَ غَيْمَاتٍ تَلاَقَيْنَا حَنَانَا
لاَ تَغِبْ عَنِّي فَقَلْبِي وَاهِنٌ
أَلْبَسَ الإِحْسَاسَ حَرّاً وَاحْتِقَانَا
خَنَقَ الْبَيْنُ بِأَيَّامِي الدِّمَا
مُذْ كَتَمْنَا ثَوْرَةَ الْكَأْسِ اتِّزَانَا
مُذْ رَمَيْتَ الْوَرْدَ حَوْلِي نَابِضاً
سَكْرَةٌ طَابَتْ وَأَرْدَتْنِي جِنَانَا
أَيُّ عَيْشٍ وَالأَمَانِي مَرِضَتْ
وَبِجُرْحِي نَازِفٌ فِي النَّفْسِ آنَا
يَا حَبِيِبِي لاَ تَلُمْنِي فَأَنَا
بَرَحِيلِي اخْتَرْتُ عَقْلاً وَامْتِحَانَا
لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ مَا يَنْتَابُنِي
حِيِنَ هزَّ الْبُعْدُ عَقْلِي حَيْثُ كَانَا
فَاحْتَرَانِي السُّهْدُ فِي عَيْنِ الدُّجَى
وَاسْتَفَاقَ الدَّمْعُ فِي لَيْلِي زَمَانَا
عُدْ حَبِيِبِي لَسْتُ حَيّاً هَا هُنَا
وَمَمَاتِي صَارَ حَتْماً وَاقْتِرَانَا
شَارِدٌ فِكْرِي بِأَحْلاَمِ الْكَرَى
فَاسْتَحَالَ النَّوْمُ فِي مَنْأَى رُؤَانَا
أَيُّ كَأْسٍ ذُقْتُهَا إِذْ أَدَمَنَتْ
رِعْشَةُ الأَجْسَادِ حِضْناً وَاحْتِضَانَا
أَيُّ زَهْرٍ فِي لَمَى ثَغْرِ النَّدَى
بَلَّلَ الأَنْفَاسَ فُلاًّ عُنْفُوَانَا؟!
أَيُّ عِطْرٍ رَقَّ فِي الْقَدِّ الَّذِي
أَسْكَرَ الْقُمْصَانَ فِي طَيِّي افْتِتَانَا؟!
أَيُّ مِسْكٍ مِنْ غَزَالٍ لَفَّنِي
ضَمَّخَ الأَحْضَانَ غَاباً وَامْتِنَانَا؟!
أَيُّ أَوْرَاقٍ مِنَ الْحِنَّاءِ فِي
مَرْجِ رَأْسِي خَضَّبَتْ شَعْرِي حِسَانَا
أَيُّ سِدْرٍ فِي الْبَسَاتِيِنِ احْتَوَى
ضَوَّعَ الأَطْيَابَ شَذْوًا مُنْتَهَانَا؟!
أَيُّ نَهْرٍ كَوْثَرِيٍّ خِلْتُهُ
خَدَّرَ الْمَحْسُوسَ رِفْقاً وَاعْتِجَانَا؟!
أَيُّ عُنْقُودٍ مِنَ الأَعْنَابِ ذَا
مَجَّ خَمْراً سَيَّحَ الْغُصْنَ اقْتِنَانَا؟!
أَيُّ رُوحٍ مَزْمَزَتْنِي رَوْضَةً
حِيِنَ لَذَّ الطَّعْمُ فِي رُوحِي وَلاَنَا؟!
أَيُّ عُرْجُوْنٍ تَدَلَّى شَيِّقاً
غَضَّ تَمْراً سُكَّرِيّاً فِي شِفَانَا؟!
أَيُّ تُوتٍ أَيُّ رُمَّانِ إِذَا
أَثْمَرَا الْعنَّابَ فِي الْوَجْهِيِنِ زَانَا؟!
