أَقْسَمْتُ لا أَرْضَى بِغَيْرِ مُرْتَقَى
شِعْرًا يُجَدِّدُ نَبْضَهُ في كُلِّ بَاءِ
وَيُقِيمُ كُلَّ مُهَدَّمٍ بِيَ داخِلِي
مِنْ بَعْدِ مَا هَبَّتْ عَلَيَّ رِيَاحُ دَاءِ
هَذِي قَرِيحَتُنِي تُمَزِّقُ صَخْرَةً
لَوْ لَامَسَتْ لَتَشَرَّبَتْ مِنْ ذَا الدِّمَائِي
وَتُقَارِعُ الشُّعَرَاءَ تَحْمِلُ سَيْفَهَا
وَتَعُدُّ خُطْوَتَهَا بِثَبَاتٍ يَائِي
وَتُقِيمُ فِي المِضْمَارِ أَعْلَى هَيْئَةٍ
لا يَعْتَلِيها الوَهْنُ عِنْدَ حِرَاءِ
هَذَا التَّحَدِّي جَاءَ يُعْلِنُ أَنَّهُ
وَبِهِ الصَّوَامِعُ تَنْحَنِي لِضِيَائِي
فِي جَوْفِ نَارٍ كَالْحَرِيقِ مُدَاهِمٍ
يَسْتَقْبِلُ الظَّلْمَاءَ في أَرْجَائِي
مَا زَلْتُ أُجْزِلُ فِي القَرِيضِ وَأَنْتَظِي
نَبْضًا يُزَلْزِلُ هَيْكَلَ السَّمْعَاءِ
وَإِذَا الكَلَامُ بِرُتْبَةٍ يَتَنَزَّلُ
في حَضْرَةٍ لِلشِّعْرِ وَالإِمْلاءِ
فَالصُّبْحُ قَدْ أَوْفَى بِضَوْءِ شِفَائِنَا
مِنْ بَعْدِ لَيْلٍ قَدْ تَوَلَّى نَائِي
وَيَقِينُ قَلْبِي بَالِغٌ آمَالَهُ
في كُلِّ خَطْوٍ مِنْ خُطَى سُعَدَائِي
وَالنَّفْسُ قَدْ نَالَتْ مُنَاهَا كُلَّهُ
وَاسْتَبْدَلَتْ عُمْرًا بِعُمْرٍ ضَائِي
وَالرُّوحُ كالنَّسَمَاتِ مِنْ ضَوْءِ انْطِفَاءٍ
فَوْقَ الرَّصِيفِ وَحَرْقُهُ لِبَقَائِي
وَالْعَقْلُ مِصْبَاحٌ يُنِيرُ دُرُوبَنَا
يَمْلَاؤُهُ صَفْوٌ بِدِفْءِ ضِيَائِي
هَذَا سَرِيرَةُ قُوَّةٍ قَدْ جِئْتُهَا
تَجْرِي مَعَ الأَنْفَاسِ مِنْ أَحْشَائِي
عُمْرَانِ فِي سُكْنَاكِ ضَاعَا كَامِلَانِ
لَمْ يَسْتَحِقَّا لَوْعَةً لِبُكَائِي
عُمْرَ الْفَتَى الْفَانِي وَعُمْرًا آخَرًا
كَالطَّيْرِ يَسْجُنُهُ لَهِيبُ فَنَاءِ
فَغَدَوْتُ لا أَجْهَلْ كَأَسْوَأِ جَاهِلٍ
وَلِكُلِّ عَقْلٍ لَيْسَ فِيهِ بَقَائِي
يَا كَوْكَبًا نَوَّرْتَهُ وَأَتَيْتُهُ
فَتَضَاعَفَتْ بَعْدَ الهُدَى ظَلْمَائِي
يَا مَوْرِدًا يَسْقِي الوُرُودَ كَسَرَابِهِ
ظَمَأً وَيُهْلِكُهَا بِحَرِّ ظَمَائِي
يَا زَهْرَةً تُحْيِي القُلُوبَ بِسِحْرِهَا
وَتُبِيدُهُمْ بِتَجَاهُلٍ وَعَنَاءِ
هَذَا عِتَابُكِ غَيْرَ أَنِّي قَدْ جَنَيْتُ
أَيُطَالُ سَعْدٌ فِي هَوَى الشُّعَرَاءِ؟
نِعْمَ الضَّلَالَةُ إِنْ أَضاءَتْ مُقْلَتِي
بِجَمِيلِ طَلْعَتِكِ الزَّهْرَاءِ
نِعْمَ الشِّفَاءُ إِذَا شَرِبْتُ بِرَشْفَةٍ
مَكْذُوبَةٍ فِيهَا احْتِرَاقُ بُكَائِي
