واحَرَّ قلباه؟ بل فَليَبرُدِ الألَمُ
ما عادَ يُجدي على الأرواحِ ما سَقِموا
مَن ذا يُلامُ، وقد صارت بصائرُهم
نورًا، ومن حَجَبَ الأنوارَ ينهَزِمُ
مالي أُخافُ هوىً يَفنى بذكرتِهِ
وحُبُّ ربي على الآفاقِ يَلتَزِمُ
دعْ ما ادّعَتهُ أُممٌ في مدحِ قائِدِها
فاللهُ يَرفَعُ من بالعَدلِ يَلتَزِمُ
إِن كانَ يَجمَعُنا وَجهُ البهاءِ فكم
وَجهٍ تُخاتِلُهُ الأرواحُ والعِصَمُ
قد زُرتُهُ والعُلى في سيفِهِ ظَمِئَت
فسَقَيتُها بفَمي والعِزُّ يَغتَنِمُ
فكانَ في الناسِ لا يُدرَى لِرُؤيَتِهِ
أجمالُهُ العِلمُ أم في العِلمِ يَنتظِمُ
إن فاتَ خصمَكَ ظَفَرٌ كنتَ مَغنَمَهُ
فكم ظَفِرتَ بِنورٍ خَلَّفَتْهُ هِمَمُ
قد نابَ عنكَ وَقارٌ لا يُزَعزِعُهُ
خَوفٌ، ولا تَرتقيهِ الطيرُ إنْ حَلُموا
ألزَمتَ نَفسَكَ ما لَم يُلزِمِ الحَكَمُ
فصارَ فَرضُكَ حُبًّا ما لَهُ قِسَمُ
من لم يُجَرِّبْ ظُلامَ العُمرِ لم يَهتَدِ،
والنورُ لا يُنجَبُ إلاّ حين يُلتَهَمُ
يا مَن تُقِيمُ لِعدلِ الحُكمِ مِيزانَهُ
هَلْ عاقَبَ الحُبُّ مَن فِي الحُبِّ يَلتَهِمُ
إِن كُنتَ تَخشى نِظَرْتِي فاعلَمْ أَنَّها
لا تَخطِئُ الصِدقَ، لا تَغوى ولا تَهِمُ
ما الشَحمُ يُخفى، ولكنْ في البَصيرِ نُهىً
تَرى الحَقيقةَ إذْ ضَلَّتْ بِها الأُمَمُ
وما انتِفاعُ فتىً بالدَّهرِ مُقلَتُهُ
قد نامَ فيها، وفي أَحلامِهِ العَدَمُ
أنا الذي أبصَرَتْني كُلُّ ذي فِكرٍ
وسَمِعْتَني روحُ مَن صَمَّتْ بِهِ الكَلِمُ
أنامُ عن كَلِماتٍ في رُبى زَمَنٍ
تَسري، فيَسهرُ أهلُ الأرضِ والعَلَمُ
وجاهِلٍ ضَحِكُ العُقلاءِ مَصرَعُهُ
إِذْ نالَهُ مِنْ سِنانِ العِلمِ ما فَهِموا
إِذا بَرَزْتَ نُيوبُ الحَقِّ مُشرِقَةً
فلا تَظُنَّنَّ أنَّ الحَقَّ مُبتَسِمُ
ومُهجَةٍ جَرَّدَتْها العِزَّ مِن دَمِها
تُهدي الدِّماءَ لِمَنْ في خافِقٍ نَدَمُ
تَعدو بِهِ الهِمَمُ الغُرُّ التي سَبَقَتْ
فَصارَ فِعلُهُ ما يُلهِمُ القَلَمُ
ويا قَوافِيَّ، نامَ الخَلقُ عن شَرَفٍ
وأنتِ في لَيلِهمْ بَرقٌ لهُ عَلَمُ
تَسري الكَلِمْ كالرُّؤى فَوقَ الرُّبى سَحَرًا
فيَسهرُ الحُرفُ، والإلهامُ والْحُلُومُ
مَن ضَحِكَ الجَهلُ مِنهُ كانَ عاقِلَهُ
حتى يُصيبَهُ مِن نُورِنا حِمَمُ
إِذا تَبَسَّمَ وَجهُ الحَقِّ مُقبِلُهُ
ظَنُّوا البَوارِقَ مِن رَحمٍ، وهِيَ نِقَمُ
ومُهجَةٍ سَرَتِ الآمالُ في دَمِها
تَجري كأنَّ دُموعَ العَزمِ تَلتَهِمُ