أَيُّ تُفَّاحٍ وَدُرَّاقٍ لَنَا
سَيَّلاَ رِيِقاً مِنَ الشَّهْدِ احْتَوَانَا؟!
أَيُّ رَيْحَانٍ خَضِيِلٍ فِي الْهَوَى
ظَلَّلَ الْعُشْبَ اخْضِرَاراً وَاسْتَوَانَا؟!
أيُّ جَوٍّ سجْسَجِيٍّ غَيْمُهُ
رَشَّ غَيْثاً نَزَّ نَوْرٌ فِي رُبَانَا؟!
أَيُّ طَيْرٍ رَفَّ تِحْنَاناً مَعِي
مَدَّ رِيِشاً جَانِحاً حَوْلِي أَمَانَا؟!
أَيُّ دِيِبِاجٍ وَقُطْنٍ لَيِّنٍ
دثَّرَ الْجِسْمَ احْتَوَاءً وَاخْتِزَانَا؟!
أَيُّ لَحْنٍ أَطْرَبَ الْقَلْبَ شَجىً
أَنْعَشَ النَّبْضَ ابْتِهَالاً فَاسْتَكَانَا؟!
أَيُّ تَغْرِيِدٍ تَغَنَّى يَافِعاً
أَسْكَتَ الأَطْيَارَ فِي النَّجْوَى لَفَانَا؟!
أَيُّ صَفْوَانٍ كَرِيِمٍ صَامِدٍ
أَسْنَدَ الظَّهْرَ الْمُعَنَّى فَاسْتَلاَنَا؟!
أَيُّ نَجْمٍ فَزَّ فِي عَيْنِ الرُّؤَى
جَلْبَبَ اللَّيْلَ احْتِفَالاً فِي سَمَانَا؟!
أَيُّ دُرٍّ لُؤْلُؤِيّاً زَانَنِي
أَذْهَلَ الْبَدْرَ ابْتِرَاقاً فَاسْتَعَانَا!
أَيُّ فَيْرُوزٍ بِرِسْغِي خَاضِعٍ
عَتَّقَ الْمَيَّاسَ فَنّاً وَارْتِهَانَا!
أَيُّ خَلْخَالٍ يُغَنِّي ذَهَباً
أَدْلَصَ السَّاقَ انْصِهَاراً حِيِنَ بَانَا!
أَيُّ فَضِّيٍّ فَوْقَ صَدْرِي سَابِحاً
شَكَّ عِقْداً فِي الرُّبَى ثَرَّ الْجُمَانَا؟!
أَيُّ أَلْمَاسٍ بِجِيدِي سَاطِعٍ
أَيْقَظَ الأَقْمَارَ بَرْقاً فَاسْتَزَانَا؟!
أَيُّ تَاجٍ فَوْقَ هَامِي شَاهِقٍ
أَخْضَعَ الْكَوْنَ احْتِرَاماً حِيِنَ صَانَا؟!
أَيُّ سِحْرٍ كَوْكَبِيٍّ هَالَنِي
عَانَقَ الْجَوْزَاءَ فِي وَجْدِي مَكَانَا؟!
أَيُّ طَيْفٍ شَفَّ رُوحِي نُورُهُ
وَاعْتَلَيْنَا الْخُلْدَ فِي الرُّؤْيَا لَيَانَا؟!
إِيِهِ طُوبَى لِلْحَنَايَا فِي دَمِي
أَثْلَجَتْ صَدْراً بِإِحْسَاسٍ تَفَانَى
هَكَذَا كُنَّا فَقُلْ لِي هَا فَقُلْ
كَيْفَ نَحْيَا إِنْ فَقَدْنَاهُ الْكَيَانَا؟!
عُدْ حَبِيِبِي فَالدُّنَا مَوْتٌ هُنَا
لَسْتُ أَحْيَا دُونَ رُوحٍ فِيِكَ شَانَا