خالي محمدُ أمينٌ في الورى عَلَمُ
تُروى المكارمُ حيثُ استُحضِرَ الاسمُ
يمشي التواضعُ في خُطواهُ منتصبًا
كأنَّهُ الخُلقُ لا جسمٌ ولا دَمُ
أبو أمينٍ إذا ما الضيفُ أقبلَهُ
أمسى المكانُ ضياءً كلُّهُ نِعَمُ
حِلمٌ إذا اشتدَّ ليلُ الحقدِ وانكسرتْ
عند الشدائدِ آراءٌ لها صَرَمُ
ما قالَ إلا صوابًا لا التواءَ بهِ
ولا اشترى الزيفَ يومًا وهو مُلتزمُ
في راحتيهِ أمانُ الناسِ قاطبةً
وَكَأَنَّهُ ميثاقُ عزٍّ لا يُهزَمُ
ربّى الرجالَ على أخلاقِ سُنَّتِهِ
فاستقامتْ كما يُستقوَمُ القِيَمُ
إن غابَ حضرَتْ سِيرتُهُ شاهدةً
فالذكرُ يبقى خالداً لا يُعدَمُ
خالي محمدُ أمينٌ، والوفا قِدَمُ
والصدقُ يمشي في دروبٍ تُحْتَرَمُ
أبو أمينٍ، إذا ذُكِرَ الرجالُ سَمَوا
وكانَ قبلَ السؤالِ الجودُ والحِكَمُ
ما لانَ عزمُكَ يومًا أو تخاذلَ في
حقٍّ، ولا ساوَمَتكَ الريحُ والظُّلَمُ
تمشي الوقارَ، كأنّ الأرضَ تعرفُكَ
فلا تُخاصِمُكَ الأيامُ أو تَصطَدِمُ
لَو ضاقَ صدرُ الليالي كنتَ مُتَّسِعُ
وإذا تَعَثَّرَ خُطْوٌ كانَ مُنْتَظِمُ
تأتيكَ حاجاتُ خلقِ اللهِ صامتةً
فتُفهِمُ القلبَ قبلَ النطقِ ما لَزِمُوا
في كفِّكَ العدلُ، لا ميلٌ ولا شَبَهٌ
وفي لسانِكَ نورٌ ليسَ يُنقَسِمُ
ربّيتَ جيلاً على الأخلاقِ من قِيَمٍ
كأنّ بيتَكَ محرابٌ ومُعتَصَمُ
ما كنتَ ترفعُ صوتًا فوقَ صاحبِهِ
لكنْ يهابُكَ من في صمتِكَ احتكَمُوا
حتى إذا جاءَ يومُ الفقدِ منكسِرًا
وأطرقَ الحزنُ، واستُدرِجتْ بنا السُّقُمُ
أدركتُ أنَّ الرجالَ الصادقينَ إذا
مضَوا، تميدُ بهم أركانُنا الهِمَمُ
يا خالُ، أيُّ فراغٍ خلّفَتْ خُطَواتُكَ؟
كأنَّ بعدَكَ هذا الكونَ مُنعدِمُ
نمشي فنبحثُ عن وجهٍ نلوذُ بهِ
فلا نرى غيرَ حزنٍ صامتٍ صَنِمُ
ماتَ الذي كانَ يُحيينا بصبرِهِ
فكيفَ تحيا قلوبٌ بعدَ من صَدَمُوا؟
كانتْ عيونُكَ إن ضاقتْ بنا سُبُلٌ
تقولُ: هونوا… فكلُّ الهمِّ ينهَزِمُ
واليومَ نسألُ: من للناسِ إن فُجِعوا؟
ومن إذا ضاقَ صدرُ الليلِ يلتَحِمُ؟
تبكيكَ جدرانُ بيتٍ كنتَ تحفظُهُ
تبكيكَ قهوتُكَ، الأبوابُ، والعَلَمُ
حتى المواعيدُ، لمّا جئتَ تُوقِظُها
باتتْ يتامى، وأوقاتُ المدى عَدِمُوا
ما أقسى الموتَ إذ يختارُ أطيَبَنا
كأنَّهُ لا يرى إلا الذي كَرُمُوا
يا خالُ، لسنا ضعافًا في مصيبتِنا
لكنَّ فقدَكَ جرحٌ ليسَ يلتَئِمُ
نبكيكَ حُزنَ الرجالِ الصامتينَ، إذا
بكوا، فدمعُهمُ نارٌ إذا انسَجَمُوا
ما كنتَ ملكًا، ولكنْ كنتَ مملكتِي
وكانَ وجهُكَ تاريخي إذا احتَدَمُوا
إن غابَ صوتُكَ، فالأخلاقُ شاهدةٌ
وكلُّ فعلٍ زرعتَهُ اليومَ يُنتقَمُ
رحماكَ ربّي على روحٍ مُطهَّرةٍ
ما خانَتِ العهدَ، لا مالتْ ولا ظُلِمُوا
أنزِلْهُ دارًا تليقُ الصالحينَ، بها
رضوانُكَ الأبديُّ العذبُ ينسَجِمُ
واجعلْ بنيهِ وأهلَيهِ على أثرٍ
يمضي، فلا ينقطعُ المعروفُ والكرَمُ
هذا الرثاءُ وفاءٌ لا انقضاءَ لهُ
ما دامَ في الصدرِ قلبٌ نابضٌ هِمَمُ
يا غائبَ الجسدِ المحفوظِ في دَمِنا
مَا غِبتَ، أنتَ لَدَينا كلُّ مُعتصَمُ
نامتْ عيونُكَ لكنْ لم تزلْ قِيَمٌ
في كلِّ بيتٍ لها معنىً ومُحتشَمُ
نبكيكَ شوقًا، لا ضعفًا ولا جزعًا
فالدمعُ ليسَ بمستَهانٍ حينما نَدمُ
قد كنتَ ظلًّا إذا ما الحرُّ أرهقَنا
وصرتَ بعدَ الرحيلِ الظلَّ والعَلَمُ
ماذا نقولُ إذا الأيّامُ تسألنا
مِن أينَ نأتي حينَ لا يكفي بِنَا قَدَمُ
نقولُ: من سيرةِ الخالِ الذي سكنتْ
فِيهِ الشَّهَامَةُ، لا يكبو ولا يَحُمُ
نَمْ هادِئًا، بَذْرُ الكِرامِ مُزَرَّعُ
وَجَمِيعُ ما غرستَ اليومَ يَبتسمُ
ما متَّ، بل صرتَ في الأرواحِ أغنيةً
وَإذَا تَضايَقَ بِي هَذا الوَرَى نَغَنَمُ
رحمَ الإلهُ أبا أمينَ منزلةً
فيها الكرامةُ، لا خوفٌ ولا نَدَمُ
هذا الختامُ دعاءٌ لا انقضاءَ لهُ
مَا دَامَ في الأَرضِ الكِرامُ وأَنْفُسُهُمُ