في ليْلَةٍ بذَّتْ فُحومَةَ دَجْني
سهِرَ السُّهادُ بمُقْلَتَيَّ بِرَوْنِ!
فجَلَسْتُ أقْرأُ في كِتابِ اللهِ كيْ
تُجْلى بأعْماقي غَمامَةُ حُزْني
فسَمِعْتُ طرْقاً خافِتاً قدْ خِلْتُهُ
منْ خلْفِ نافِذَتي ثَجيجَ المُزْنِ!
أوْ نسْمَةً هَبَّتْ مُداعِبَةً على
أغْصانِ روْضي اليانِعاتِ اللُّدْنِ!
فتُميلُها حتّى تُقَبِّلَ نشْوةً
خَدَّ الزُّجاجِ برِقَّةٍ وتَثَنِّ!
فنَظَرْتُ منْتَبِهاً لمَصْدَرِهِ فإذْ
خلْفَ الزُّجاجِ بقِطَّةٍ في الرُّكْنِ!
ترْنو إلَيَّ بمُقْلَتينِ كبُقْعَتَيْ
ضَوْءٍ تسَلَّلَتا خِلالَ الجَوْنِ!
فبَدا التَّلَهُّفُ واضِحاً لي فيهِما
فكأنَّها قدِمَتْ لتَطْلُبَ عوْني!
قالتْ: سَلامُ اللهِ بادِئُ منْطِقي
والعُذْرُ للإزْعاجِ عنْدَ الإذْنِ!
أنَا قطَّةٌ قدْ جُمِّدَتْ أطْرافُها
بَرْداً، لَواها الجوعُ مذْ يوْميْنِ!
لمْ أَبْغِ منْكَ المُعْجِزاتِ مَعونَةً
فَجَميعُ ما أبْغيهِ قطْعَةَ جُبْنِ!
فهُرِعْتُ أُحْضِرُ ما تُحِبُّ وتَشْتَهي
زاداً إلَيْها عنْهُ لا تسْتَغْني!
نظَرَتْ إلَيَّ وقدْ تهَلَّلَ وجْهُها
فكأنَّها تُبْدي رِضاها عنّي!
فسَألْتُها: مَنْ أنْتِ؟ قالتْ: إنَّني
إحْدى الخَلائِقِ ضمْنَ هذا الكوْنِ!
أنَا قِطَّةٌ سوْداءُ ظاهِرُها الدُّجى
والقلْبُ أنْصَعُ منْ بَياضِ القُطْنِ!
نُسِجَتْ حِكاياتٌ حِيالي أصْبَحَتْ
ضِمْنَ التُّراثِ ورُسِّخَتْ في الذِّهْنِ!
قدْ قيلَ إنّي قطَّةٌ مشْؤومَةٌ
تحْكي عَباءَتُها غُرابَ البَيْنِ!
أنَا ليْسَ لي بيْنَ الأوادِمِ حظْوَةٌ
فالناسُ تخْشاني وتَهْرُبُ منّي!
وتظُنُّ أنّي قطَّةٌ ملْعونَةٌ
مسْحورةٌ ومَليكَةٌ للجِنِّ!
ما اخْتَرْتُ لوْني كيْ أُلاقِيَ جفْوَةً
أنَا ليْسَ لي ذنْبٌ بفِطْرَةِ لوْني!
ذهبَتْ فراوَدَني التَّساؤلُ حوْلَ ما
أدْركْتُ بالأُذُنَينِ والعيْنيْنِ!
قدْ كلَّمتْني...هلْ تُرى جِنِّيَّةٌ
أمْ أنَّني مُتَوهِّمٌ؟!...لكنّي...
أطعمْتُها ما تأكلُ القططُ التي
هيَ بَينَنا...فإلامَ أتْبَعُ ظَنّي؟!
قبَضَتْ يَدايَ على الكِتابِ تحَسُّباً
لوُقوعِهِ منّي بفِعْلِ الوَزْنِ!
ففَتَحْتُ أجْفاني لأُدْرِكَ أنَّني
قدْ كنْتُ أغْفو بعْدَ سُهْدٍ مُضْنِ!