شكراً لكم...
فحبيبتي قُتلتْ،
وصار بوسعكم أن تضحكوا في مأتمٍ...
أن تُلقِموا الطفلةَ خاتماً من خوفِها،
وأن تُطفئوا ضوءاً بعينيها الصغيرتينِ، باسمِ «السترِ»...
وباسمِ اللهِ... والأنسابِ... والعاداتِ القديمةْ.
شكراً لكم...
فأنوثةُ الحلمِ استُبيحتْ قبل أن تنمو،
وقوسُ الطهرِ انكسرَ الطفوليُّ الجميلْ،
وصار بوسعكم أن تكتبوا عقداً على جثمانِ طفلة،
ثمّ تقولوا: هكذا الشرعُ يقيمُ العدلَ بين الناسِ...
شكراً لكم...
فسَراءُ لم تمتْ، ولكنّها
تُساقُ كعصفورٍ مهيضِ الجَناحِ إلى قفصٍ من خوفٍ،
تغنّي... فيخنقها البكاءُ،
وتحلمُ... فيقتلُها الولاءُ،
وتضحكُ... فيُوجِعُها الدعاءُ.
يا أيّها السادةُ الكرامْ،
هل تعرفونَ بأنَّ تزويجَها جريمةٌ؟
وأنَّها الآنَ في عمرِ البكاءِ على الدُّمى؟
وأنَّها ما زالتْ تجهلُ ما الزواجُ... وما الخِداعُ... وما الرِّجالْ؟
سارةُ... قُتلتْ، ولكنْ من سيُعلنُ موتَها؟
مَن سيقولُ بأنَّ طفلةً كانت هنا،
كانت هنا،
كانت هنا،
تزرعُ شمساً في الجدارِ،
وتكتبُ بالطبشورِ قلباً فوقَ أبوابِ النهارْ؟
شكراً لكم...
فقد قتلتم سارةَ باسمِ كلِّ فضيلةٍ تُتلى على المنابرِ،
وباسمِ كلِّ شيخٍ غافلٍ،
وباسمِ كلِّ أبٍ تُغريهِ الأعرافُ بالذبحِ المقدَّسِ للبناتْ.
سارةُ كانت حلمَ طفولتي،
وكانت نجمةً في صدرِ أمي،
وكانت بسمةً في شفتَي السماءِ،
والآنَ... صارت دمعةً في عينِ ربٍّ منصفٍ...
يبكي على هذا الهباءْ.
سارةُ...
يا طفلةَ المطرِ المكسورِ في عينيكِ،
يا قمراً أُطفئَ قبلَ الفجرِ بقليلٍ،
كيفَ زفّوكِ إلى رجلٍ لا يعرفُ مَعنى العُمرِ الجميل؟
كيفَ وضعوا في يدِكِ خاتماً من نارٍ،
وفي صدركِ قلباً من ركام؟
قالوا: «لقد أصبحتِ عروساً يا صغيرتنا»
فضحكوا...
بينما كنتِ تبكينَ بصمتٍ،
كأنَّهم زفّوا نعشاً من قطنٍ أبيضٍ،
وليسَ عروساً تمشي إلى بيتِها الجديدْ.
في ليلِ الزفّة،
كانت الدفوفُ تضربُ كالمدافع،
وكانَ العطرُ يختنقُ في الغرفةِ،
وكانت الزغاريدُ تشبهُ نحيبَ الأمهاتْ.
من ذا الذي يُقنعُ الوردةَ أنْ تُزهرَ في القيدِ؟
من ذا الذي يُقنعُ الطفلةَ أنَّ النومَ مع الغرباءِ حلمٌ من أحلامِ الجنان؟
سارةُ...
