تخطَّ إلى المحتوى

في زاوية الصمت

غير معروف

٥٥ بيت

النسيب

في زاوية الصمتِ،

تتكدّسُ الرّسائلُ مثلَ أوراقٍ غريبةٍ

نسيها الشتاءُ على طاولتي.

كلُّ كلمةٍ فيها،

ريشةٌ تُصارعُ الريحَ

قبل أن تسقطَ على أرضٍ بلا ظلّ.

هل سمعت؟

الصدى صارَ أجوفَ،

والمسافةُ بين النّبضينِ

أطولُ من حبلِ غريقٍ

يصارعُ ماءهُ الأخير.

حين أكتبُ،

تتساقطُ حروفي مثلَ أوراقِ التّوت،

تكشفُ عن برودةِ جلدِ الحقيقة،

وعن جفافِ نهرٍ

كان يغنّي تحتَ أقدامِنا.

قل لي:

هل يُمكنُ للمطرِ أن يعيدَ

نهرًا رفضَ الأرضَ؟

هل يمكنُ للرّيحِ أن تغني

لقلبٍ خذلتهُ الشّمسُ؟

آمالي كانت شراعًا

يحلمُ بالذهابِ بحبّنا

إلى أبعدِ محيطٍ،

حيث تشرقُ السّماءُ من عينيك

وحيث تكونُ النجومُ دليلًا

لخطى عشقٍ لا يضيعُ.

وفي لحظةِ الصمتِ،

نظرتُ إلى عقاربِ ساعتِك السوداء بمعصمي،

رأيتها تلفظُ أنفاسَها الأخيرة،

تمامًا كحُبِّنا

الذي نزفَ الوقتَ

حتى صارَ رَمادًا لا حياةَ فيه.

في رسائلي،

أكتبُ عنك، عني و عنّا،

عن عنادٍ حوَّلَ الكلماتِ إلى جدرانٍ،

عن غموضٍ خنقَ الشّمسَ في عينيك،

وعن جفاءٍ أطفأ نارَنا،

التي لم تصمد أمامَ ريحِ اليومِ الأول.

أخبرني،

ألم تشعر ببرودةِ الصّباحاتِ؟

كيف ماتت الأغاني

في حلقِ الفجر؟

كيف صارَ القمرُ

شاهدًا أخرسَ على انطفاءِ قنديلِنا؟

في آخرِ رسالةٍ،

سأكتبُ:

"وداعًا بحجمِ الصّقيعِ

الذي حوّلَ أنهارَ حبّنا

إلى أوديةٍ

تشتاقُ المطرَ بلا أمل."

ها أنا أضعُ القلمَ،

وأسمعُ صوتَ الفراغِ يصفّقُ،

كأنّ النهايةَ احتفلت

بصمتِنا الأخير.