أَمِن ذِكرِ طهَ هاجَ دَمعُكَ أَم هَمى
فَأَضرَمَ في أَحشاءِ قَلبِكَ مَوقِدا
وَهَل خَفَقَتْ تِلكَ الضُّلوعُ صَبابَةً
إِذا ذُكِرَ المختارُ حتّى تَوَقَّدا
فَيا لائِمي في حُبِّ أَحمَدَ إِنَّني
وَجَدتُ بِهِ سِرَّ النَّجاةِ مُخَلَّدا
وَما الحُبُّ إِلّا أَن تَذوبَ صَبابَةً
وَيُصبِحَ قَلبُ العاشِقِ المُتَعَبَّدا
أُحِبُّ رَسولَ اللهِ حُبًّا مُطَهَّرًا
يُقَرِّبُ مِن رَبِّ السَّماءِ وَيُرشِدا
إِذا ذُكِرَ المختارُ سالَت مَدامِعي
وَذابَ فُؤادي خاشِعًا وَتَعَبَّدا
هُوَ الرَّحمَةُ الكُبرى الَّتي عَمَّ نورُها
فَأَحيَت قُلوبَ الخَلقِ بَعدَ التَّبَلُّدا
أَتى وَالدُّجى يَغشى البَرِيَّةَ كُلَّها
فَشَقَّ سُدوفَ اللَّيلِ نُورًا وَمَشهَدا
وَكانت رُبوعُ الأَرضِ قَفرًا مِنَ الهُدى
فَأَخصَبَها وَحيُ السَّماءِ وَغَرَّدا
وَسارَ بِذِكرِ اللهِ حتّى كَأَنَّهُ
لِقَلبِ ذَوي الأَوجاعِ بَلسمُ مَن شَدا
تَسامى عَلَى كُلِّ البَرِيَّةِ رِفعَةً
وَنالَ مِنَ الرَّحمٰنِ قُربًا وَسُؤدُدا
إِذا ضاقَ صَدرُ المُذنِبينَ تَرَفَّقَتْ
بِهِ الرُّوحُ حتّى يَنجَلي ما تَلَبَّدا
وَإِن ذُكِرَ الإِحسانُ كانَ أَصيلَهُ
وَإِن ذُكِرَ التَّقوى فَحَسبُكَ أَحمَدا
تَحَمَّلَ مِن أَذى الأَنامِ مَشَقَّةً
وَما زادَهُ التَّأذي سِوى أَن تَعَبَّدا
وَما لانَ لِلأَهواءِ يَومًا جَنابُهُ
وَلا خافَ بَأسَ المُشرِكينَ إِذا اعتَدى
كَأَنَّ جِبالَ الأَرضِ لَو حُمِّلَت بِهِ
لَمالَت وَما قاوَت لِما كانَ أَثقَلا
سَرى ذِكرُهُ في الأَرضِ حتّى كَأَنَّهُ
عَبيرٌ عَلَى أَنفاسِها قَد تَصَعَّدا
هُوَ البَدرُ إِلّا أَنَّ نُورَ جَمالِهِ
أَتَمُّ وَأَسمى مِن سَناهُ إِذا بَدا
وَلَمّا دَعَا لِلتَّوحيدِ هَبَّت عُقولُهُم
تُكَابِرُ حَتّى أَصبَحَ الحَقُّ أَوحَدا
فَما وَهَنَتْ مِن شِدَّةِ الخَطبِ عَزمُهُ
وَلا انحَنَتْ هامُ العُداةِ لَهُ سُدى
يَبيتُ وَقَلبُ العالَمينَ بِذِكرِهِ
وَيُصبِحُ نُورُ الوَحيِ فيهِ مُجَدَّدا
تَنَزَّهَ عَن كِبرِ المُلوكِ تواضُعًا
فَما زادَهُ التَّمكينُ إِلّا تَوَدُّدا
وَكانَ إِذا ما الجائِعونَ تَضَوَّروا
