هلَّ الربيعُ يُزَفُ في ريحانِه
كالبحرِ يزْهو من جميلِ جُمانِه
مَدُّ الجمالِ يبثُّ فوق عُبابِه
ألَقا يغني الشَّدوَ في شُطآنه
ذا زورقٌ في الأفْقِ لاحَ شِراعُه
والبِشرُ يسعى في خُطى رَبَّانِه
وبدا النسيمُ يفوح في جنباتِه
ويهِشُّ بالنجوى إلى أركانِه
قال الضُحى لما تألَّق حسنُه
جاء الربيع يجود من إحسانِه
ولقد ظننا أنّهُ ألِفَ النَّوى
أو ظلَّ منزويا لدى هُجرانِه
يا مرحبا هتفت طيورٌ رفرفت
فرحا بِه ترنُو لكهف أمانِه
يا ليْته هذا الربيع يجيئنا
متعجِلا يجري بغير أوانِه
وجهُ الأناقةِ كان يسهرُ مُتعَبا
يرجو الضحى والسهدُ في أجفانِه
لما رأى وجهَ الربيع تهلَّلَت
أنظارُه وهمى الندى بمكانِه
كفتِيِّ نهرٍ شقَّ ألويةَ الثَّرى
والأرض تشرب من هوى جريانِه
فلقد سئمنا من صقيعٍ جائرٍ
جعل الزمان يتيه في أزمانِه
الفجر ينتظر الربيع كناسكٍ
وخشوعُه في منتهى إيمانِه
وسألتُ عنه البيدَ قالتْ عشقنا
وهيامُ رملِ البيدِ في كُثبانُه
يزهو كمنْ ساقَ الحِسانَ إلى الهوى
فتمايلتْ طُرقُ الهوى بِحِسانِه
والناي يعزف بالألاحين التي
يشدو بها نغما لدى ألحانِه
وكأنَّه تختٌ رمى عشاقَه
كُلا بلحنٍ من رهيفِ كمانِه
والعودُ والشادوفُ من غسقِ الدُّجى
للصبح يغترفانِ مِنْ ريَّانِه
وإلى الزروع الناعساتِ تمايلت
بالماء أكواب لدى غُدرانِه
ما ظلَّ من رِيِّ الجمالِ وحسنهِ
من كان يبكى في لظى ظمآنِه
هل أشرقت تلك الزَّنابِقُ تزدَهي
وتذوبُ في دفءٍ لدى بُستانِه؟
الروضُ خضرٌ والسحائِب سافرتْ
بيضاءَ تقطرُ في مَشوقِ جِفانِه
الوردةُ الحمراءُ تَبْسم للنَّدى
ورِفاقُها دأبتْ إلى ألوانِه
ورأى النباتُ قدومَه فتواثبتْ
أوراقُهُ ورَبَتْ على سِيقانِه
وغدتْ بيوتُ الحالمين سعيدةً
وكأنّ أسقُفَها على جدرانِه
للعشقِ رائحةٌ تَضَوّعُ للورى
وجرى الحنينُ يَهِمُّ في تحنانِه
أوَما سمعتَ به العصافيرَ التي
قد غرّدتْ بالحُبِّ من إتيانِه
وبه استفاق العاشقون ولوَّحُوا
للحبِّ والأشواقِ بين جنانِه
رسموا على شجرٍ قلوبا للهوى
وفراشةً رقصتْ على أغصانِه
كلُّ الفصولِ من البلاغةِ أفصحتْ
وتحدَّث العِرفانُ عن سُلطانِه