تخطَّ إلى المحتوى

فتحت باب المكتبة

الكامل

٦٤٩ بيت

النسيب

فتحتُ بابَ المكتبةْ،

فتهادى العُمرُ في الأَسْطُرِ

كأنَّني أفتحُ تاريخي

على وجهي المنكسرِ

تداعتِ الكتبُ العجوزُ

كأنّها أرواحُ من

ماتوا على رصَفِ الهوى

من غيرِ مُعتذرِ

يا ليتَني

ما فتَّحتُ تلكَ الرفوفَ،

فما أقسى الغبارَ

إذا تنفّسَ في الذِّكَرِ

من بينِ صفحاتٍ بكتْ،

قامتْ رسالةُ حُبّنا

كالشَّمسِ تُوقِظُ نائِمًا

في ليلِهِ الغَدِرِ

ورقةٌ صفراءُ...

تهتزُّ ارتجافًا مثلَ ما

تهتزُّ أنثى حينَ تمسحُ

دمعَها بِالسَحَرِ

قرأَتْني الورقةُ

قبلَ أن أقرأَ السُّطورَ

فكم في الحرفِ من دمعٍ

ومن كَسرٍ ومن خطرِ

يا الله...

ما هذا الدُّوارُ

أحقًّا أنَّ خطَّ يديكِ؟

أمْ طيفُكِ المسحورُ

في هذا الحبرِ المنتشرِ؟

كم طالعَتْني

من رواياتِ الهوى مدنٌ

لكنّ سارةَ — وحدها —

كانتْ بلا وَطَرِ

كانتْ

كتابي الأولَ المفتوحَ من زمنٍ

وكانَ حُبُّكِ في فؤادي

أولَ السَّطرِ

كم قلتُ: "سأغلقُ صفحةً أخرى لأنساكِ"،

لكنَّ الصفحاتِ تأبى

أن تُغيَّرَ أو تُطوى

بلا أَثَرِ

يا ليتَ هذا الغيمَ

ما أمطرتْهُ سارةُ

ولا تَنفّسَ في الدفاترِ

عِطرُها العطِرِ

كم قلتُ للقلبِ القديمِ:

"اهدأْ"، فيضحكُ بي

ويقولُ: "كيفَ يَسيرُ نهرُكَ دونَ مُنحَدَرِ؟"

أينَ المفرُّ؟

وكلُّ ما في المكتبةْ

فيهِ اسمُكِ المدفونُ

بينَ الحرفِ والصُّوَرِ

كلُّ الغبارِ على الرفوفِ

يهمسُ الآنَ بي:

"هيَ لم تزلْ بينَ الحروفِ، فهل ترى أثَرِي؟"

على الرفوفِ تهاجرُ

الذكْرَى كالأطيارِ

وتسكنُ الكتبَ العتيقةَ

في انتظارِ

تتنفّسُ الصفحاتُ

من عطشِ الزمانِ

وقد تعبَ الغبارُ

من الترحالِ

والأسفارِ

كم مرَّ عامٌ فوقها

كم نامَ سهوًا في عِناقِها

وجعُ الحكاياتِ الكِبارِ

رفٌّ يُنادي آخرًا

من قلبهِ وجَلٌ

يشكو فراغَ الحرفِ

من أنثى النهارِ

يا ربَّ كم كانتْ هُنا،

كم مرّتِ الضحكاتُ

مثلَ نجومٍ تائهاتٍ

في المدارِ

ها أنا أفتحُ

بابَ مكتبةِ الهوى

كأنني أفتحُ جراحَ الأقدارِ

أمدُّ كفِّي

نحوَ دفتركِ القديمِ

أرى في كلِّ عنوانٍ

ملامحَكِ الوِّقارِ

تغفو القصائدُ فيكِ،

مثلَ طفولةٍ

ضاعتْ،

ولم تَجِدِ الطريقَ

إلى النهارِ

يا وجهَ سارةَ في الغيابِ،

ألا ترى

أنَّ الرفوفَ تئنُّ

من طولِ انتظاري؟

في كلِّ ركنٍ من غيابِكِ قُبلةٌ

مخنوقةٌ بالحنِّ،

بالشكوى، بالغارِ

أشمُّ عطرَكِ في الورقْ،

وأكادُ أسمعُكِ

تقرئينَ لي الشعرَ

المملوءَ بالأسرارِ

ما زلتِ تكتبينَني

في صمتِ ما

لم تكتبي،

وتُحَرّكينَ الغيمَ بالإصرارِ

يا ليتَ هذا الغيمَ

يُثمرُ مرةً

ويعودُ لي فصلُ الهوى بالأمطارِ

لكنَّ رفًّا في الزوايا همسَ لي:

لا تُوقظِ الماضي...