يُقاسِمُهُم زادًا وَإِن كانَ مُجهَدا
وَيُعطي عَطاءَ الواثِقينَ بِرَبِّهِم
فَيَرجِعُ قَلبُ السّائِلِ المُتعَبِ اهتدى
وَكَم مِن كَسيرِ القَلبِ أَضحى مُطَمئِنًّا
إِذا رَدَّدَ الصَّلواتِ سِرًّا وَجَهرَدا
وَكَم مِن فَقيرٍ جَفَّ دَمعُ رَجائِهِ
فَأَغناهُ ذِكرُ المُصطَفى وَتَعَزَّزا
إِذا أَظلَمَت فِي الرُّوحِ لَيلَةُ حَيرَةٍ
أَتاهُ سَنا المختارِ فَاستَوضَحَ الهُدى
أَتيتُكَ يا طه وَفي النَّفسِ زَلَّةٌ
وَقَد أَثقَلَت ظَهري ذُنوبًا تَعَدَّدا
فَما ليَ إِلّا بابُ جودِكَ مَفزَعًا
إِذا ضاقَ صَدرُ المُذنِبِ المُتَعَبَّدا
أَغُضُّ طَرفي كُلَّما جِئتُ ذِكرَكُم
حَياءً، وَقَلبي بِالخُضوعِ تَهَذَّبا
أَرَى النَّفسَ تَغوِي ثُمَّ أَرجِعُ تائِبًا
إِلى مَن بِهِ رَبُّ البَرِيَّةِ قَرَّبا
وَكَم زَلَّةٍ زَلَّت وَكَم مِن خَطيئَةٍ
سَتَرتَ، فَلَم تَفضَح، وَكَم قَد تَفَضَّلا
إِذا قِيلَ مَن لِلعاصِمينَ مِنَ الرَّدى
رَأَيتُ لِواءَ المُصطَفى مُتَعَلِّيا
هُوَ الغَوثُ لِلمَلهوفِ إِن ضاقَ كَربُهُ
وَإِن هاجَ بَحرُ الخَوفِ أَلقى لَهُ المِرسا
إِلَيكَ رَسولَ اللهِ نَرفعُ ضَعفَنا
وَنَرجو مِنَ الرَّحمٰنِ عَفوًا مُؤَبَّدا
فَكُن شافِعًا لَنا إِذا هالَ مَوقِفٌ
وَضاقَ عَلَى أَهلِ الذُّنوبِ بِما بَدا
إِذا نُفِخَ الصُّورُ المُهَيبُ وَزُلزِلَتْ
رُبوعُ الوَرى وَالبَحرُ هاجَ وَأَزبَدا
وَطارَت صُحوفُ الخَلقِ في كُلِّ وَجهَةٍ
وَنادى مُنادِي العَدلِ: هَل مَن تَعَبَّدا؟
هُناكَ نُرَجّي أَن تَكونَ شَفاعَةٌ
تُظَلِّلُنا مِن هَولِ ما قَد تَوَعَّدا
فَإِنّا عِبادٌ أَثقَلَ الذَّنبُ سَيرَنا
وَلَيسَ لَنا إِلّا رَجاءٌ بِمَن هَدى
عَلَيكَ صَلاةُ اللهِ ما هَبَّتِ الصَّبا
وَما سَبَّحَت فِي الخافِقَينِ لَنَا صَدى
وَما سَجَدَت للهِ في الأَرضِ أُمَّةٌ
تُرَجّي لِقَاءَ اللهِ قُربًا وَمَوعِدا
وَآلِكَ وَالصَّحبِ الكِرامِ وَمَن سَرى
عَلَى النَّهجِ حَتّى أَصبَحَ الدِّينُ أَمجَدا
فَيا رَبِّ فَامنَحنا الثَّباتَ بِحُبِّهِ
وَحُسنَ خِتامٍ يَجعَلُ العُمرَ أَسعَدا
وَبَلِّغ سَلامي لِلحَبيبِ مُحَمَّدٍ
فَإِنّي أَراهُ الرُّوحَ وَالنُّورَ وَالهُدى