نِعْمَ الحَيَاةُ إِذَا قَضَيْتُ بِنَشْقَةٍ
مِنْ طِيبِ ذَاكَ الرَّوْضِ فِي سَمْعِ الغَنَاءِ
إِنِّي أَقَمْتُ عَلَى التَّعِلَّةِ وَالْمُنَى
وَالْغُرْبَةُ اشْتَدَّتْ وَضَاعَ شِفَائِي
هَلْ يَشْتَفِي جِسْمِي بِطِيبِ هَوَائِهَا؟
أَيُطْفِئُ النِّيرَانَ طِيبُ هَوَاءِ؟
عَبَثٌ طَوَافِي فِي البِلَادِ وَكُلُّهَا
مِنْ نَفْيِكُمْ قَدْ زَادَ فِي شَقَائِي
أَيُلَطِّفُ النِّيرَانَ طِيبُ هَوَائِي
هَلْ يَشْفِ هَذَا الجِسْمَ طِيبُ هَوَائِي
مَاذَا أُرِيدُ وَسَرْحَةُ الأَيَّامِ قَدْ
تَرْضَى لِقَلْبِي غَفْلَةً عَنَّائِي
هَذِي جُدُودُ الصَّمْتِ تَرْجُمُ خُطْوَتِي
فَأَمُوتُ مِنْ هَذَا العَذَابِ وَدَائِي
مُتَفَرِّدٌ بِصَبَابَتِي مُتَفَرِّدٌ
وَبِكَآبَتِي مُتَفَرِّدٌ بِعَنَائِي
يَا بَحْرُ إِنِّي شَاكِي اضْطِرَابَ خَوَاطِرِي
أَجِبِ الفُؤَادَ بِرِيحِكَ الهَوْجَاءِ
ثَاوٍ عَلَى صَخْرٍ أَصَمَّ كَأَنَّهُ
قَلْبُ الفَتَى مَا كَانَ يَلْقَى رِعَائِي
يَنْتَابُهُ المَوْجُ العَنِيدُ كَمَا أَرَى
مَا زَادَ فِي قَلْبِي وَصَبْرِي بِالشَّقَاءِ
وَيُفَتِّتُ السُّقْمُ الضُّلُوعَ فُؤَادَنَا
فِي لَحْظَةٍ كَكَسِيرَةِ الصَّمَّاءِ
فَالصَّمْتُ عِنْدِي غَيْرُ نَبْضٍ مُعْلَنِ
يَخْشَى لِقَلْبِي قَسْوَةً مِنْ سَائِي
وَيُرِيدُ رُؤْيَاكِ انْتِضَاءَ جِرَاحِهِ
بِضِيَائِكِ الزَّاهِي بِدُجْنَةِ الظَّلْمَاءِ
لَكِنَّهُ يَمْشِي السُّرَى بِتَحَفُّظِ
يَرْثِي ضَيَاعَ العُمْرِ فِي غُرَبَائِي
وَخَزَاتُ ظَنِّي لَا تُفَارِقُ مُهْجَتِي
مَلْسُوعَةً بِتَوَهُّمَاتِ الشَّاءِ
مَا زِلْتُ أَسْأَلُ: هَلْ تُرَى لِي مُهْجَةٌ
فَتَعُودُ بَعْدَ سُهُودِهَا بِبَقَائِي
قَدْ خَانَنِي فَجْرُ الرَّجَاءِ وَهُدَّمَتْ
فِيهِ السّبِيلُ وَغَاصَ بِالإِعْيَاءِ
يَا لَيْتَ تِلْكَ الشَّمْسَ لَمْ تُنْظَرْ لَنَا
فَالجِيدُ فِيهِ السِّحْرُ بِالإِغْوَاءِ
فَالْيَوْمَ أَنْدَثِرُ انْسِيَاباً مُسْرِعاً
لَمْ أَجِدِ الإنْقَاذَ فِي يَدِ السَّمْحَاءِ
وَأَرَى الحَيَاةَ كَمَا السُّرَى مَطْوِيَّةً
لَا يَنْفُضُ الظُّلْمَاتِ غَيْرُ ضِيَاءِ
أَفِقِي فَإِنَّ القَلْبَ لَا يَسْتَطِيعُ جِدَالَنَا
بَيْنَ الوِصَالِ وَلَيْلَةِ الإِجْفَاءِ
قَدْ هَالَهُ أَنْ كُنْتِ أَنْتِ غَمَامَةً
فَصَحَا عَلَى قَفْرِ الدُّرُوبِ خَلَائِي