يا وردةً ذابلةً في مزهريةٍ من خوفٍ،
يا قمراً مذبوحاً على مائدةِ الرجال،
هل تسمعينَ صراخَ قلبكِ الصغيرِ؟
إنّهُ ما زالَ يركضُ في طرقاتِ اللعبةِ القديمةِ،
ينادي: أمي... أريدُ دُميتي
لكنَّ الأمَّ، خائفةٌ من الجيران،
تقولُ للنساءِ:
«الحمدُ لله... تمَّ الزواجُ كما يجبْ».
ويُغلقُ البابُ،
تُغلقُ الطفولةُ،
ويُفتحُ عمرٌ من الحيرةِ والرعبِ والتعبْ.
سارةُ...
يا أنشودةً غُسلتْ بدموعِها،
يا غصناً قُصَّ قبلَ أن يورقَ،
يا طفلةً كانتْ تحلمُ بمدرسةٍ ودميةٍ وأحلامٍ صغيرة،
فأيقظوها على صوتِ رجلٍ يقولُ:
«أنا زوجُكِ»...
فبكتْ الأرضُ،
وانطفأتِ السماواتُ،
وسكتَ القمرُ في المدى.
أيُّها الليلُ،
أخبِرِ النجماتِ أنَّ عروساً صغيرةً زُفّتْ إليكَ،
وأنتَ — مثلُها — مظلمٌ،
غريبٌ،
باردٌ،
ولا يعرفُ كيف يحتضنُ الطفولةَ دون أن يُميتَها.
كانتِ الليلةُ بيضاءَ ككفنٍ جديدٍ،
تتناثرُ الشموعُ مثلَ دموعٍ على خدِّ المذبوح،
وكانَ وجهُها شاحبًا كقمرٍ مريضٍ،
يتدلّى من السماءِ بلا ضوء،
ولا أحدَ يُنصتُ لأنينِه.
سارةُ...
يا ابنةَ المطرِ الخائفِ من صهيلِ الرعد،
يا نغمةً انكسرتْ على بابِ العرس،
ماذا يفعلُ قلبٌ من سُكَّرٍ
حينَ يُلقى في أتونِ النار؟
دخلوا بها...
والزغاريدُ تعلو كصوتِ المقصلة،
والنساءُ يصفّقنَ كأنَّهنَّ يودّعنَ ملاكًا إلى الجحيم،
والعطرُ يُسكبُ على الجدرانِ
كما يُسكبُ الزيتُ على أجسادِ الشهداء.
قالوا: «تمّت الليلةُ كما يجب».
لكنّ الليلَ لم يكنْ إلا سجناً من رخام،
والفجرُ لم يأتِ...
ولا العريسُ كانَ فارسًا،
بل كانَ جلادًا يضعُ على عينيهِ
شهوةً من حجر.
سارةُ...
يا وردةً ذُبحتْ تحتَ اسمِ "الشرع"،
يا طُهرًا يُغتسلُ منهُ بالحبرِ الأسودِ،
يا طفلةً كانتْ تظنُّ الزواجَ عرسًا للألوان،
فأفاقتْ على نصلٍ من الحديدِ
يُفتّشُ عن أنوثتِها المذعورةِ
كما يفتّشُ الغُزاةُ عن الغنائم.
في تلكَ الليلةِ،
كانَ السريرُ تابوتًا،
وكانَ الصمتُ شيخًا يقرأُ الفاتحة،
وكانتْ عيناها تسألانِ اللهَ
أن يُعيدَها إلى حضنِ أمِّها
قبلَ أن يكتملَ الصباح.
لم يبقَ من العروسِ شيءٌ
سوى فستانٍ ممزّقٍ،
وبعضِ دمىً مكسورةٍ
على عتبةِ الباب،
وشمعةٍ ما زالتْ تهمسُ للنارِ:
«لقد كانتْ صغيرةً...
فلماذا أطفأتموها هكذا؟».
سارةُ...
يا ظلَّ دميةٍ نائمةٍ على وسادةِ الخوف،
أشرقي قليلاً...
فالشمسُ تنتظركِ منذُ قرنٍ عندَ نافذةِ غرفتكِ القديمة،
لكنها لا تجرؤُ أن تطرقَ بابَكِ بعدَ تلكَ الليلة.
