تُطِلُّ عَلَيَّ الدُّنيا…
كَأَنَّ الصَّباحَ وُلِدَ في حَدَقَتَيَّ،
وَكَأَنَّ العُمْرَ
يَمْشي خَلْفَ هَمْسَتي،
مُخْتَبِئًا بَيْنَ ظِلالِ الأُمْنِيّات.
أُقَلِّبُ في الكَوْنِ
كَأَنَّهُ صَفْحَةُ ماء،
وَأَسْأَلُ الأَيَّامَ
عَنْ سِرٍّ ضاعَ
في مُلْتَقَى الطُّرُقِ القَديمة،
عَنْ نَبْضٍ
كانَ يُشْبِهُ أُغْنِيَةً
وَتَوَارَى.
أُحَدِّقُ في فِنجاني…
لا أَبْحَثُ عَن غَيْبٍ،
بَلْ عَن مَعْنًى
هَجَرَ الكَلِمات.
أُصْغي لِدَوَرانِ القَهْوَةِ
وَهِيَ تَتَهَجّى أَثَرًا
يُمْكِنُ أَنْ يُشْبِهَ قَلْبًا،
أَوْ يَفْتَحَ بابًا
في لَيْلٍ مُغْلَق.
وَحينَ ارْتَشَفْتُ
آخِرَ قَطْرَةٍ—
هُناك، في تِلْكَ اللَّمْعَةِ
الضّائِعَةِ
بَيْنَ الشِّفاهِ والدِّفْءِ—
رَأَيْتُه…
رَحِيقَ حُبٍّ
تَأَخَّرَ عَنّي
لَكِنَّهُ لَمْ يَضِعْ.
عادَ في الرَّشْفَةِ الأَخِيرَة،
يَمْشي إِلَيَّ
كَمَا يَمْشي الرَّبيعُ
إِلَى زَهْرَةٍ
كُنْتُ أَنْتَظِرُهُ
مُنْذُ زَمَن.
وَهُناك…
حينَ خَفَّ صَدَى الفِنجانِ
وَاسْتَراحَ المَساءُ على كَتِفي،
شَعَرْتُ بِأَنَّ شَيْئًا
يَنْمو في داخِلي،
كَأَنَّ القَلْبَ
تَذَكَّرَ طَرِيقَهُ إِلَى الضَّوْء.
لَمْ يَكُنْ حُبًّا فَحَسْب،
بَلْ هَدْأَةُ روحٍ
أَخِيرًا
وَجَدَتْ مَنْ يُصْغي
لِارْتِجافِها الخَفِيف.
فَأَطْبَقْتُ جَفْنَيَّ
عَلَى وَعْدٍ صَغِير،
يَمِيلُ عَلَيَّ
كَمَا تَمِيلُ نَجْمَةٌ
عَلَى نافِذَةٍ
أَطالَهَا السَّهَر.
وَأَيْقَنْتُ—
أَنَّ ما أَبْحَثُ عَنْهُ
بِعَيْنٍ مُتْعَبَة،
قَدْ يَأْتِي
حينَ أَسْتَسْلِمُ لِلْحَياةِ
كَمَا هِيَ…
دافِئَةٌ، بَسيطَة،
وَفي آخِرِ رَشْفَةٍ
تُعيدُ تَرْتِيبَ العُمْرِ
بِلَمْسَةِ مُعْجِزَة