تخطَّ إلى المحتوى

أسف يؤرق مقلتي ويحرق

الرمل

٥١ بيت

النسيب

أَسَفٌ يُؤَرِّقُ مُقلَتي وَيُحَرِّقُ

وَطُيوفُ ذِكرى في الحَشا تَتَرَقرَقُ

يا مَن يَلومُ عَلى الصَبابَةِ جَاهِلاً

بِالنارِ يَصلى مَن بِها يَتَعَلَّقُ

عَجَبِي مِنَ الأَيّامِ تَنثُرُ شَملَنا

بَعدَ اِجتماعٍ، وَالرَّدى يَتَرَشَّقُ

قُل لِلَّذي رَكِبَ الغُرورَ مَطِيَّةً

كُلُّ المَسالِكِ نَحوَ لَحدٍ ضَيِّقُ

خُدَعُ الحَياةِ كَسَرابِ قاعٍ لامِعٍ

يَظمى لَهُ الرائي وَعَزَّ المَوْرِقُ

لا تَرجُ مِن غَيرِ الكَريمِ نَوالَهُ

إِنَّ السَّحابَ بِغَيرِ جودٍ يَصعَقُ

وَإِذا النُفوسُ تَعَظَّمَت في طُهرِها

ذَلَّ الزَّمانُ لَها وَعابَ الأَحمَقُ

مَا كُلُّ نَفسٍ في الشَّدائِدِ تُعتَقُ

بَل بَعضُها في ذُلِّها يَتَرَنَّقُ

وَاللَّيلُ يَشهَدُ أَنَّني خِلُّ السُّرى

وَالصُّبحُ مِن وَهَجِ العَزيمَةِ يُفتَقُ

يا دَهرُ قُل لِلباكِياتِ لِعَيشِهِنَّ

أَنَّ الفَناءَ عَلى البَريَّةِ مُطبِقُ

تَبني القُصورَ وَما لَدَيكَ إِقامَةٌ

كَالغَيمِ يَبني في السَّماءِ وَيُبرِقُ

هَيهاتَ يَرجِعُ ما مَضى مِن شِرخِنا

أَو يُرجِعُ الشَّيبَ المُخَضَّبَ مَشرِقُ

أَنا مَن تَعَلَّمَ مِن سِهامِ زَمانِهِ

أَنَّ الجَبانَ بِغَيرِ رُعبٍ يُزهَقُ

وَالحُرُّ لَو ضاقَ الفَضاءُ بِرِزقِهِ

أَبداً لِغَيرِ اللّٰهِ لا يَتَمَلَّقُ

يَمشي عَلى شَوكِ الدُّروبِ مُعَمَّراً

وَبِنورِ عِزَّتِهِ الطَّريقُ يُغَلَّقُ

يَا رَاحِلاً وَالرُّوحُ فِيهِ تَعَلُّقٌ

وَبُعَادُهُ عَن ناظِرِيَّ تَمَزُّقُ

قَسَماً بِلَيلٍ فِيهِ وَجهُكَ بَارِقٌ

إِنَّ الفُؤادَ بِغَيرِ حُبِّكَ يَشرَقُ

تَبكي السَّماءُ إِذا رَأَتني شاكِياً

وَيَكادُ مِن دَمعي الغَمامُ يُغَرَّقُ

أَهواكَ وَالأَشواقُ بَيني بَينَها

حَربٌ سِلاحُ الصَّبرِ فيها يُسحَقُ

مَا الشَّوقُ إِلّا زَفرَةٌ مَشبُوبَةٌ

تَذَرُ الضُّلوعَ مِنَ اللَّظى تَتَحَرَّقُ

دَع عَنكَ ذِكرَ الغانِياتِ وَطِيبِها

فَالمَجدُ في طِيبِ الثَّناءِ يُعَتَّقُ

أَينَ المُلُوكُ أَمامَ مَن نُزجِي لَهُ

مَدحاً بِهِ كُلُّ المَحافِلِ تَنطِقُ؟

مَلِكٌ إِذا سَلَّ السُّيوفَ لِرَوعَةٍ

ظَنَّ المَنايا أَنَّها تَتَصَدَّقُ

يُعطي وَيَحسَبُ ما أَعانَ قَلِيلَهُ

حَتَّى كَأَنَّ البَحرَ عِندَهُ ضَيِّقُ

لَو طالَبَ النَّجمَ القَصِيَّ لَجاءَهُ

طَوعاً وَخَرَّ لَهُ السَّماءُ تُصَفِّقُ

يَا مَن حَوى كُلَّ المَفاخِرِ سُؤدُداً