أفاقتْ...
ليس من نومٍ، بل من حلمٍ انكسرَ في منتصفِه،
فلم تجد في الغرفةِ سوى رائحةٍ غريبةٍ،
وشرشفٍ مبلولٍ بدمٍ لم تفهمْه بعد.
نظرتْ إلى يديها الصغيرتين،
فلم تريا لعبتَها،
بل خاتماً ثقيلاً يشبهُ القيد.
يا الله...
كم كبرتْ هذه الطفلةُ في ليلةٍ واحدةٍ!
كم شيختْ عيناها وهما لم تريا شيئًا سوى الظلام!
من يُعيدُها إلى حضنِ أبيها لتبكي كما كانت؟
من يُقنعُها أنَّ الجسدَ الذي استيقظَ ليس سجنًا،
بل طريقًا إلى عُمرٍ لم يُكتب له أن يبدأ؟
سارةُ...
كانتْ الشمسُ في الخارجِ تشرقُ،
لكنها لم تدخلْ غرفتها.
كأنَّ السماءَ كانت تعرفُ أنَّ ضوءها
سيؤلمُ هذا الجسدَ الطريَّ الخارجَ من الطفولة.
جلستْ عندَ حافةِ السرير،
تُمسكُ شعرَها الذي فقدَ رائحتهُ الطفولية،
تسألُ دميتها الممزّقة في الزاوية:
"هل أنا الآن امرأة؟
أم ما زلتُ طفلةً... ذُبحتْ قبل أن تكبر؟"
لم يُجبها أحد.
الصمتُ كان يلوّنُ الجدرانَ بلونِ الرهبة،
والعصافيرُ في الخارجِ تمرُّ سريعًا،
كأنها تخافُ أن تُلامسَ نوافذَ العار.
يا طفلةَ الأمس...
كم صارَ جسدُكِ ضيقًا عليكِ!
وكم صارَ قلبُكِ واسعًا للحزن!
لقد خرجتِ من الطفولةِ كما تخرجُ الشظيّةُ من الجسد،
محروقةً، مرتجفةً، بلا ملامح،
ولا تعرفينَ كيفَ تعودي إليها.
سارةُ...
صباحُكِ ليس شمسًا،
ولا فجرًا،
ولا حياةً جديدة.
صباحُكِ قبرٌ صغيرٌ تُزينُه الأساور،
وليلةٌ أبديةٌ تلبسُ ثوبَ النهار.
في بيتٍ فقدَ صوتهُ،
تجلسُ أمٌّ على عتبةِ الغياب،
تُحدّقُ في بابٍ أُغلقَ منذُ ليلةٍ،
وتسمعُ من خلفهِ أنينًا لا يشبهُ أنينَ المرضى،
بل أنينَ مَن وُلِدَ من الخوفِ لا من الحياة.
الأمُّ لا تصرخُ،
فالصراخُ في بلادِنا جريمةٌ،
ولا تبكي بصوتٍ،
فالبكاءُ يُسقطُ هيبةَ “الرضا بالقضاء”.
لكنَّ دموعَها تمشي تحتَ الجلدِ كجمرٍ،
تُكلمُ اللهَ بصمتٍ،
وتسألُه:
“هل كنتَ هناكَ يا ربِّ حينَ زفّوها؟
هل رأيتَ كيفَ أُغلقتِ الطفولةُ في قفصٍ من ذهب؟”
على الجدارِ، ما زالتْ صورةُ سارة تبتسمُ،
وفي الصورةِ جديلةٌ طويلةٌ
تتدلّى كأمنيةٍ لم تكتملْ.
تلمسُها الأمُّ بأطرافِ أصابعِها
كأنَّها تلمسُ روحًا طارتْ قبلَ موعدِها.
يا سماءُ...
