خَلِيلَيَّ كُفَّا عَنْ مَلَامِي وَعَذْلِهِ
فَمَا كُلُّ مَلْحُومٍ نَجَا مِنْ نُصُولِهِ
دَعَانِي أُسَاقِي الدَّهْرَ كَأْسَ مَرَارَةٍ
فَقَدْ جَارَ هَذَا الدَّهْرُ يَوْمًا بِثُقْلِهِ
عَفَا اللَّهُ عَنْ قَلْبٍ تَمَادَى بِجَهْلِهِ
وَمَا زَالَ مَخْتُومًا عَلَى صِدْقِ نُحْلِهِ
أَلَا يَا خَلِيلِي كَيْفَ أُخْفِي مَوَاجِعِي
وَطَرْفِيَ لَمْ يَفْتَأْ يُنَادِي بِكُلِّهِ
لَوْ يُمَلِّكُنِي الزَّمانُ وِزْرًا أُقاوِلُهْ
هَوًى ما ضاقَتِ الأَفلاكُ عَنْ حَمْلِهْ
وَلَوْ أَنَّ مِيزانَ الغَرامِ يَحُفُّني
لَمَالَتْ جِبالُ الأَرْضِ مِنْ ثِقْلِهْ
أَبِيتُ وَصَرْفُ الدَّهْرِ يُنْكِرُ لَوْعَتِي
وَمَا عُذِرَ المُشْتَاقُ فِي عَذْلِهْ
رَحَلْتُ وَفِي القَلْبِ الجَرِيحِ مَوَدَّةٌ
تَسِيرُ مَعَ الظِّعْنِ المُجِدِّ بِرَحْلِهْ
يَظُنُّ خَلِيُّ القَلْبِ أَنِّيَ سَالِمٌ
وَمَا دَرَى عَنْ قَلْبِي وَعَنْ نَبْلِهْ
أُغالِبُ وَجْدًا لَوْ تَحَمَّلَ بَعْضَهُ
سِباعُ الْفَلا مَالَتْ لِشِدَّةِ قَتْلِهْ
وَمَا كُلُّ مَنْ ذَاقَ الصَّبَابَةَ صَابِرٌ
إِذَا مَا جَرَى مَاءُ الدُّمُوعِ بِمَطْلِهْ
يُقَطِّعُ أَنْفاسِي حَنِينِي وَحَسْرَتِي
وَمَا الخِلُّ إِلاَّ جَارِحٌ عِنْدَ خَتْلِهْ
فَوَا لَهَفِي كَمْ ذَا أُكَاتِمُ قِصَّتِي
وَهَمِّي عَظِيمٌ لَا يُقَاسُ بِمِثْلِهْ
فَلَا تَعْذِلُوا مَنْ ذَابَ وَجْداً لِبُعْدِكُمْ
فَمَا كُلُّ صَبٍّ بَالِغٌ طَيَّ فَضْلِهْ
إِذَا نَطَقَتْ عَيْنِي بِسِرِّ صَبَابَتِي
فَلا تَلْطُفُ الأَقْدارُ يَوْمًا بِشَمْلِهْ
وَلَوْ نَظَرَ الرَّائِي إِلَى نَحْلِ جُثَّتِي
لَهالَ مَقَالُ العَيْنِ فِي كُلِّ هَزْلِهْ
سَقَى اللهُ دَهْراً كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَنَا
بِرَوْضٍ نَضِيرٍ كَانَ يَزْهُو بِنَخْلِهْ
عَلَى مَوْعِدٍ لَوْ كَانَ يُبْلِغُنِي المُنَى
لَقَدَّمْتُ رُوحِي حِينَ يُومِي بِوَصْلِهْ
أَمُرُّ عَلَى الأَطْلَالِ أَنْشُدُ جِيرَةً
بَقِيَّةَ عَهْدٍ ضَاعَ فِي كُنْهِ سُبْلِهْ
وَلِي فِي هَوَى مَنْ غَابَ سُقْمٌ مُبَرِّحٌ
تَنَاوَلَ عَقْلِي بَعْدَ تَقْطِيعِ شَمْلِهْ
إِذَا مَا دَجَى لَيْلِي وَهَاجَتْ بَوَاعِثِي