أَنتَ المَلاذُ وَأَنتَ فِينَا المَوثِقُ

ذَابَ الفُؤادُ وَفِي الحَنايَا جَحفَلٌ

مِن مَوجِ شَوْقٍ بِالضُّلوعِ يُصَفِّقُ

يَا بَاعِداً وَالقُربُ فِيكَ مَنِيَّتِي

هَلَّا رَحِمْتَ حَشاشَةً تَتَمَزَّقُ؟

مَا البُعدُ إِلَّا غُصَّةٌ مَسمُومَةٌ

تَغتالُ أَحلامَ الفَتَى وَتُقْلِقُ

أَشكو إِلَى اللَّيلِ الطَويلِ مَواجِعِي

فَيَضيقُ صَدْرِي وَالفَضَاءُ يُطَوِّقُ

كَأَنَّ كُلَّ نَجيمَةٍ في أُفْقِها

عَينٌ تُرَاقِبُ مَدْمَعِي المَتَدَفِّقُ

أَهفُو لِطَيفِكَ فِي المَنامِ لَعَلَّني

أَلقَى بَقايَا مِن وِصَالٍ يُسرِقُ

فَإِذا صَحَوتُ وَجَدتُ كَفِّي خَالِياً

وَوَجَدتُ نَفْسِي فِي السَّرابِ تُحَلِّقُ

يَا حُبُّ، قُل لِلراحلينَ بِروحِنا

أَنَّ الدِّيارَ بِبُعدِهِم لا تَنطِقُ

صَمَتَت هَزارُ الحُزنِ فَوقَ غُصونِها

لَمَّا رَأَت هَذَا الفِراقَ يُحَقَّقُ

مَا البُعدُ إلَّا جَذوَةٌ مَهْجُورَةٌ

تَذَكِي الفُؤادَ، وَنارُهُ لا تُشفِقُ

ظَنَّ الوُشاةُ بِأنَّ نَأْيَكَ قَاتِلي

خَابُوا.. فَحُبُّكَ في الشَّدائِدِ يَعشَقُ

كُلَّما طالَ المَدى في هَجرِنا

وَجَدتُ رُوحِي في هَواكَ تُحَلِّقُ

كالبَحرِ يَهيجُ إِذا الرِّياحُ تَمَرَّدَت

قَلبي بِعَصفِ الشَّوقِ دَوماً يَغرَقُ

فَإِذا المَسافَةُ بَينَنا مَمدودَةٌ

فَالحَبلُ بَينَ الرُّوحِ مِنكَ مُوَثَّقُ

هِيَ ذي المَواجِعُ في الحَنايا مَصنَعٌ

لِلحُبِّ.. فِيهِ لَوعَتي تَتَعَتَّقُ

لا تَعجَبُوا إِن شَفَّنِي طُولُ الضَّنى

فَالشَّمسُ تَبدو في الغُروبِ تُشَرِّقُ

إِنَّ الذِي ذاقَ الهَوى عَن قُربِهِ

غَيرُ الَّذي بِالنَّأْيِ صِدقاً يُرزَقُ

فَالحُبُّ في الوَصلِ القَريبِ سَكينَةٌ

لَكِنَّهُ في البُعدِ نُورٌ يَبْرُقُ

إِنَّ الهَوى بَحرٌ وَصَبرُكَ زَورَقُ

وَالبُعدُ رِيحٌ في الشِّراعِ تُصَفِّقُ

لا تَحسَبَنَّ البُعدَ يُطفِئُ جَذوَةً

فَالنَّارُ بِالعَصفِ الشَّديدِ تُحَرِّقُ

وَالمَرءُ يُعرَفُ في المَكارِه صِدقُهُ

كَالمِسكِ يُسحَقُ كَي يَفُوحَ وَيَعبَقُ

فَإِذا النُّفوسُ تَعَوَّدَت حَرَّ النَّوى

صارَ الضَّنى مَجداً بِهِ نَتَعَلَّقُ

هِيَ ذي الحَياةُ: تَفَرُّقٌ وَتَجَمُّعٌ

وَالحُرُّ بَينَهُما لِغَيرِ الهَوى لا يَعشَقُ

مَا ضَرَّنَا بُعدُ الدِّيَارِ وَإِنَّمَا

ضَرَّ الفُؤادَ بِأَنَّهُ لا يُنْطِقُ

خُتِمَت بِمِسكِ القَولِ في أَبْيَاتِنَا

عِندَ المَلِيكِ مَكَانَةٌ تُسْتَنْشَقُ