أُهْدِي إليكِ معَ الفراتِ الجاري
سُفُناً تنوءُ معاً بقلْبٍ عاري
حمَّلْتُهُ حَطبَ الجَّفاءِ فعادَ لي
بعدَ اللقاءِ مُجَدّداً بالنارِ
وأمَرتُهُ أنْ لا يسيرَ مُخالِفاً
ماءَ الحبيبِ مُعاكِسَ التيّارِ
أُخفي الكثيرَ مِنَ الكثيرِ مُحاوِلاً
أنْ أستَعيدَ الطيرَ للأشْجارِ
ناهيكِ عنْ طرَبي بصوتٍ قاصِرٍ
أنْ تَبْلُغِي فيهِ الظلامَ الساري
وألِفْتِني قدَراً يَدورُ بعاصِفٍ
مِنْ مُعْجَبيكِ بقاصِفِ الأَقدارِ
وأتيتُ أشلاءً أُحَرِّكُ ساكِناً
روحي موزّعةٌ على الأقطارِ
وكتَمْتُ مِن وجَعي الأشدَّ مَواطِناً
كي لا تَتِيهَ مَقاصِدُ السُّمَّارِ
ما كانَ لي صُبْحٌ لكي أُرْجي لهُ
مَطرَ المساءِ ولا نَدَى الأسْحارِ
آذَيْتِني بالبُعْدِ ثُمَّ رَجَمْتِني
أرأيتِ لو رجَموكِ بالأحْجارِ؟
وبَدَأتِ تصطافينَ بينَ مفاصِلي
ودَمِي وتجتاحينَ لي أفكاري
فلِمَ القساوةُ والمحبّةُ شاهِدي؟
في تُهْمَتِي ولَدَيْكِ قلْبٌ داري
أني أُحِبُّكِ والقواربُ غادَرَتْ
فنَصَبْتُ تمثالاً لكم في داري
ليتَ الذينَ أزورُ تمْثالاً لهم
كانوا ولو في ليلةٍ زُوّاري
سقطتْ على بابِ الحقيقةِ نجمَتي
وهَوَتْ على أوهامِها أقماري
أُهدي إليكِ مع الفراتِ سَحائِباً
تدَعُ العراقَ يعومُ بالأمطارِ
وترى المدينةَ في أشَدِّ ثباتِها
تنهارُ لو وَصَلَتْ لها أخباري
أنا طائرٌ فوقَ الطيورِ لأنني
أبني بريشِ جوارِحي أوكاري
لِمَ لا تعودُ حمامَةٌ لمَقَرِّها؟
ويعودُ مُغْتَرِبٌ إلى ذي قارِ؟
تضعينَ ما بيني وبينكِ حاجزاً
وتُؤطِّرينَ مَقاصِدي بجِدارِ
بِعْتِ المودَةَ بالرّخيصِ وإنّما
أسَفي لأنَّكِ بِعْتِ بالدّولارِ
وأَسَرْتِنِي وأنا أسِيرُ مَفاتِنٍ
وخسَرْتِنِي وأنا مِن الأحرارِ
ووهبْتِ لي قيداً يُعيقُ مفاصِلي
أنْ ألتَقيكِ على قَفَا الأَسْحارِ
قاطعْتِني وذُنوبُنا في كفَّةٍ
صِنْوانِ في نوعٍ وفي مِقْدارِ
أنا في العراقِ على الفراتِ مُتابِعٌ
حرَكاتِ دِجْلَةَ واخْتِلافَ الجاري
ولقدْ تَثاقَلَ وِزْرُ محبوبٍ جَفَا
ورأى هوايَ لهُ مِن الأوزارِ
ورأى بأني لا أُساوي مُضغةً
يا مَنْ يُساوي القارَ بالأقمارِ
ويُقارِنُ الحُبَّ الذي طرقَ الدُّنى
طَرْقاً بأكوامٍ من الأحْجارِ
جُهِلَ المُسَبِّبُ للعداوةِ وانتهى
شوطُ المحبَّةِ مُعْلِنَ الأَسْرارِ
سلّمْتُكِ القلبَ الكبيرَ وما بِهِ
من حُبِّهِ مِنْ شوقِهِ مِن نارِ
من لوعةٍ عاشتْ بها روحي التي
كادتْ تموتُ بذلكَ الإعْصارِ
أنا نبتةٌ عَكْسَ النَّباتِ فإِنّني
مَوْتي يكونُ بكَثْرةِ الأمْطارِ
سلّمْتُكِ الرُّوحَ التي بقيَتْ لنا
تُزْجِي السَّحابَ لمَوْضِعِ الإصْحارِ
قسَتِ الحبيبةُ بعدَ طولِ تودُّدٍ
وأَتى الدُّجى مِنْ بعدِ طولِ نهارِ