يا مَن يفاخرُ بالدُّنيا ويَظلِمُها
هل يَستقيمُ على الأفلاكِ مُتَّهِمُ؟
تُغريكَ نَفسُكَ أنْ تَعلو فتُسقِطَها
فالمَجْدُ لا يُدرَكُ الإدراكَ مَن سَأمُ
يا مَن تَغنَّيتَ بالأمجادِ مُعتَصِمًا
كأنَّ شَمسَ العُلا في كَفِّكَ العَلَمُ
هل ظَنَّ ظَنُّكَ أنَّ الدَّهْرَ خادِمُهُ؟
كَمْ خابَ ظَنٌّ وَكَمْ ضاعَتْ لَهُ الحُلُمُ
ما كُنتَ تَجهَلُ أنَّ الفَخرَ مَعرَكَةٌ
يَفنى الفُحولُ بها والعَزمُ والعِزَمُ
تَبكي على مَن أَراكَ الحُسنَ مُبتسِمًا
وتَنسِجُ الشِّعرَ فَوقَ الجُرحِ والعَدَمُ
ما كُنتَ أوَّلَ مَن شاقتهُ فَجيعَتُهُ
لكنَّ مَن صَدَقُوا في الحُبِّ قد عَصَموا
أَنا ابنُ هذا الثَّرى، والرِّيحُ تَعرِفُني
لا الرُّمحُ أَرهبُهُ، لا السَّيفُ، لا القَلَمُ
قَد عَلَّمَتني المَدى أنْ لا أُفارِقَها
حَتّى يُقاسِمَني في خُطوتي القِمَمُ
ما سِرتُ إلّا وفي كَفِّي مُعادِلَةٌ
بينَ الكِرامِ ومَن خانُوا ومَن ظَلَموا
لا أشتَكي زَمنًا إن جارَ أو قَسَمًا
فالنَّاسُ تَخلُقُ ما في نَفسِها القِيَمُ
وإن نَظَرتُ إلى العَلياءِ سَرتُ لها
مُستَبسِلًا، فالهَوى يَسمُو بِهِ الهِمَمُ
ما ضَيَّعَ العِزَّ إلّا كُلُّ مُغتَرٍّ
ظَنَّ السَّماءَ لِمَن في صَدرِهِ وَهَمُ
يا مَن تُنازِعُني مَجدِي ومَنزِلَتي
لا يُدرِكُ المَجْدَ إلّا صادِقٌ حَلِمُ
إِنّي لأَملِكُ فَوقَ الحَرفِ مَملَكَةً
يَسمُو بها القَدرُ لا تَسمُو بها الدِّيمُ
أُنشِدْتُ والعَصرُ في صَوتي يُفكِّرُني
كَأَنَّ صَوتي إلى الآفاقِ مُلتَزِمُ
ما ساءَني أنْ تَجودَ الحُزنَ مُعتَصِمًا
لكنَّ ما يُوجِعُ الأحرارَ أنْ يَصمُوا
إِن كانَ سَيفُكَ في الدُّنْيا مُحَدَّدَةً
فإِنَّ كَلِمَتي تَفْرِي وَتَلتَزِمُ
لا تَغتَرِرْ بِالعُلى إنْ لم تُجَرِّبِها
فالمَجْدُ نارٌ ولا يَصِلُهُ المُتَّهِمُ
إِنّي رَأَيتُ سُيُوفَ القَومِ مَغْمَدَةً
لكنَّ سَيفي إِذا أُشهِرْتُ يَلتَهِمُ
يا مَن تَعَظَّمَ بالأشعارِ نَظْمُهُما
ما كُلُّ مَن نَظَموا قَد أدرَكوا الحِكمَ
الشِّعرُ نارٌ إِذا ما أشرَقَتْ وَهَجًا
تَحيا القلوبُ بِها أو تَحترِقِ القِمَمُ
ما ضِقْتُ دَهرًا ولا أَرغَمتُ مُختلِفًا
إِنَّ الكَريمَ إذا ما ضامَهُ الكَلِمُ
فلتَعلَمِ الدَّهْرَ أنَّ الحَرفَ مَعرَكَةٌ
وأنَّ مَن خَطَّهُ لا يُنكِرُ القَلَمُ
إِنّي إِذا ما دَعا المِيدانُ صَرخَتُهُ
سارَتْ ورائي القُيودُ تَخشَعُ الهِمَمُ