ذَكَرْتُ زَمَانًا فَاضَ حُسْنًا بِفَصْلِهْ
فَمَا كَانَ ذَاكَ الحُبُّ إِلَّا غَمَامَةً
سَقَتْ مُهْجَتِي حُزْنًا لِحِينِ انْفِصَالِهِ
أَرَى الحُبَّ فِي أَيَّامِنَا مِثْلَ غَيْمَةٍ
تَصُبُّ عَلَى قَلْبِي ذُعَافًا بِوَبْلِهِ
تَعَثَّرْتُ بِالأَشْوَاقِ نَحْوَ دِيَارِكُمْ
وَمَا خَابَ سَعْيٌ كَانَ يُهْدَى لِأَصْلِهْ
أَمُدُّ يَدِي لِلصَّبْرِ وَالبُعْدُ غَالِبٌ
كَأَنَّ اعْتِزَازِي ذَلَّ مِنْ بَعْدِ عَدْلِهْ
وَمَا كُنْتُ لَوْلَا الشَّوْقُ أَذْرِي مَدَامِعِي
وَلَكِنَّ هَذَا القَلْبَ يَهْوِي لِكُلِّهْ
يُسَائِلُنِي الوَاشِي عَنِ الوَجْدِ ظَالِمًا
فَأُخْفِي لَهِيبًا بَانَ فِي قُبْحِ فِعْلِهْ
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ يَعُودُ وِصَالُنَا
وَيَجْمَعُنَا مِيقَاتُ دَهْرٍ بِأَهْلِهْ
رَعَى اللهُ خِلًّا كَانَ يَرْعَى مَوَدَّتِي
وَلَمْ يَكُ يَرْضَى بِانْفِصَالٍ وَنَقْلِهْ
فَإِنْ مِتُّ مِنْ وَجْدِي فَلَسْتُ بِنَادِمٍ
قَتِيلُ الهَوَى يَرْقَى بِتَشْرِيفِ بَذْلِهْ
أَمَا لِفُؤَادِي مِنْ سُكُونٍ يُظِلُّهُ
وَقَدْ بَانَ عَنْهُ الصَّبْرُ عِنْدَ تَدَلِّهِ
وَمَا كُنْتُ أَدْرِي قَبْلَ حُبِّكَ مَا الْهَوَى
وَلَا كَيْفَ يَغْدُو الْمَرْءُ رَهْنًا لِخَبْلِهِ
يَلُومُونَنِي فِيهِ وَتِلْكَ جَهَالَةٌ
فَمَنْ لَامَ مَفْتُونًا رَمَى بِأَقَلِّهِ
إِذَا اللَّيْلُ أَرْخَى بِالسُّتُورِ سَوَادَهُ
رَأَيْتُ خَيَالًا زَارَ فِي حُسْنِ شَكْلِهِ
فَيَا سَائِلِي عَنْ حَالِ قَلْبِي بَعْدَهُمْ
تَقَطَّعَ حَبْلُ الْوَصْلِ مِنْ بَعْدِ جَذْلِهِ
سَأَحْيَا عَلَى ذِكْرَى الْمَوَدَّةِ صَامِتًا
فَمَا كُلُّ ذِي شَجْوٍ يَبُوحُ بِكُحْلِهِ
فَيَا لَيْتَ لِي قَلْبًا يَكُفُّ شُجُونَهُ
وَيَسْلُو عَنِ المَاضِي وَعَنْ طُولِ غِلِّهِ
سَأُغْلِقُ بَابَ الشَّوْقِ عَنْ كُلِّ قَادِمٍ
فَمَا عَادَ لِي نَفْسٌ تَمِيلُ لِقَبْلِهِ
عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ مَا اهْتَزَّ رَابٍ
بِأَنْسَامِ رَوْضٍ أَوْ تَرَنَّمَ بَجْلِهِ
فَمَا الحُبُّ إِلَّا نِعْمَةٌ ثُمَّ شِقْوَةٌ
يُسَرُّ بِهَا العُشَّاقُ عِنْدَ حُلُولِهِ