ونامَ على انكسارِ

أطبقتُ كفِّي

مثلَ مَنْ يخشى

انسكابَ دَمٍ

من دفترٍ نازفٍ

على وجهِ النهارِ

وسمعتُ صوتًا

كانَ يشبهُ سارةً

لكنَّهُ...

أضنى الحروفَ بانتحارِ

رفوفُ مكتبةِ الحنينِ

تسائلُ الأقدارَ:

هل يُبعثُ العُشّاقُ

من ذاكَ الغبارِ؟

يا سيّدَ الوجعِ العتيقِ،

أأنتَ تعرِفُ كمْ

تَركَ الهوى فينا

من الأرواحِ والأثَرِ؟

أقفلتُ بابَ المكتبةِ — لكنْ — في يدي

ظَلَّتْ رسالةُ سارةٍ،

كالنارِ في الجَمرِ

سقطتْ ورقتُكِ العجوزُ

على الكراسي الخُرْسِ

تُحدِّثُ الصمتَ عنكِ

في رَجْعِ الهواجِسِ

ورقةٌ صفراءُ تنزفُ عِطرَ أيّامٍ

كانتْ تُقيمُ على جبيني

مثلَ قُدْسِ

يا اللهُ، ما هذا الخطابُ؟

ومن ترى

كتبَ الحنينَ

بخطِّ سارةَ في الهَّمْسِ؟

هذه الحروفُ

تشعُّ نارًا ناعِمًا

كالعِطرِ

يُغوي في ممرّاتِ النّفَسِ

هل جُنَّ حِبري؟

أم ترى خطُّكِ انسكبَتْ

أصابِعُهُ من ناعساتِكِ كاللَّمَسِ؟

يا ورقةً صفراءَ،

كم خبّأتِ من شَغَفٍ

ومن دموعٍ في الهوى

لم تُحبسِ؟

أقرؤُكِ الآنَ،

ارتعاشي يشهقُ الدّمعا

ويُوقِظُ الأشجارَ

في قلبِ الحسِ

تحتَ الخطوطِ رأيتُ ظلّكِ واقفًا

مثلَ المدى يَحْنو

على ليلِ للشمسِ

تاءٌ تمدّ يديكَ نحوي خجلةً

ونقطةٌ تبكي

على طرفِ الجَدَسِ

يا خطَّها...

أم خطَّ أنثى تَستَعيرُ يَدًا

منكِ لتخدعَني، وتُغرِقَني بعَبَسِ؟

أم أنتِ يا سارةُ

التي خطَّتْ حروفَ هوىً

ثم اختبأتْ خلفَ امرأةٍ بلا حَسِ؟

كم تشبهينَ حروفَها...

كم بينَ فاصلةٍ

وبينَ عَينِكِ من تواطؤٍ وقَبَسِ

يا ورقةً صفراءَ،

خُذي سرّي ولا

تُخبري الريحَ

بما دارَ بالأنفُّسِ

كم كنتُ

أؤمنُ أنَّ خَطَّكِ معبدي

واليومَ صارَ الخَطُّ مقبرةَ النّفَسِ

سارةُ...

