قُدَسٌ شوارِعُها ، قُدَسٌ حَواريها..
قُدَسٌ مآذِنُها ، قُدَسٌ جِواريها.
بناتُها عناقيدُ عِنبٍ مخمرةً في أَوانيها.
فيروزيَّةُ الصُّبحِ قاسْيونيةٌ لياليها.
زمردٌ مُمَردُ وماسٌ منثورٌ ضواحيها
هل رأيتُم كيفَ تبدوْا إذِ الفجرُ يُناديها؟..
هل سَمعتُمْ حينَ البلابلَ تَشدوْا في أماسِيها؟..
هل تَذوّقتُم خَمرةَ التّوتِ؟..
في الحَميديةِ يَجولُ ساقيِها.
هَكذا قالوا لي..
فأنا لَم أشربْ بعدُ مِنْ عاصِيها.
لم أغسِلْ ذُنوبي بالفِيجةِ ولم استَحِم في قَوانيها.
سِندِيانَتي.. جُذورها مِن أدناها إلى أقاصيها
وأنا الوَرقةُ الصّهباءُ رَمَتها الرّيحُ في غَيرِ واديها..
وباغَتَني الخَريفُ كَفَصلٍ أخيرٍ مِنْ مآسيها.
مَدينَتي عَتيقةُ الأجْراسِ..
مَرصوصةٌ ومُنَسقةٌ قَوافيها.
قَصيدةً لم يَكتُبها بَشرٌ .. شاعريةً رُغمَ القِوى فيها.
لحنُها طبولُ برقٍ ورَعدٍ وَحباتُ مَطرٍ..
بِكُلِ المَقاماتِ نُغَنيها.
يتيمةُ دمشقَ أنا…
أمي وأبي لم يُدفنوا فيها.
هل طَرِبتُم بِعودِ الريان تَحتَ شَجرِ الرُمانْ..
وفناجينُ القَهوةِ تُدّقُ أَياديها.
وأطفالُ الدّار يَتَسابَقونَ كالزّمنِ الدوّار..
والنافورَةُ تَبثُ أغانيها.
قيل لي بأنّ بيوتها وطني مليئةٌ بِشجرِ النارنج..
وأنا قَط لم أعتَليها.
قيلَ بأنّ لِمَدينَتي أعراساً..
برقعِ الطُبولِ مُزِفيها.
وبأنّ الياسَمينُ هو عطرُ دِمشقُ لِعاشِقيها.
فزرعتُ في حديقتي ياسَمينَه..
بماءِ الوَردِ أُسْقيها.
زفوني إليها بطُرحةٍ بيضاء َ مُطرّزةً .. على وجْهي أُغشِيها.
زفوني إلى دِمشقَ واترُكوني عند أعتابها..
فالشّوقُ لا يُوازيها.
إني يَتيمةُ دِمشقَ..
كوَرقَةٍ صَهباءَ انثُروني فَوقَ مَبانيها.