لماذا لا تمطرينَ؟
أما رأيتِ دمعةَ تلكَ الأمِّ حينَ خنقتها الزغاريد؟
أما سمعتِ قلبَها وهو يتفتّتُ
كحجرٍ يُداسُ عليهِ في الطريق؟
كلُّ الأشياءِ حولَها باردةٌ:
الستائرُ، الكأسُ، المسبحةُ، القرآنُ المفتوحُ على آيةِ الصبر.
حتى اللهُ بدا بعيدًا،
مشغولًا بخلقٍ آخرَ
لم تُجلَدْ فيه الطفلاتُ بأسماءِ الرجال.
تتذكّرُ الأمُّ يومَ كانتْ سارة تركضُ في الحقول،
تغمسُ قدميها بالندى،
تضحكُ للغيومِ وتعدُ المطرَ بأنْ يعودَ إليها قريبًا.
لكنَّ المطرَ خانَ وعدَه،
ومنذُ تلكَ الليلةِ
توقّفَتِ السماءُ عن البكاءِ.
يا سارة...
لقد تركتِ أمَّكِ تتقنُ فنَّ الصمت،
وتتعلمُ كيفَ تدفنُ دمعتَها بابتسامة،
وتقولُ للجاراتِ حينَ يسألنَ عنها:
“الحمدُ لله... عُرسُها كانَ جميلًا.”
ولا أحدَ يعلمُ أنَّ العُرسَ
كانَ جنازةً من حرير.
في تلكَ المدينةِ...
كانتِ الوجوهُ تشبهُ بعضها،
كلُّها تبتسمُ بخوف،
وتُخفي خلفَ الابتسامةِ دمعةً لا يُسمحُ لها بالسقوط.
الرجالُ يمشونَ كأنَّهم آياتٌ من كتابِ النفاق،
والنساءُ يغطّينَ جراحَ بناتِهنَّ
بعباءاتٍ من الصبرِ والخوف.
في تلكَ المدينةِ...
لم يكنْ أحدٌ يرى شيئًا،
لأنَّ العيونَ تعلّمتْ غضَّ البصرِ
عن الدمِ إن كانَ باسمِ الشرف،
وعن القتلِ إن كانَ في قالبِ زواجٍ شرعيٍّ.
سارةُ لم تكنْ الأولى،
ولا الأخيرة.
كلُّ بيتٍ فيها لهُ طفلةٌ مقتولةٌ في صمت،
وأمٌّ تبكي في الظلّ،
وأبٌ ينامُ مطمئنًّا لأنَّ الناسَ قالوا:
«زوّج ابنتَهُ بالحلال».
يا مدينتي...
كم مشنقةٍ رفعتِ باسمِ الفضيلة!
كم قبرٍ حُفرَ بالتصفيقِ والزغاريد!
كم طفلةٍ حملتْ دميتها إلى بيتِها الجديد،
وعادتْ من هناكَ بلا قلبٍ ولا عُمرٍ ولا حلم!
على الأرصفةِ،
يبيعونَ البناتَ كما تُباعُ السجّاداتُ القديمة،
وفي المساجدِ،
يتلونَ آياتٍ لا يفهمونها،
ويتركونَ بناتهمْ
يُسقَطْنَ في وحلِ العادةِ باسمِ الطاعةِ والرضا.
أيُّها الخطباءُ الذينَ يصرخونَ كلَّ جمعةٍ
عن الفضيلةِ والعفاف،
هل سمعتمْ أنينَ سارة؟
هل رأيتمْ وجهَها حينَ أُغلقَ البابُ عليها؟
هل شعرتمْ بارتجافِ صوتِها وهي تناديكم
من خلفِ الجدرانِ:
"أنا طفلةٌ... لا زوجة!"؟
يا مدينتي...
لقد علّقتِ قلوبَنا على المشانق،
ورفعْتِ البراءةَ قربانًا للعيب،
وغسلتِ الدمَ بالماءِ والفتاوى.
لم يبقَ فيكِ ضوءٌ،
ولا نهرٌ،
ولا حلمٌ صغير.