أأنتِ التي كتبتِ أمْ

جاءتْ رسائلُكِ

على غيرِ القَبَسِ؟

يا ليتَ عيني

قبلَ أن تقرأَ الحُروفَ

غَفَتْ على صدْرِ السنينَةِ

في الدَّرَسِ

أغمضتُ عينيَّ،

وانسكبتُ كأنني

أقرأُ وداعًا

في ابتسامِكِ بالعَكَسِ

وتمزَّقتْ في راحتي

تلكَ الورقْ

كأنَّها قلبِي

على نارِ الهَجَسِ

يا ورقةً صفراءَ

تهمسُ في يدي

كالهَمْسِ في النَّفَسِ

ماذا تُريدينَ؟

الحنينُ يُفيضُ من أنفاسي كالقَبَسِ

ما كانَ أبعدَ ما ظننتُ

وما تصوّرتُ الذي

أنّي سألقاكِ اليومَ مكتوبةً

بغيرِ جِرْسِ

خطُّكِ يُطلُّ عليَّ

من بينِ الحروفِ

كأنّهُ وجهُ الصباحِ

يعودُ من موتٍ على الأَجْرَسِ

كم من حُروفِكِ قد عَرَفتُ

فكلُّها ترتاحُ في صدري

كما الطيرُ الذي يأنَسِ

لكنْ هنا…

اسمٌ غريبٌ يَختَفي

تحتَ التواقيعِ الحزينةِ

مثلَ ما يختبئُ القَسَسِ

يا للعجَب

أهيَ التي كتبتْ؟

أمِ المجرّةُ من سهوِ الحنينِ

نسَجَتْ لنا أَسماءَها بِالعَسَسِ؟

يا ورقةً صفراءَ،

قولي: هل خطُّها

كانَ اشتياقًا؟

أمْ تواطؤَ مُغْرَمٍ دَنَسِ؟

كم يشبهُ الخطُّ

ابتسامَتَها التي كانتْ تُدَفِّئُ

ليلَ أيّامي بلا شَمْسِ

هل خانني قلبي؟

أم أنّي في المدى

أقرأُكِ مرتينِ في وَهْمٍ وفي نَفَسِ؟

كلُّ الحروفِ

تصافَحُ التاريخَ في وجَلٍ

كأنَّها تعرفُ مَنْ مرَّتْ على الكرْسِيِّ بالأَمْسِ

ما بينَ سطرٍ وسطرٍ،

أسمعُها تقولُ لي:

"أنا التي كتبتُ،

فهل تبقى على الوَسَسِ؟"

فأُعيدُها طيًّا،

وأخفيها كأنَّ بها

قلبًا سيُكشَفُ

إنْ تمادَى في الهَوَسِ

وأقولُ: يا خطَّ الهوى،

أَخطأتَ في نَسَقٍ،

أمْ أنّها كَتَبَتْ

لتُحيي فيَّ ما يَبِسِ؟

يا ورقةً صفراءَ،

خُذْ دَمعي ومِنْ حبرِي

صُوفي، ودَعْني أنحني

في لَيلِكِ الأَشْرَسِ

سارةُ…

لو تقرئينَ الآنَ ما تركَتْ

أخرى من الشوقِ

المبلَّلِ في دَمي النَّحْسِ

لعَرَفْتِ أنّي ما خُنْتُكِ،

غيرَ أنَّ يَدي

لمَّا رأتْ خَطَّكِ…

بَكَتْ في دفترِ الدَّرْسِ

يا ورقةً صفراءَ

من خريفِ العُمقِ والعِتَاقِ

ما بالُكِ ترتجفينَ

في كفّي كالعِشاقِ؟

أهتزُّ حينَ أراكِ،

يُغويني حنينُكِ،

بل تُغويني أنفاسُ الزمانِ

على الأوراقِ

سقطتْ رسالتُكِ القديمةُ

مثلَ أغنيةٍ ضاعتْ،

وعادَ صداكِ منها في اختِناقِ

يا خطَّها

هل أنتَ خطُّ سَرايَ في زمنٍ

كانتْ تلوّنُ فيهِ

حرفيَ بالاشْتِياقِ؟

يا لهفةَ العُمرِ القديمِ،

أما ترى

أنّ الكتابَ تنفّسَ

العِطرَ البِراقِ؟

كم من مساءٍ

كنتِ تَكتبُ في يدي

وكمْ نامَ الهوى

بينَ السطورِ على وِثاقِ

لكنَّني أقرأُ اسمًا

ليسَ يشبهُها

فيغوصُ قلبي

بينَ وهمٍ واحتراقِ

من هذهِ الأنثى التي كتبتْ؟

ومن أخفى البداياتِ القديمةَ

في المِحاقِ؟

هل خانني قلبي

أمِ الأقدارُ تلعَبُ بي

وتعيدُ لي صوتَ الغيابِ

على اتّساقِ؟

يا ورقةً صفراءَ

حدّثيني، هل ترى

كانتْ تُحبُّ

كما أحبُّ بلا فِراقِ؟

أم أنّها نسيتْ ملامحَ وجهِنا

وتركتَني طفلًا يُنادِي

في الطِّباقِ؟

كم تشبهينَ دموعَها

كم يشبهُ الخطُّ

النارَ تَرقصُ فوقَ جرحٍ

في الأوراقِ

أمسكتُها، فتمايلَتْ،

كأنَّها أنثى

تُقاوِمُ رغبةَ اللمسِ العِتاقِ

وسمعتُ همسًا من حروفِكِ

قالَ لي:

"لا تَسألِ الماضي،

فنامَ على انشقاقِ"

