في صِغَري،
كنتُ أظنُّ البشرَ أوراقَ خريفٍ
تَسقُطُ حينَ تنامُ الشّمسُ على كتفِ الغُيوم،
فأجمعُهُم كالأُمنياتِ اليابسة،
وأرسُمُ لهم أجنحةً من ورقِ الشِّعرِ
وطيرانًا مؤقّتًا على دفاترِ الطّباشير.
كنتُ أظنُّ أنَّ القُلوبَ تُفتَحُ بالمفاتيحِ
لا بالكلمات،
وأنّ البسماتِ صادقةٌ ما دامتْ تُرى
وأنَّ الغضبَ مَوجةٌ عابرة
لا طوفانًا يُغرقُ وجهَ الألفةِ فينا.
كبرتُ،
فاكتشفتُ أنَّ بعضَ البشرِ
أقفاصٌ تُزيَّنُ كأنَّها معابِد،
يُدخلونكَ بضحكةٍ،
ويُغلقونَ البابَ خلفَك ببطءٍ
كما تُغلقُ القصيدةُ على صدرِ شاعرٍ مكسور.
رأيتُ رجلاً يُصافحُكَ
وفي كفّه الأخرى خنجرُ القبيلة،
وامرأةً تقولُ لكَ: "ابقَ كما أنت"
ثم تنحتُ من ملامحِك تمثالًا
يُشبهُ ظلَّ من سبقوكَ.. وتعبُدُه.
رأيتُ بشراً
يُصلّون في محرابِ الإعجابِ بأنفسهم،
يسقُون صورهم ماءَ التجميلِ
لكنّ أرواحَهم
تتشقّقُ كجدارِ طينيٍّ في آبَ المُبَخِّر.
بعضُ البشرِ
كالنوافذِ في بيتٍ مُهجور،
تفتحُها، فتدخُلُ رياحُ الذكرى،
ولا نورَ فيها،
ولا وجهَ ينتظرُك عندَ الضّفّةِ الأخرى.
وهناكَ
من يرتدي الحكمةَ في ثيابِ الناصحين،
لكنّك لو اقتربتَ،
سترى في عينيه ارتباكَ الكذبةِ الأولى،
ستسمعُ نَفَسَ الطّمعِ وهو يزفرُ تحتَ الكلماتِ الحانية.
رأيتُهم،
بعضُهم مرآةٌ مُشقّقة،
إنْ نظرتَ فيها طويلاً
تُفتّتُ صورتَك،
وتُعيدُك إلى طفولتكَ المُرعبة
حافيًا أمامَ أبوابٍ لا تُفتح.
أحيانًا
أحسدُ الكراسي الخشبيّة
تحتَ البشرِ،
تتلقّى الأوزانَ،
ولا تسألُ عن النوايا.
وأحيانًا
أشتاقُ لكوني صندوقًا قديمًا
تُلقى فيهِ أوراقُ الذكرى،
ولا يُفتَحُ إلا إذا اشتدّ حنينُ أحدهم.
فما الحياةُ يا صاحِ،
إلّا مسرحٌ بلا ستائر،
يُمثّلُ فيهِ الجميعُ دورَ البريء،
وتُكتَبُ النّهايةُ
بيدِ أكثرِهم خداعًا.
ولكنّي،
مع هذا كلّه،
ما زلتُ أزرعُ على الطّرقاتِ زهورَ الظنِّ الجميل،
وأبتسمُ كلّما خذلني أحدهم،
كأنّما يُعيدُ لي درسًا في النّجاة.
فمن لا يُؤمنُ ببشريّةِ البشر،
لن يفهمَ لماذا
تتكسّرُ الأحلامُ كلّما حاولنا الوقوفَ عليها.