ما جَدَّ فيَّ الزَّمانُ، الزَّهرُ يَعرِفُني
كَأَنَّ خُطوتي في التُّربِ مُلتَزِمُ
يا مَن سَكَبْتَ على الأشعارِ عبرَتَها
قَد طَالَ عَهدُكَ بالمَجْدِ الَّذي انحَسَمُ
إِن كانَ يَجمَعُنا في الحُسنِ مَذهَبُنا
فَلِيتَ في الحُسنِ تَختارُ العُلا القِمَمُ
لا تَذكُروا الفَخرَ إلّا حينَ تَشهَدُهُ
أَفعالُ مَن صَدَقوا، لا ما قَضَى القَلَمُ
فَالخَيلُ وَاللَّيلُ إِن تَذكُرْ مَواقِفَنا
تَعرِفْ مَن الحَقُّ في الدُّنيا وَمَن خَدَمُ
أواهُ يا دهرُ، كَم أغويتَ من قِمَمِ
فاستبدلتْ زهرَهم في البيدِ بالرَّمَمِ
عَلَّمتَنا الصبرَ لا ضعفًا ولا خَوَرًا
لَكِن على الصبرِ أن يَعلو على الألمِ
ما ضِقْتُ بالدَّهرِ يومًا حينَ نازَلَني
لكنَّي رأيتُ بهِ حِكمًا من القِدَمِ
إني لأرضى بأن أُرْمَى وأبتسمُ
ولا أُقيمُ على جُرحٍ ولا نَدَمِ
قد يَحسبونَ سكوتَ الحرِّ مَغْلَبَةً
والصَّمتُ من سِمَةِ الأبطالِ في الحُكُمِ
ما كنتُ أرهبُ وجهَ الموتِ في طَلَبٍ
ولا أُطاطِئُ رَأسي في يدِ العَدَمِ
إِنّي وُلِدتُ على جَمرِ العِزيمَةِ لا
أهوى الخُنوعَ، ولا أَرْضى بمُنسَجِمِ
قد خُضتُ بحرَ المعاني دونَما وَجَلٍ
وسِرتُ في الليلِ والنُّجمانِ لم يَنَمِ
يا مَن طغى بالبيانِ الفذِّ مفتخرًا
إنَّ البيانَ يُرى فعلًا على القَلَمِ
قد تُبدِعُ اللفظَ، لكن أينَ رُوحُهُ؟
فالشِّعرُ صِدقٌ، إذا خالَفْتَ لم يُتِمِ
قد كنتَ وحدَكَ في بيداءِ منزلةٍ
واليومَ لنا في الأرضِ من عَلَمِ
يا مَن رفعتَ لنا راياتِ فخرِكَ، ما
هَزَمْتَنا، إنَّما عَلَّمتَنا القِمَمَ
جِئنا نُجدِّدُ عُمرَ الحرفِ نَسكُبُهُ
نورًا على الناسِ لا سيفًا على الأُمَمِ
فالحُرُّ حرٌّ وإن جارَ الزَّمانُ بهِ
يبقى كريما على الضِّرَّاءِ والنِّعَمِ
ولستُ أمدحُ سلطانًا ولا ذهبًا
لكن أمدحُ في الإنسانِ ما التَزَمَ
ما نِلتُ مَجدًا، ولكن نِلتُ مَعرِفةً
بأنَّ حقَّ الفَتى يُحمَى على القِمَمِ
ما زِلْتُ أرقُبُ فَجرَ الحرفِ يَنهَضُ بي
حَتّى غُدوتُ بهِ حرًّا من السَّقَمِ
إِنّي رأيتُ القوافي حينَ أُطلِقُها
تجري كَأَنَّ بها روحَ ابنِ ذي يَزَنِ
يا مَن تَغنَّيتَ في فَخرٍ وفي أَلَقٍ
إنا وَرِثنا المعاني دونما وَهَنِ
ما كانَ مَجدُكَ إلا سيفَ قافيةٍ
واليومَ نَصنعُ أمجادًا من الكَلِمِ
قد كُنتَ تَصرُخُ بالهيجاءِ منفردًا
واليومَ نَصْدَحُ بينَ الشَّرقِ والعَلَمِ
تِلكَ المُلُوكُ الَّتي مَدَحتَ جَفنَتَها