فأجبتُها: والماضي أنتِ

وكيفَ لي

أن أنزَعَ الذكرى

من الأرواحِ خِناقِ؟

ورفعتُها نحوَ السماءِ،

فسالَ من حبرِ الدهورِ دموعُ

سارةَ في البِراقِ

فتحتُها…

فإذا الندى يَنبُتْ على القَلَمِ

كأنَّها كتبتْ بخطِّ الغيمِ

لا الحِبْرِ القَدِيمِ

يا للعجائبِ

كيفَ تنبضُ في يدي

رسالةٌ خُطَّتْ

على كَفِّ النَّسِيمِ؟

ما بينَ سطرٍ وسطرٍ،

كانَ حضورُها

يمشي برِفقٍ

في مساماتِ الجُثِيمِ

حرفٌ يُناديني كطفلٍ ضائعٍ

ويقولُ: “عُدْ،

فالبيتُ ليسَ لغيرِ حُلْمِكْ يا يتِيمِ”

يا أيّها الحرفُ الغريبُ

أما ترى

أنَّ الفراقَ يُعلِّمُ القلبَ السُّجُومِ؟

تقرؤُ الرسالةَ

عينُ قلبي خاشِعًا

وتظنُّ أنَّ الصوتَ منها

من نَسِيمِ

لكنّها — والريحُ تَقرأُ عن بُعْدٍ —

كانت تُخاطبُ طيفَ

من غابوا…

وليسَ اسمي العظيمِ

كم من جراحٍ

في الرسالةِ تستفيقُ

وكمْ من قبلَةٍ

ذابتْ على صدرِ الرَّقيمِ

يا خطَّها المبحوحَ،

هل تدري بأنَّك

تَشعلُ في الورقِ المصلوبِ

نارَ التَّصميمِ؟

أقرأْتَ “سارة”؟

لا، ولكنّي سمعتُ بها

صدىً يُنادي من وراءِ التّرانِّيمِ

“سارةُ”…

يا وجهَ الحنينِ إذا نَسيتُ

ويَدَ الرجوعِ

إذا ضللتُ إلى الجحيمِ

يا أيُّها الغيابُ،

متى تُعلِّمني الرُّجوعَ

إلى سكونٍ

لا يُنازعُني النديمِ؟

هل كانتِ الرسالةُ

حلمًا عابرًا

أمْ أنَّها وعدٌ

تأجَّلَ في الرَّسِيمِ؟

يا ورقًا نامَ الحنينُ على يديه،

أفقْ،

فالدمعُ يوقِظُ ما مضى

رغمَ الحُرُومِ

ما عادَ منكَ سوى الحروفِ،

وإنّما في كلِّ حرفٍ…

وجهُ سارةَ في الرُّسُومِ

سارةُ…

والليلُ في عينيها يرتقِبُ

تأتي كحلمٍ

إذا ناديتُ يقتربُ

تجلسُ قُربي

بلا ظلٍّ، بلا جسدٍ

كأنّها الضوءُ،

لا يُخفى

ولا يُلَبُ

تقرأُ معي

من غيابٍ لا حدودَ لهُ

وتُخطّ في الصمتِ

ما يُخفى ويُكتتَبُ

يا آيةَ النورِ

يا أنغامَ مُعجزةٍ

يا وجهَ روحي

إذا سُدَّت بيَ السُّبُلُ

أُصغي لصوتِكِ

في الأوراقِ منبثقًا

كالنبعِ حين يُصلّي

حولَهُ العُشبُ

تقرئينَ عنّي

كأنّ الحرفَ من فمِكِ ال

أوّلُ، والآخرُ المعصومُ

والعَجَبُ

يا من تُعيدينَ للحروفِ طفولتَها

حتى يصيرَ بها

المجهولُ يُنتسَبُ

هل تسمعينَ الندى

إذ قالَ لي: كتَبَتْ

سارةُ سِطرًا

وفيهِ العُمرُ يَنتصِبُ؟

قلتُ: الغيابُ كتابٌ

من صدى قَدَرٍ

وأنتِ فيهِ سطورُ الحُبِّ

والعَجَبُ

فتبسمتْ

ثمَّ غابتْ في الغيابِ كما

يغيبُ نجمٌ

ويبقى الحلمُ يُنتَشَبُ

يا وجهَ سارةَ

إنّ ليلَكِ أسفَرَ

عن فجرِ أنثى

في السماواتِ أبهَرَا

في كفّكِ المطرُ استدارَ رَقيقَهُ

فتَفجّرَ الأفقُ المُعلَّقُ أَزْهَرَا

يا مطرَ الحُبِّ

الذي لا ينتهي

هل طيفُكِ الدّامي

على الغيمِ أَسْفَرَا؟

تُهدي النسائمُ

من عبيركِ قبلةً

وتعودُ تسألُ:

هل ينامُ المَطَرَا؟

يا امرأةً

خُلِقَ الضياءُ لأجلِها

حتّى السكونُ

إذا مررتِ تَغَيَّرَا

يا نغمةً

عبرَ المدى مُتَوهِّجَةً

تُوقِظُ في الأرواحِ

شِعراً مُبحِرَ

من عِطرِكِ الأولِ

ابتدأَ الربيعُ

وعلى خُطاكِ

تَورّدتْ أقدارُنا سَفَرَا

سارةُ…

يا سِرَّ المجرّاتِ التي

هامتْ هواكِ

فصِرنَ بعضَ المَسْطَرَا

كلُّ الكواكبِ

إن رأتْ عينيكِ، ان

حنتِ استِحياءً

واستنارتْ أَكثَرَا

يا أنثى السماءِ

متى أعودُ إليكِ؟

فأنا المسافرُ

في الحنينِ تَحَيَّرَا

أغلقتُ كفّي

والكتابُ مُبلَّلٌ

بالحُزنِ،

بالأنفاسِ،

بالآمالِ

يا صفحةً خُطّتْ

بأحرفِ صادقٍ،

ضاعتْ على دربِ العُيونِ

الطّالِي

سارةُ…

ما معنى الخِتامِ،

وسِرُّنا

ما زالَ يُكتَبُ

في لُهيبِ سؤالِ؟

كم من وداعٍ

مرَّ بينَ دفاتري،

لكنّهُ ما كانَ مثلَ

رِحالي

ما كنتُ أعلمُ

أنّ حبَّكِ مرثيٌ،

وأنَّ في جسدي

ضجيجَ نِضالِ

قد كنتِ لي فصلَ الربيعِ،

فكيفَ بي

والعُمرُ صارَ خريفَ

أوراقي الخِجَالِ؟

يا جرحَ أحرفِنا

الذي لا يلتئمْ

يا آخرَ النّبضاتِ

في أوصالي

حتى إذا أُغلقْتِ

بينَ دفاتري،

ظَلَّ الغيابُ

يُضيءُ كالظلالِ

ما أوسعَ الأفقَ

الذي لم تَرجعي

وما أضيقَ القلبَ

المعلَّقَ حالي

في كلِّ سطرٍ

من غيابكِ زهرةٌ،

تُسقي الحنينَ

بماءِ دمعٍ سالِ

يا سارةَ،

الكتابُ ماتَ بصفحةٍ،

لكنّ قلبي

ما أقرَّ زوالِي

عادَ الصّدى

يتلو اسمَها بنغمٍ،

كالريحِ تُهدي

للقصيدةِ حُلمِي

سارةُ…

يا لغزَ الغيابِ،

وكوكبًا

أُطفِئْتِ عنهُ النورَ

دونَ تُهَمِ

كم ظلَّ صوتُكِ

في الفؤادِ مُعلَّقًا،

يُصغي إلى نبضي،

وينسجُ نَغْمِي

كنتِ السكونَ،

وكانَ صمتي ناطقًا،

حتى إذا ناديتُ،

عادَ يالألمِ

يا وردةً ذابتْ

على كفِّ المدى،

واستأذنتْ شمسَ الغروبِ

لتَغْتَنِمِ

هل تسمعينَ الليلَ،

كيفَ يُنادِمُ ال

حلمَ القديمَ

ويستعيدُ رُسُمي؟

يا من خُطوطُ الغيمِ

تشبهُ وجهَها،

والفجرُ يُغمضُ

مقلتيهِ لِيَحْلَمِ

كم من نداءٍ مرَّ بي…

لم يُسمَعِ،

إلا لأنَّكِ في الدُجى

تتكلّمينَ بِهِمِ

في كلِّ وجعٍ منكِ

معنى ناضرٌ،

وفي السكونِ

نداءُ قلبٍ مُحْتَدِمِ

سارةُ…

إنَّ الصمتَ أصبحَ مِحرَفًا

للروحِ،

إن نُوديْتِ فيهِ…

تُلَبِّينَني بِسِمِ

يا زهرةً تبكي،

وتضحكُ في الحنينْ،

كالعُمرِ يَزهرُ

ثمّ يذبلُ في السنينْ.