رِجلاهُ شَوقٌ، وأَيديهِ عَزائِمُهُ
تَمشي بهِ الرّيحُ، والأقدامُ تَنسَجِمُ
ومُرهَفٍ كالبَصيرِ الحاذِقِ انقَطَعَتْ
فيهِ الحُجوبُ، وبَانَ المَوتُ والْقَدَمُ
فالخَيلُ تَعرِفُ صوتي حينَ أُرسلُها
والليلُ يَخشَعُ، والإلهامُ والعَلَمُ
صَحِبتُ في الفَلواتِ الرُّوحَ مُنفَرِدًا
فاستَوحَشَتْ مِن جَلالي الغَيمُ والعَصَمُ
يا مَن يُفارِقُنا وَجهُ النُّبوَّةِ في
عَينَيهِ، إنّا بِبَعدِ الوَصلِ نَحتَرِمُ
ما كانَ أَخلَقَنا بالعَفوِ نَمنَحُهُ
لَولا التَّكَبُّرُ في الأرواحِ يَلتَهِمُ
لو أنَّ أمرَكُمُ في الحَقِّ مُتَّصِلٌ
لما تَخاصَمَ فيكُم جاهِلٌ وحَكَمُ
إِن كانَ يَسعَدُ حاسِدٌ بِنُطقِكُمُ
فَالحُزنُ زَيفٌ، ومَن أرضاكُمُ نَدَمُ
لا يُؤلِمُ الجُرحَ إِلّا مَن تَجاهَلَهُ
إِنَّ الكِرامَ إِذا عافَوا فَقَدْ كَرِموا
وبَينَنا نَسبٌ أَعلى مِنَ الدَّمِ في
رُوحٍ تَرى النُّورَ لا يَخفى وَلا يُتَّهَمُ
كَم تَطلُبونَ عُيوبًا في بَصائِرِنا
فَيعجِزُ الوَهمُ، والتَّقوى لَها قَلَمُ
ما كانَ نَقصي وَلَكِنْ في رُؤاكَ عَمىً
يَخفى العَظيمُ، إذا ما السَّاهِدُ النَّوَمُ
أنا الثُّريّا، ومَن دوني لهُ ظُلَمٌ
تَغيبُ فيها سُهَيلٌ حينَ يَبتَسِمُ
لَيتَ الغَمامَ الَّذي في صَدرِنا وَمَضت
صَواعِقُهُ، نَسَخَ الأوجاعَ واحتَطَموا
أَرى البُعادَ قَضاءً لا فِكاكَ لَهُ
مَن جازَ حُبًّا بَرَاهُ القَدرُ واحتَكَموا
يا نائحَ الحُلمِ، مَهلاً، إنَّ ما انصرَما
لَم يَمتِ الفَجرُ، لكنْ غابَ وابتَسَما
ما كانَ يُزهِرُ في الدُّنيا لِمُدَّكِرٍ
إلّا البَلاءُ إذا أَذكى لَهُ الحِكَمُ
مَن عافَ دَهرًا فَقَد جَهِلَ العُلا خَطَرًا
فَالنَّارُ تُصفِي ذَكاءَ الذَّهبِ إن سَلِمُوا
ما ضَيَّعَ العِزَّ مَن في خُطوِهِ قَدَرٌ
وَمَن تَفَوَّقَ لَم يُحتاجْ لِمَن فَهِمُوا
إِنّي رَأَيتُكَ تَبكي ظُلمَ راحِلَةٍ
والدهرُ يَركَبُنا في ظِلهِ العَدَمُ
فَارْفَعْ جَبينَكَ، إِنَّ النَّورَ مُعتَصَمٌ
لِمَن أَقامَ على الإيمانِ واحتَشَمُوا
لا تَستَجِدْ وَفَرَاً مِن باطِلٍ وَهَمٍ
فَالمَجدُ لا يُشتَرى، والعِزُّ مُلتَزِمُ
كُنْ كَالسَّماءِ، إِذا ما الغَيمُ أَغرَقَها
ظَلَّت تُنيرُ، وَفي أحشائِها نِعَمُ
إِنْ كَانَ لِلخُلدِ بَابٌ لا يُغَالِقُهُ
فَالعِلمُ بَابٌ إِلى الأرواحِ يَحتَشِمُ
فَاخْتِمْ حَياتَكَ بالشِّعرِ الَّذي صَعِدَتْ
فيهِ المَعاني، وَخَلَّدتْكَ يا عَلَمُ