خُلقتِ لعاشقٍ ماءً ونارا
يحبّكِ ما استخارَ ولا استشارا
وقائلةٍ أجدّكَ لستَ تسلو
وعمركَ فاتَ شوقًا وانتظارا؟
على سرر التياعكَ كلّ حينٍ
وفي فرش الأسى تحيا احتضارا
لقد رحلتْ وما في الرجعِ جدوى
فليس عطاؤها إلا اضطرارا؟
فقلتُ: دعي الملامَ فليسَ ملكي
فؤادي حينما ولّى وسارا
كأنّ القلبَ إذ أخذَتْهُ غصبًا
مُعارٌ من رأى قلبًا مُعارا؟
فإن أرْدتهُ من هجرٍ وصدٍّ
فكم أحيتْهُ من وصلٍ مرارا
كيومٍ أنشرتْ قلبي بطرفٍ
بهِ منهُ استجرتُ وقد أجارا
ووجهٍ حُفّ كالجنّات حلوٍ
بمكروهٍ وقد نثرَ الجمارا
ونهدٍ يرسلُ الفتناتِِ غيمًا
على المشغوفِ تنهمرُ انهمارا
تسحُّ مزونُها متتابعاتٍ
كركضِ العادياتِ إذا تبارى
وأسمعُ إذ تُصبُّ على خيالي
كفرقعةٍ إذا تغلي فُشارا
فدعْ ما انهالَ من شغفٍ إليها
كفى يا دمعُ أورقتَ القفارا
تريدُ الوصلَ والهيفاء تأبى
فإنْ تسألْ تناولْكَ انتهارا
وسلّ الهمّ عنكَ بذكرِ يومٍ
بصفوِ مسائهِ تنسى نهارا
كيومٍ قد لهوتَ بهِ فعابوا
ظريفُ اللهو لستُ أراهُ عارا
يغالي في نصيحتهِ حسودٌ
ويرغو ثمّ أحرمهُ اعتذارا
ومن في الخلقِ كانَ بلا ذنوبٍ
فما اقترفَ الكبارَ أوِ الصغارا
فإنْ ترِهُ فذلكَ ليسَ منّا
وقلْ ملكٌ تنزّلَ ثمّ سارا
أُلامُ إذا سعيتُ إلى ملاحٍ
ولم أحفلْ إذا ما الرأسُ طارا
وإن واصلْتهنّ بغير وعدٍ
كمن نالوا بلا سعيٍ يسارا
أروحُ لهنّ منتشيًا بحبٍّ
وليسَ بما تعاطاهُ السكارى
تمدّ البيضُ أعينهنّ شوقًا
إليّ ولم يكشّفنَ الستارا
إذا يمشينَ كالغزلانِ يزهو
رصيفُ الحيّ من خطوِ العذارى
لآلئُ يستلبنَ فكيفَ أنجو؟
وإنّ لهنّ في الحيّ انتثارا
وإنّ وجوههنّ تردُّ ميْتًا
وتكبحُ يائسًا رامَ انتحارا
وإنْ ضحكاتهنّ خُلطنَ تسمعْ
كمزجِ اللحنِ يملؤكَ انبهارا
كأنّ حديثهنّ خريرُ ماءٍ
ولا ينطقنَ لو يبصرنَ جارا
يثرثرُ عطرهنّ بما اشتهينا
إذا جئنا ويخرسنَ السوارا
ويحسبنَ الجدارَ بغير ربٍّ
فسبّحَ حينَ لامسنَ الجدارا
تواصينَ المساء بسلبِ عمري
وأن يقتلنَني دلًّا جهارا
أيحسدُني على الصبواتِ خلوٌ
وما زارتْهُ آنسةٌ وزارا؟
أصبتُ من الزمانِ سرورَ يومٍ
فلاحقني الزمانُ أذى وثارا
وأرسلَ لي جرادَ الهمّ بغيًا
وطافَ عليّ وانتشرَ انتشارا؟
بنى لي الهمّ أسوارًا وحصنًا
وصرتُ كقلعةٍ تلقى حصارا
ومقتحمٍ من الأشجانِ ليلا
غزا من مثلهِ صبحًا أغارا
أبارزه وحيدًا كلّ يومٍ
أبيتُ حوارَهُ وأبى فرارا
وقفتُ لهُ لأحيا الدهرَ حرًّا
ومن يجبنْ يعشْ ضمنَ الأسارى
بعزمٍ دكّ أهونهُ جبالاً
وأفلقُ إن أردتُ بهِ بحارا
كأنّ الهمِّ لم يُنسجْ لغيري
ليلبسَهُ وينهجَهُ اصطبارا
فما ليَ في الهناءة من خلاقٍ
ولي حزنٌ شهرتُ بهِ اشتهارا
كأنّي لم أزرْ متعطّراتٍ
وما عُطّرنَ بلْ عطّرنَ دارا