سارةُ…

ما بالُ الدموعِ إذا هَطَتْ

صارتْ على وجهي

نُجومًا من يَقينْ؟

أبكي…

فتبتسمُ الزهورُ كأنّها

تعلمتْ من حُزنيَ

الفنَّ الثمينْ.

وأراكِ في صوتِ المطرْ،

كأنّهُ يقرأُ عليَّ

سطورَ حبّكِ

رياحينْ.

يا مَن تركتِ الحبرَ

نهرًا في دمي،

حتى غدوتُ

من الأسى

بحرَ الصينْ.

هل كنتِ تدرينَ

الغيابَ قصيدةً،

يُتلى على وجعي

بدمعِ الياسمينْ؟

كم قلتُ: “سارةُ،

عودي”، فاستحالتْ

كلُّ الندى ذكرى،

وكلُّ النورِ رَهِينْ

يا لحظةً ضاعتْ،

ولكن ظلَّها

ما زالَ يَسكُنُ في

ضلوعيَ بالأنينْ.

حتى ابتسمتُ،

فهاجَ وجهيَ موجُها،

وتبعثَرَ الأملُ الجميلُ

على الجَبينْ.

بعدَ المَطرْ،

لاحَ الضياءُ على الذِّرى

وسَكبتِ في شَفَتَيَّ

معنى الكَونِ يا أمانيا

يا أوّلَ النورِ

الذي فاضَ الحَياةَ رؤىً

يا آخرَ المعنى

إذا ضاقتْ بنا الدُّنيا

يا وردةً عادتْ إلى غصنِ الأماني بي

نَ الرِّيحِ،

تُنشدُ للغدِ الفَتّانِ أغَانِيا

ما كنتِ أنثى فحسبُ…

بل قصَصًا من السُّ

حْبِ الطّريةِ،

أو نداءً فاضَ من مَسرانا

سارةُ،

يا صَوتَ الطُّفولةِ في دَمي،

ويا صَلاةَ العاشقينَ

إذا سَرَى ذِكْرا

قد جئتِ بعدَ الغيمِ

تُرمّمُ ما لكسرانا

وتُعيدُ للأرضِ

التي ناحتْ سَنا سَنا.

أغفيتِ في قلبي،

فصارَ قصيدةً

تُتلى على الأرواحِ،

أو تُكْتَبُ بالوَجْدا.

يا أنثَةَ الضوءِ،

يا ولهاً مقدّسَةً،

يا وجهَ ربي

حينَ أُغمِضُ مقلتيَّ هنا.

كم في حضوركِ

عادَ للحُبِّ اتّزانُهُ،

وعلى يديكِ تنامُ أحزاني،

وتُحْانيا.

بعدَ المَطرْ…

حتى الجِراحُ تبسّمتْ،

وكأنّ دمعي صارَ

من فَرَحٍ سُقِيانا.

وهَكَذا تَحدّثَ القَلْبُ باسمِها،

وسَكَنَ الهوى في نَبضِهِ،

وسَما لَها.

ناداها الدّمُ

المسكوبُ في شِريانهِ،

يا سارةَ العُمْرِ،

يا مِسْكًا على المَرْجِ طيبها

كم نامَ حرفي

في يديكِ قصيدةً،

حتى إذا لمَسَتْ يداكِ،

تَجَلّى لَها

يا سيّدَةَ الأسماءِ،

يا قُدسَ الهوى،

يا مَن بها

يتقوَّمُ الحرفُ إن جاء وِصَالَها.

كم قلتُ: سارةُ،

فاستفاضَ جلالُها،

وتقوَّسَ المِحرابُ،

وانحَنَى كثغرها.

هِيَ في دعائي

آيةٌ لا تنتهي،

وفي سُكوتي رِقّةٌ

تُنهي الوجَلَ بِها.

يا ليتَني حرفٌ بسيطٌ

في اسمِها،

أحيا إذا نُوديتُ

بينَ حُروفِها.

يا ليتَ قلبيَ،

لو يُقرَّبُ ثغرَها،

ليقولَ: هذا العِشقُ

مَذْبَحُ نَفْسِها.

هِيَ لا تَموتُ،

فكلّ وردٍ ناطقٌ

باسمِ الحَياةِ

إذا تنفَّسَ شَذْوَها.

وهَكذا تَحدّثَ القلبُ المُحبُّ…

ولمْ

يَختمْ قصيدتَهُ،

سارة خِتامَها…