إِذَا أَتَى الشِّتَاءُ..
وَانْحَنَتِ الغُيُومُ فَوْقَ مَدِينَتِي،
وَارْتَجَفَتِ السَّتَائِرُ فِي نَوَافِذِي،
أَشْعُرُ يَا رَفِيقِي،
أَنَّنِي بِحَاجَةٍ إِلَى البُكَاءِ..
عَلَى صَدْرِكَ الوَفِيِّ..
عَلَى دَفَاتِرِي القَدِيمَةِ الَّتِي لَمْ تَعُدْ تَحْتَمِلُ أَسْرَارِي.
إِذَا أَتَى الشِّتَاءُ..
وَتَكَسَّرَتْ أَجْنِحَةُ البَلَابِلِ،
وَأَصْبَحَتْ كُلُّ العَصَافِيرِ بِلَا بُيُوتٍ،
يَتَفَتَّحُ الجُرْحُ فِي قَلْبِي،
وَيَنْزِفُ القَلَمُ فِي أَنَامِلِي..
كَأَنَّ الأَمْطَارَ لَا تَهْطِلُ مِنَ السَّمَاءِ،
بَلْ مِنْ أَعْمَاقِي،
كَأَنَّ الغَيْمَ يَبِيتُ فِي صَدْرِي،
وَيُمْطِرُنِي وَحْدِي دُونَ العَالَمِ.
عِنْدَئِذٍ، يَغْمُرُنِي شَوْقٌ طُفُولِيٌّ،
إِلَى أَنْ أَخْتَبِئَ فِي حُضْنِكَ،
إِلَى أَنْ أَبْكِيَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ
يُشْبِهُ ارْتِعَاشَةَ النَّدَى عَلَى أَوْرَاقِ الخَرِيفِ.
أَبْكِي كَمَا تَبْكِي المَرَاكِبُ التَّائِهَةُ
حِينَ يَتْعَبُهَا البَحْرُ،
أَبْكِي كَمَا يَبْكِي الطَّائِرُ المُهَاجِرُ
وَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ نَافِذَةٍ صَغِيرَةٍ
يُضِيئُهَا قِنْدِيلٌ،
أَوْ عَنْ سَقْفٍ يَحْمِيهِ
مِنْ عُتْمَةِ الرِّيَاحِ وَغُيُومِ الجَدَائِلِ.
وَإِذَا أَتَى الشِّتَاءُ..
وَأَخْمَدَ رَائِحَةَ الوُرُودِ فِي البَسَاتِينِ،
وَأَطْفَأَ مَصَابِيحَ النُّجُومِ
بِعَبَاءَتِهِ الكَئِيبَةِ،
يَأْتِي الحُزْنُ يَا رَفِيقِي،
يَأْتِي مِنْ فَجْوَةِ المَسَاءِ،
يَأْتِي كَطِفْلٍ ضَائِعٍ،
عَيْنَاهُ مَغْسُولَتَانِ بِالدَّمْعِ،
وَوَجْهُهُ شَاحِبٌ كَالقَمَرِ المَرِيضِ.
وَحِينَ يَطْرُقُ بَابِي..
لَا أَمْلِكُ إِلَّا أَنْ أَفْتَحَ لَهُ،
أَمْنَحُهُ وِسَادَتِي وَالغِطَاءَ،
أُفْسِحُ لَهُ مَكَانًا فِي دَمِي،
وَأَتْرُكُهُ يَتَوَسَّدُ آهَاتِي.
فَهُوَ ضَيْفِي القَدِيمُ،
وَرَفِيقِي العَابِرُ فِي كُلِّ الفُصُولِ،
وَهُوَ لَا يَرْحَلُ عَنْ بَيْتِي
إِلَّا لِيَعُودَ بِثِقْلٍ أَشَدَّ،
وَبِحَقَائِبَ أَكْثَرَ امْتِلَاءً بِالوَجَعِ.
مِنْ أَيْنَ جَاءَ الحُزْنُ يَا رَفِيقِي؟
وَكَيْفَ عَرَفَ عُنْوَانِي؟
أَرَاهُ يَحْمِلُ لِي زَنَابِقَ ذَابِلَةً،
لَوْنُهَا يُشْبِهُ اصْفِرَارَ وَجْهِي،
يَحْمِلُ لِي أَكْيَاسًا مِنَ المَطَرِ،
وَصَنَادِيقَ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ البَارِدَةِ،
يَحْمِلُ حَقَائِبَ الدُّمُوعِ،
وَصَنَادِيقَ البُكَاءِ المُؤَجَّلِ.
يَا رَفِيقِي،
كُلَّمَا جَاءَ الشِّتَاءُ،
تَعُودُ أَسْئِلَتِي العَارِيَةُ..
تَعُودُ جُرُوحِي كَأَطْفَالٍ مُشَرَّدِينَ،
كُلٌّ مِنْهُمْ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَيَّ،
وَلَا أَمْلِكُ غَيْرَ أَنْ أَحْتَضِنَهُمْ جَمِيعًا
وَأَنْ أَبْكِي مَعَهُمْ،
حَتَّى يَغْمُرَنَا الغَيْمُ،
حَتَّى يُغْرِقَنَا المَطَرُ،
وَنَصِيرَ مَعًا..
حَقَائِبَ أُخْرَى مِنَ الدُّمُوعِ وَالحَنِينِ.