كلُّ شيءٍ فيكِ يمشي مقيّدًا،
حتى الحمامُ صارَ يخافُ الطيرانَ
كي لا يُتَّهَمَ بالعشق.
حينَ صمتَ الشعرُ،
لم يعُد في الأرضِ صوتٌ يُقاوم.
انكسرتْ الأقلامُ كما تنكسرُ الأعناق،
وخافَ الحرفُ من الحرف،
وصارَ البيتُ الشعريُّ يطلبُ الغفرانَ
قبلَ أن يولد.
كانتِ الجريمةُ قد توضّأت،
وارتدتْ عباءتها البيضاء،
وحملتْ مسبحةً من دمٍ،
وقالت: "باسمِ الله نقتلُ الطفلة،
كي ندخلَ الجنّةَ طاهرين "
أيةُ صلاةٍ تلك التي تُقامُ على جثةِ طفلة؟
وأيُّ وضوءٍ يُرفعُ به الدمُ عن اليدين؟
القاتلُ يرفعُ يديه بالدعاء،
والأمُّ تُخفي وجهَها في التراب،
والناسُ يهتفونَ:
«بارك اللهُ زواجَها المبارك »
في المآذنِ،
صوتُ الأذانِ يخرجُ متعبًا،
يختنقُ بينَ الأسلاكِ والنيّاتِ المشبوهة،
كأنَّ اللهَ نفسهُ حزينٌ من كثرةِ ما يُذكَرُ في جرائمِنا.
يا سارة...
حينَ صمتَ الشعرُ،
دخلتِ أنتِ في دفترِ النسيان،
ودخلنا نحنُ في دفترِ الجريمة.
صارَ الدمُ لونَ الزينةِ في أعراسِنا،
وصارَ الميتُ ضيفَ الشرفِ على الموائد.
كلُّ بيتٍ لهُ مقصلةٌ في الزاوية،
وكلُّ شيخٍ لهُ فتوى تُبرّرُ الذبحَ باسمِ الطاعة.
حتى الشعراءُ – يا سارة –
صاروا يكتبونَ النعيَ في شكلِ قصيدةٍ غزليّة،
ليبيعوا الألمَ على الأرصفة.
المدنُ صامتةٌ...
المنابرُ صامتةٌ...
العيونُ صامتةٌ...
وحدها الجريمةُ تُصلّي،
وتُسبّحُ باسمِ اللهِ
وهي تُمسكُ سكينَها بيدٍ ترتعشُ من الورع.
يا حبيبتي،
لقد صارَ الوردُ يخجلُ من لونه،
وصارَ اللهيبُ يشبهُ صلاةَ الجماعة،
وصارَ النفاقُ دينًا رسميًّا للمدينة.
يا سارة،
حين صمتَ الشعرُ ماتَ كلُّ شيءٍ جميل،
وانتحرتْ اللغةُ في حضنِ الخوف،
وتحوّلَ الحرفُ إلى شاهدِ قبرٍ
على قصيدةٍ لم تُكتب،
وعلى طفلةٍ لم تكبر،
وعلى أمةٍ
تُصلّي وهي تذبحُ أبناءَها.
حينَ ماتت سارة...
اهتزّتْ في السماءِ نجمةٌ،
وتكسّرَ ضوءُ القمرِ على المآذنِ كأنَّهُ زجاجٌ مكسور.
نزلَ المطرُ لا ليُروي،
بل ليغسلَ وجهَ الأرضِ من عارِها القديم.
كانتِ الرياحُ تولولُ في الشوارع،
كأنَّها أمٌّ أضاعتْ طفلَها في الزحام،
وكانَ البحرُ في أقصى الحزنِ
يرتطمُ بالصخورِ،
ويصرخُ: "يا للعار!"
الغيومُ لبستْ سوادَها،
وأغلقتْ العصافيرُ نوافذَها،
حتى الأشجارُ انحنتْ على جذوعِها
تستغفرُ اللهَ
على صمتِها الطويل.