فَتَحَطَّمَتْ فِيهِ اليَقِينُ وَأصْبَحَتْ
كَانَتْ تَقُودُ دُرُوبَهُ لِلْعَجْزَاءِ
لَوْ كَانَ فِي عُمْرِي مَدَدْتُ لِقَلْبِكِ
كُلَّ الرَّحِيقِ بِغَيْرِ مَا إِخْفَاءِ
لَكِنَّنِي أَرْضَى بِجُودِ يَدٍ لَهَا
لَا تُحْسِنُ الإِكْرَامَ فِي السَّرَّاءِ
وَأَمُوتُ صَبْراً فِي غِيَابِ عُيُونِهَا
مُتَعَلِّقاً بِحِبَالِهَا الفَيْضَاءِ
وَالْبَحْرُ فِي جَنْبَيْهِ يَبْدُو ضَائِقاً
قَدْ ضَاقَ فِي الآمَالِ وَالأَنْوَاءِ
تَغْشَى البَرِيَّةَ بِالكُدُورَةِ وَهْيَ لَا
إِلَّا كَأَنَّ حُزُونَهَا فِي أَحْشَائِي
وَلَقَدْ رَأَيْتُ الأُفْقَ مُعْتَكِراً بِهِ
يُغْضِي عَلَى الغَمَرَاتِ وَالأَقْذَاءِ
يَا لِلْغُرُوبِ وَمَا حَوَاهُ مِنَ العِبَرْ
فِي قَلْبِ مُسْتَهَامٍ وَعَيْنِ الرَّاءِ
أَوَلَيْسَ نَزْعاً لِلنَّهَارِ وَصَرْعَةً
فِي مَأْتَمٍ كَالشَّمْسِ وَالأَضْوَاءِ
أَوَلَيْسَ طَمْساً لِلْيَقِينِ وَمَبْعَثاً
لِلشَّكِّ بَيْنَ خَيَاطِفِ البَلْوَاءِ
أَوَلَيْسَ مَحْواً لِلْوُجُودِ إِلَى أَبَدْ
وَمُبِيدَةً لِمَعَالِمِ الأَشْيَاءِ
حَتَّى يَجِيءَ النُّورُ جَدَّدَ شَأْنَهَا
فَكَأَنَّهُ البَعْثُ الأَخِيرُ لِذَكَاءِ
وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ حِينَ غَابَ نَهَارُنَا
وَالقَلْبُ بَيْنَ مَخَافَةٍ وَرَجَاءِ
وَخَوَاطِرٌ تَظْهَرُ تُجَاهَ نَوَاظِرِي
كَالدَّامِيَاتِ مِنَ السَّحَابِ إِزَائِي
وَالدَّمْعُ فِي جَفْنَيَّ يَسْرِي مُشْعَلاً
بِلُجَيْنِ شُعِّ الغَارِبِ المُتَرَائِي
وَالشَّمْسُ فِي شَفَقٍ نُضَارُهُ جَارِي
فَوْقَ الجِبَالِ كَعِقْيَةٍ سَوْدَاءِ
مَرَّتْ خِلَالَ غَمَامَتَيْنِ مُنَاظَرَةْ
وَتَقَطَّرَتْ مِثْلَ الدُّمُوعِ الحُمْرَاءِ
فَكَأَنَّ آخِرَ دَمْعَةٍ قَدْ سَالَتِ
فَامْتَزَجَتْ بِدُمُوعِ آخِرِ رِثَائِي
وَكَأَنَّ عُمْرِي قَدْ تَصَدَّعَ فِي يَدِي
وَرَأَيْتُ يَوْمَ المَوْتِ فِي مِرْآئِي
وَسَمِعْتُ فَوْقَ القَلْبِ ضَرْبَةَ آخِرٍ
تُخْفِي النِّدَاءَ وَتَمْنَعُ الأَصْدَاءَ
فَتَفَجَّرَتْ أَعْمَاقُ نَفْسِي عَبْرَهَا
وَتَصَاعَدَتْ فَوْقَ العُلَا أَسْمَائِي
هَذَا وَإِنِّي لَمْ أَزَلْ مُتَحَيِّرَا
فِي دَرْبِ صِدْقِي وَانْصِرَامِ عَنَائِي
أَدْنُو إِلَيْكِ وَكُلُّ خُطْوَةِ مُقْبِلٍ
تُرْجِفْ كَأَنِّي قَادِمٌ مِنْ عَنْقَاءِ
أُوَدِّعُ الدُّنْيَا وَقَلْبِي لَمْ يَزَلْ
