بِمَكَّةَ أَطلَالٌ لِسَلمَى وَمَعهَدُ
وَمَشْفًى وَآيَاتٌ وَنَادٍ وَمَعبَدُ
عَفَتْ وَخَلَتْ حَتَّى بَدَتْ وَكَأَنَّهَا
مَهَارِيقُ فرسٍ أَو كِتَابٌ مُجَدَّدُ
تعاورها صَيفًا جَنُوبٌ، وفي الشِّتَا
شَمَالٌ، وَأمطَارٌ تَهِلُّ، فَتُزْبِدُ
تذكّرتُ أهلي الطيّبينَ وعَيشَنا
بها، وقصيرَ الليلِ والدَّهرُ مُسعِدُ
فناشدتُ دمعي والتجلُّدَ نَجدَةً
فأنجَدَني دمعي، وخانَ التجلُّدُ
بَكَيْتُ، فأبكَيْتُ الصِّحابَ وفوقَهم
بَكى بَاكِيُ الأغصانِ وهوَ يُغَرِّدُ
أرى نُبوةً يا سَلمُ منكِ وجَفوةً
على غيرِ بَأسٍ قَدرَ ما أَتَوَدَّدُ
جَحَدتِ الّذي بيني وبينكِ في الهوى
أمثَلُ الّذي بيني وبينكِ يُجحدُ؟
إذا كان هذا الجوُّ يا سَلْمُ بارِدًا
مشاعرُكِ الجَدْباءُ أقسَى وأبردُ
تبلّدتِ عنّي بعدَ حَرِّ مَحبةٍ
ولا يَصرِمُ الأحبابَ إلا التبلُّدُ
إذا لم تريدي صُحبتي فتخلَّفِي
ولا تتكلّفِي الحُبَّ، والحُبُّ مُخمَدُ
فإمّا وِصالٌ قائم الرُّكنِ مُقرِبٌ
وإلا فِراقٌ هادم الركنِ مُبعِدُ
فلو أن أمّي لم تُرِدني تَرَكتُها
وقُلتُ لأمّي: إن قربتِ سأَبعدُ
فكيفَ إذا ما قَحبةٌ بنتُ قَحبةٍ
أرادت فِراقي! هل أُبالي وأكمُدُ؟
وإنّي منَ القَومِ العَزيزِ هَوانُهُمْ
ومَن كانَ مِثلِي لا يُهانُ ويُبلَدُ
إذا قيلَ: "مَن فتى؟" أقولُ: "أنا الفتى"
كأنْ لا فتىً في القَومِ غَيريَ يُقْصَدُ
وقالوا متى عِزُّ العروبةِ يا فتى
فقلتُ: إذا عادَ الرسولُ محمدُ
رسولٌ خلتْ من قبلِهِ الرسلُ أمجَدٌ
يُسَمِّيه موسى وابنُ مريمَ أحمدُ
وما هوَ إلا منذرٌ ومبشّرٌ
وما نحنُ إلا مُلحدٌ ومُوحّدُ
وما كانَ شاعرًا ولا كانَ ساحرًا
سِوى بشرٍ يُوحى إليهِ ويُشهِدُ
فمن شاءَ فليكفرْ يُذلُّ مذمما
ومن شاءَ فليؤمنْ يُعَزّ ويُحمَدُ