سقطتِ السماءُ باكيةً على اسمِها،
على الحروفِ الثلاثةِ التي كانتْ تشبهُ ضوءَ الفجر،
وتُشبهُ أغنيةً في فمِ ملاكٍ صغير.
سقطتْ السماءُ،
كأنَّها أمٌّ عظيمةٌ فقدتْ بنتَها الوحيدة،
فارتجفَ الكونُ كلُّهُ
حينَ نُوديَ في الملائكة:
"إنّ سارةَ ذُبحت "
حتى الأنبياءُ في قبورِهم
أداروا وجوهَهم عن هذه الأرضِ،
وقالوا:
"أيُّ زمنٍ هذا الذي تُقتلُ فيه الطفلاتُ باسمِ الطهر؟
أيُّ بشرٍ هؤلاء الذينَ يكتبونَ الدمَ في عقدِ الزواج؟"
السماءُ يا سارة،
كانتْ أمًّا أوسعَ من أحضانِهم،
لفّتْكِ ببرقِها وبمطرِها،
وأرسلتْ نجمةً صغيرةً
لتقفَ فوقَ قبرِكِ،
تُضيءُ لروحِكِ الطريقَ إلى الفردوس.
أيتها الصغيرةُ التي اغتسلتْ بالضوءِ،
كم كانتِ الأرضُ قاسيةً عليكِ،
وكم كانتِ السماءُ رحيمةً،
حينَ فتحتْ ذراعيها لتأخذَكِ بعيدًا
عن هذا العالمِ الذي لا يعرفُ معنى الحنان.
حتى القمرُ – يا سارة –
انكسرَ تلكَ الليلة،
وسقطَ جزءٌ من ضيائِه على نهري دجلةَ والفرات،
كأنَّهُ تذكارٌ منكِ
لكلِّ طفلةٍ عراقيةٍ
تُزَفُّ إلى الموتِ في ثوبِ زفاف.
يا ليتَ الذينَ قتلوكِ
رأوا كيفَ بكتْ السماءُ عليكِ،
وكيفَ صارَ المطرُ يرددُ اسمَكِ في كلِّ قطرةٍ،
وكيفَ حملَ النسيمُ صورتَكِ
إلى كلِّ وردةٍ على شرفةٍ باكية.
في الصباحِ الثالث بعد موتِها،
كانتِ الأرواحُ تصعدُ في مواكبَ من نور،
وفي مقدّمتِها طفلةٌ
تلبسُ ثوبًا أبيضَ لا تشوبهُ الأرضُ بشيء،
وعلى كتفيها جناحانِ من طينٍ غُسِلَ بالرحمة.
سألتْها ملائكةُ البوّابة:
من أنتِ يا صغيرة؟
قالتْ:
"أنا التي وُلدتْ من البكاءِ،
وماتتْ قبلَ أن تكتملَ الحكاية،
لكنّي جئتُ أطلبُ من اللهِ
أن يُعيدَ للسماءِ لحنَها القديم."
فابتسمتْ الملائكةُ،
وتجمّعوا حولها كما يتجمّعُ الضوءُ حولَ الشموع،
وغنّوا لها:
"السلامُ عليكِ يا بنتَ الطهر،
يا من طهّرتِ وجهَ الأرضِ بدمعتكِ الأولى."
ومنذ تلكَ اللحظة،
صارت سارةُ نشيدًا يُتلى في السحر،
إذا مرّتْ الملائكةُ على القبور،
تذكروا اسمَها،
وتنحني السحبُ احترامًا لطفولتها،
كأنَّ اللهَ قال لهم:
"احفظوا هذه النغمةَ في صدوركم،
فهي من لحنِ الجنةِ الأول."
لم تعدِ الطفلةُ تبكي،
بل صارتْ تبعثُ المطرَ إلى الأرضِ بنفسها،
تُمرِّرُ السحابَ على المدنِ الحزينة،
وترسلُ النسيمَ إلى من فقدوا أبناءَهم،
كأنها تقول:
"لا تبكوا… أنا هنا،
أغني لكم من وراءِ الضوء."
