أطولُ الصّمْتِ أم طولُ الغِيابِ
أحَبُّ إليكَ مِنْ هذا العذابِ؟
بكيتُ أحِبّتي دهراً لأني
تَعِبْتُ وقد يئسْتُ من الإيابِ
وعمري لم يزلْ عشرينَ عاماً
وقد ولّى على صِغَرٍ شبابي
أجوبُ الأرضَ والوديانَ سعياً
لرؤياكُمْ وأنتم كالسّرابِ
أُجالسُ مُرْغَماً مَنْ لمْ أُطِقْهُ
ولو أضحى يزيدُ عَلَيَّ ما بي
وأحياناً تؤوبُ إلى عدُوٍّ
كما قابيلَ آبَ إلى الغُرابِ
وأحياناً تُغالِطُ مَنْ تراهُ
يُبالِغُ بالصحيحِ وبالصوابِ
فلا ترْجُ اللئيمَ على قليلٍ
أتطلبُ ماءَ نهْرٍ من تُرابِ؟
إذا الأيّامُ أفسَدَتِ النوايا
فقدْ فسَدَتْ مُحاولَةُ العِتابِ
ضَحِكتُ سُويْعةً فبكيتُ شهْراً
فأينَ السَّهْلُ من تلكَ الهِضابِ؟
تسلَّقتُ الجبالَ وكنتُ طِفلاً
فكيفَ أخافُ مِنْ تلكَ الرّوابي؟
جرى جُلُّ الحبائبِ في ذهابٍ
ويجري العمرُ في سُفُنِ الذهابِ
فكم من فرصةٍ ضاعتْ لدينا
وقد مرّتْ بنا مَرَّ السِّحابِ
لقد شقّتْ نبالُ الدَّهرِ قلبي
فكيفَ أخافُ مِن لدْغِ الذبابِ؟
شكوتُ طوالَ بُعْدِكَ عُدْ لنفسي
حبيبُكَ في صُداعٍ واكتِئابِ
عَذَرْتُكَ فاسْتَقِمْ وكفاكَ بُعْداً
فبعدَ العُذرِ تنزيلُ العِقابِ
وما الدّنيا من الإدبارِ إلاّ
بمنزلةِ السطورِ من الكتابِ
فقدْ أصبحتَ في يومٍ غنيّاً
وأمسيتَ المساءَ بلا ثِيابِ
وقد عمّرتَ دارَكَ في صباحٍ
فأمسَتْ في المساءِ من الخرابِ
غيومُ الشَّوقِ تُمْطِرُ كلَّ يومٍ
فلا تربُطْ حِصانَكَ في الضَّبابِ
وعُدْ لي يا خليلَ القلبِ يوماً
لعلِّي ساعةً أنسى عذابي
إذا ما زُرْتَني يا كلَّ شيءٍ
لَمَا أبْصَرْتني لولا خِطابي