يَسْتَوْقِدُ الحَسَرَاتِ فِي الأَرْجَاءِ
أُوَدِّعُ العُمْرَ الَّذِي أَفْنَيْتُهُ
بَيْنَ التَّأَمُّلِ وَانْطِفَاءِ رَجَائِي
أُوَدِّعُ الآمَالَ حِينَ أَقْبَلَتْ
فَارْتَحَلَتْ كَالدَّمْعِ مِنْ عَيْنَائِي
أُوَدِّعُ السِّرَّ العَمِيقَ بِخَافِقِي
مِنْ بَعْدِ أَنْ أُخْفِيهِ عَنْ نُظَّرَائِي
يَا أَنْتِ يَا عَهْدَ الطُّفُولَةِ فَارْجِعِي
يَا نَبْضَ قَلْبِي يَا رَجَاءَ عَزَائِي
إِنْ جِئْتِ يَوْمًا فَاسْأَلِي عَنِّي وَقُولِي
مَاتَ الَّذِي كَانَ السَّلَامَ سَمَائِي
قُولِي: هُنَالِكَ فَوْقَ صَخْرٍ شَامِخٍ
مَاتَ الهَوَى مِنْ فَرْطِ طُولِ بَلائِي
قُولِي: أَحَبَّكِ ثُمَّ فَرَّ إلى الفَنَا
مِنْ شِدَّةِ العِشْقِ الجَدِيدِ سِرَائِي
قُولِي: سَقَاهَا مِنْ دَمِ الرُّوحِ الَّذِي
مَا كَانَ بَعْدَ السَّكْبِ أَدْنَى مَائِي
قُولِي: بَكَاهَا قَبْلَ دَمْعِ عُيُونِهَا
فَأَبْكَى النُّجُومَ بِحُزْنِهِ المُتَزَائِي
هَذِي يَدِي تُمْنِي الخُطَى عَنْ سَيْرِهَا
وَتُشِيرُ نَحْوَكِ مَعْ دُمُوعِ حَيَائِي
هَذِي عُيُونِي بَعْدَ فَقْدِ ضِيَائِهَا
تَتَشَبَّثُ الآمَالَ فِي إِبْطَائِي
هَذِي دِمَائِي بَعْدَمَا سَالَ الدَّمَا
وَتَفَرَّقَتْ فِي لَيْلَةِ الأَشْقَاءِ
هَذِي رُجُومُ الذِّكْرَيَاتِ تَمُدُّنِي
بِسِلاَسِلٍ نَحْوَ الشُّقَاءِ بِلَائِي
وَهَذَا فَمِي لَمْ يَبْقَ إِلَّا صَدْيُهُ
يَغْدُو وَيَخْتَنِقُ اخْتِنَاقَ بُكَائِي
فَإِذَا قَضَيْتُ فَكُلُّ شَيْءٍ بَعْدَنِي
سَيَزُولُ كَالطَّيْفِ الغَرِيبِ بِمَائِي
وَإِذَا رَحَلْتُ فَقُولِيَ: مَا قَدْ كَانَا
شِعْرٌ تَرَنَّمَ كُلُّهُ لِوَفَائِي
وَاكتُبْ عَلَى قَبْرِي: رَجُلٌ قَدْ مَاتَا
مِنْ حُزْنِهِ قَدْ سَالَ دَمْعُ بُكَائِي
هُنَا رَجُلٌ عَاشَ الْهَوَى بِمَوَاكِبِ
وَتَشَبَّثَ الأَحْزَانَ فِي عُمْيَائِي
هُنَا رَجُلٌ لَوْلَاكِ مَا ضَاقَ الصَّدْرُ
وَلَوَاكِ مَا عَاشَ الْمَرِيرَ مَدَائِي
يَا رُوحَ هَذَا الْقَلْبِ إِنِّي قَدْ وَهَبْ
مَا لَمْ تَنَلْ مِنْ حُبِّ كُلِّ فَنَائِي
فَإِذَا دُفِنْتُ فَضُمِّيَا اسْمِي بَعْدَمَا
قَدْ ضَمَّ قَلْبِي حُبَّكِ الْمُتَنَائِي
وَإِذَا نَسَوْا اسْمِي فَقُولِي: إِنَّهُ
مَعْشُوقُ قَلْبٍ لَمْ يُجِدْ أَسْمَائِي
وَإِذَا سَأَلْتِ اللَّيْلَ قُولِي عِنْدَهُ
قَدْ مَاتَ فِيكِ جَمَالُ كُلِّ بَهَائِي