كلُّ مرةٍ ينزلُ فيها المطر،
كانتْ السماءُ تهمسُ باسمها،
وكلُّ مرةٍ يبتسمُ فيها طفلٌ،
تتنفّسُ سارةُ من جديد.
لقد صارتْ أغنيةً خفيّةً
في فمِ كلِّ مخلوقٍ نقيّ،
ونشيدًا يتردّدُ بين جناحيْ كلِّ مَلَك.
يا لروعتِكِ يا سارة،
كم انتصرتِ على موتِكِ حينَ أصبحتِ حياةً لغيرِكِ،
وكم أحرجتِ القتلةَ
حينَ صرتِ تُصلّينَ عليهم من فوقِ الغيمِ
بسلامٍ لا يشبهُ سلامَ الأرض.
يا ربّ،
أنا لا أدعوكَ من أجلِ سارة،
فهي الآنَ بين يديك،
أقربُ إلى رحمتِك من أن تطالَها الأرض.
لكنّي أدعوكَ من أجلنا نحنُ —
الذين قتلنا طفولتَها باسمِكَ،
وغسلنا عارَنا بدمِها،
ونسينا أنّك لا تُحبّ دموعَ المقهورين.
يا ربّ،
كيف سكتَّ عنّا يومَ زففناها إلى المقصلة؟
كيف تركتَنا نحملُ المصاحفَ بيد،
ونُمسكَ بالحجارةِ باليدِ الأخرى؟
هل رأيتَ وجهَها وهي ترتجفُ كطائرٍ مذعورٍ في العاصفة؟
هل سمعتَ صوتَها وهي تقولُ بصمتها:
"يا أبي، لا تتركني للذئاب"؟
يا ربّ،
لقد بكَتْ السماءُ كثيرًا،
لكنّنا كنّا مشغولينَ بالفتاوى،
نقيسُ عُمرَها بالأحكامِ لا بالدموع،
ونزنُ قلبَها بميزانِ القبيلةِ لا بميزانِك.
يا ربّ،
إن كانت الأرضُ قد قتلتها،
فاجعلِ السماءَ تُعيدُ ولادتَها،
واجعلْ وجهَها قمرًا لكلّ بنتٍ تُساقُ غصبًا إلى ليلها،
واجعلْ اسمَها سيفًا يقطعُ ألسنةَ الظالمينَ في المجالس،
واجعلْ روحَها صلاةً تُنقذُ ما تبقّى من الإنسانِ فينا.
ثمّ —
حين سكتَ الكونُ،
سمعتُ قلبي يتكلّمُ باسمها:
قال لي:
"لا تبكِ يا شاعر،
فهي لم تَمُتْ،
إنّما غابتْ عن التراب لتقيمَ في الضمير.
كانت سارةُ طفلةً،
فصارتْ فكرةً،
ثمّ صارتْ وجعًا لا يشيخ،
ثمّ صارتْ — في نهايةِ الرحلة —
صوتَ اللهِ في وجهِ الجاهلية الجديدة."
وهكذا —
حين أغلقتُ دفاتري،
شعرتُ بأنّ القصيدةَ لم تنتهِ،
بل بدأتْ لتوِّها من حيثُ انتهتْ سارة.
فكلّ دمعةٍ على خدِّ امرأةٍ
هي فصلٌ جديدٌ من سيرتِها،
وكلّ حرفٍ يُكتبُ في وجهِ القهر
هو استمرارٌ لنبضِها الأول.
سلامٌ عليها يومَ وُلدتْ،
وسلامٌ عليها يومَ أُغلقتِ الأبوابُ دونَ طفولتِها،
وسلامٌ عليها يومَ عادتْ إلى اللهِ طاهرةً
كأنّها لم تمرَّ على الأرضِ قطّ.