هل غادر البلغاء من متكلم؟
أم هام تبياني بنبض الأعظم؟
بكت المنابر حين غاب فحولها
واستعجم الإفصاح بعد ترنم
إني أنا سر البيان وسحره
من عهد جرهم للزمان المعتتم
وزنت شعر العرب قبل خليلهم
وبنيت صرح النظم دون توهم
ورفعت نحو الضاد بيرق عزة
صنعته أيدي سيبويه الأعلم
وفتقت أسرار اللغات كأنني
"جنيها" في كل نطق محكم
ونسجت من فرس ابن شداد رؤى
وسقيت سيفي من بريق المبسم
ببيان جاحظنا ونضرة حرفه
وبحكمة ابن المقفع في المحكم
وغزلت من سجع الحريري الدرر
تسبي العقول بلؤلؤ متناغم
وألزمت نفسي كالمعري مسلكاً
ليشع فكري في الفضاء المعتتم
وقرأت في حرف ابن خلدون الرؤى
أن اللغات حضارة لم تهزم
وحملت روح الرافعي قداسة
حتى رأيت النور يسري في الدم
وصنعت من شوقي قلائد عصرنا
فكسوت أيام الحداثة معصمي
نزل الكتاب مرتلا بحروفها
فتكللت بجلال رب أكرم
هي سر إعجاز السماء بأرضنا
وطريقنا نحو البيان الأقوم
ولقد فتحت لها مغالق حكمة
من عتمة الماضي لفجر مبسم
حتى رأيت لها سجود فصاحة
من كل قلب بالبيان متيم
إن اللغات تموت موت رعاتها
والضاد خالدة خلود الأنجم
فأحفظ يراعك أن يزل بحرفها
وانهل من البحر العميق الأعظم
صيغت لتبقى فخر كل معلم
ولتحفظ التاريخ غير مثلم