ماتَت، وباقٍ صَدَى الحِكمَةِ والنَّغَمِ
لئن خَطَفتكَ يدُ الأيَّامِ مُعتَزِمًا
فالحَرفُ باقٍ، وإن فَنِيَتْ يدُ القَلَمِ
قِيلَ: ماتَ أبو الطيب، فَقُلتُ لهمْ
بل عاشَ في كُلِّ قَلْبٍ نابضٍ بهِمِ
لكنَّنا جِئنا نُحيي فيكَ مَعرِفةً
لا نُخادِعُ الناسَ بالإطراءِ والنُّظُمِ
إنا نُقيمُ على الصِّدقِ الَّذي وَهِبَتْ
أَرواحُنا نَفَسُ الإخلاصِ في الكَلِمِ
ما كنتَ تَمدَحُ إلا مَن يُقابِلُكَ
وأنا أُجِلُّ الضَّعيفَ الحُرَّ في القِمَمِ
يا مَن تَعالَيْتَ عن دَهرٍ تُنازِلُهُ
هذِه البَشَاشَةُ مِن تَوفيقِ ذِي الكَرَمِ
كَم شاعرٍ جاءَ مِن بَعْدِكَ مُتَّكِئًا
لكنَّهُ لم يَرَ العُلْيا في القِمَمِ
وأنتَ كنتَ رفيعَ الفِكرِ في زَمنٍ
لم يُدْرِ ما الشِّعرُ إلا سَجعٌ ذِي نَغَمِ
أمّا أنا فَرأيتُ النُّورَ في كَلِمٍ
يُحيي القلوبَ ويَجلُو ظُلْمَ الظُّلُمِ
لا أَسْتَكِينُ ولا أَرضى الدُّنا سَفَهًا
ولا أُصادِقُ مَن خافَتْ لهُ الهِمَمُ
إِنّي أُقيمُ على الإيمانِ قافِيَتي
وأَجعَلُ الحَرفَ سَيفًا دونَما نَدَمِ
ما قيلَ: هذا يُجاريهِ، فَقُلتُ لهمْ
بل يُتِمُّ ما بدأَ الأوَّلونَ هُمُ
فالشِّعرُ مِيراثُ مَن يَحيا بهِ ثِقَةً
ويَزرَعُ المَجْدَ في الأَروحِ لا العَدَمِ
قَد يُخطِئُ النّاسُ، لكن في تَرفُّعِنا
تَبقى القلوبُ على الإخلاصِ كالعَلَمِ
ما أَوْرَقَ الفَجْرُ إلّا حينَ نَسقِيَهُ
دَمَ الطَّمُوحِ ونَروي نُورَنا بهمِ
إنا وَرِثْنا مِن الأسلافِ عِزَّتَهُمْ
لكنَّنا جِئْنَا نُحْيِيها على القِمَمِ
فالشِّعرُ لَيْسَ سُطورًا تُستعارُ لها
لكنَّهُ صَوتُ رُوحٍ ضاقَ بالحُلُمِ
يا مَن طَغَى فيكَ إحساسٌ بمَلحَمَةٍ
هَلّا عَرَفتَ بأنَّ الحَقَّ في الكَلِمِ؟
لسْنا عُداةً على مَجْدٍ ورِثْتَهُ
لكن نُكمِلُ ما أبقيْتَ من نَغَمِ
إنا نُعانِقُ أرواحَ العُلا شَغَفًا
ونَرتقي فَوقَ آمالٍ بلا نَدَمِ
حتَّى إذا سُئِلَ التاريخُ عن وَطَنٍ
قالَ القَصيدُ: هُنا الأَحرارُ مِن أُمَمِ
هذِهِ الحُرُوفُ الَّتي أَسقَيْتُها دَمِي
تَزْهُو كَأَنَّ بها مَجدًا مِن القِدَمِ
فاشهَدْ أَيَا مُبْدِعَ التَّاريخِ إنَّ لنا
في كُلِّ بيتٍ صَدًى يُحْيِي بلا عَدَمِ
إِنْ كانَ لِلْخُلُدِ بابٌ لا يُغالِقُهُ
فالشِّعرُ بابٌ إلى الأَرواحِ والعِظَمِ
فاخْتَر طَريقَكَ يا ابنَ المَجْدِ مُعتَزِمًا
فَأنا أُكمِلُ ما كُنتَ ابتدأتَ بِهِمْ