تَقُولُ وَقَدْ رَاعَتْ مَشِيبَ ذُؤَابَتِي
أَهَذَا الَّذِي قَدْ كَانَ نَبْضَ وِدَادِي؟
أَرَاكَ كَشَيْخٍ هَدَّهُ الدَّهْرُ عَنْوَةً
وَأَنْتَ الَّذِي بِالحُسْنِ كُنْتَ تُنَادِي
أَأَنْكَرَتِ المِرْآةُ طَلْعَةَ مَاجِدٍ
وَأَوْرَثَكَ المَشْفَى شُحُوبَ جَمَادِ؟
فَقُلْتُ لَهَا: يَا مَنْ صُغْتِ كُلَّ قَصِيدَةٍ
بِصَوْتِكِ؛ كَانَ الوَصْلُ عَيْنَ عَتَادِي
أَيَا حُسْنَ هَذِي النَّفْسِ فِي كُلِّ نَجْوَةٍ
عُذُوبَةُ ذِكْرَاكِ اسْتَهَلَّتْ لِإِنْجَادِي
لَئِنْ خَطَّتِ الأَسْقَامُ فِي الوَجْهِ سَطْرَهَا
فَحُبُّكِ مَخْطُوطٌ بِعُمْقِ فُؤَادِي
لَئِنْ رَقَّ عَظْمِي وَاسْتَبَدَّ بِيَ الضَّنَى
فَحُبُّكِ مَحْفُورٌ بِصَدْرِ صَوَادِي
وَمَا الشَّيْبُ إِلَّا نُورُ طَيْفِكِ لَاحَ لِي
بِرَأْسِي فَأَذْكَى لَوْعَةَ الإِيقَادِ
وَمَا نَالَ مِنِّي السُّقْمُ إِلَّا تَمَامَهُ
كَبَدْرٍ تَجَلَّى فِي دُجَى السُّهَّادِ
تَجَرَّعْتُ كَأْسَ السُّقْمِ حَتَّى تَمَرَّرَا
سَمُومٌ سَرَى فِي الجِسْمِ سَوْقَ جِيَادِ
تَجَرَّعْتُ كَأْسَ الطِّبِّ حَتَّى كَأَنَّهُ
أُجَاجٌ بِهِ الأَوْصَابُ طَالَتْ عِدَادِي
دَوَائِيَ أَمْرَارٌ وَسَوْطِيَ لَاذِعٌ
وَذِكْرُكِ تِرْيَاقِي وَطِبُّ لِأَوْرَادِي
عِلاجِيَ مِلْحٌ فِي الجِرَاحِ وَغُصَّةٌ
وَطَيْفُكِ تِرْيَاقِي وَصَفْوُ مِهَادِي
بُكَائِيَ خَلْفَ الجُدْرِ لَمْ يَدْرِ كُنْهَهُ
سِوَى زَفْرَةٍ دَارَتْ بِقَلْبِ صَادِي
مَشَافِي الأَسَى صَارَتْ مَقَامِي وَمَوْطِنِي
وَأَوْصَابِيَ اشْتَدَّتْ بِغَيْرِ نَفَادِي
مَصَابِي الرَّدَى صَارَتْ قَرَارِي وَجِيرَتِي
وَأَوْجَاعُ صَدْرِي حَطَّمَتْ أَعْمَادِي
أَعُدُّ الثَّوَانِي وَالضَّمَادُ يَلُفُّنِي
كَأَنِّي غَرِيقٌ فِي لُجَاجِ مَدَادِي
وَمَا كَبُرَتْ سِنِّي لِعَدِّ سَنِينِهَا
وَلَكِنْ نَأَى بَدْرِي فَغَارَ رَشَادِي
هَرِمْتُ لِأَنَّ الشَّوْقَ أَحْرَقَ غَابَتِي
وَأَذْكَتْ حَرِيقِي غُلَّةُ الوجْدِ بَادِي
فَلَوْ رَدَّتِ الأَيَّامُ وَصْلَكِ لَحْظَةً
لَأَوْرَقَ عُمْرِي فِي رُبَى الأَمْجَادِ
وَلَوْ جَادَتِ الأَقْدَارُ بِالوَصْلِ غَفْلَةً
لَعَادَ رَبِيعِي بَعْدَ طُولِ كَسَادِ
أَتَعْجَبُ مِنْ خَذْلِ الخُطَا وَتَرَاعُدِي
وَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ البَيْنِ صَعْبَ القِيَادِ؟
أَتُنْكِرُ مِنْ وَهْنِ المَسِيرِ وَرَعْشَتِي
وَإِنِّي عَلَى بَابِ الرَّدَى غَيْرُ حَادِي
فَلَوْ قِيلَ لِي: مَنْ أَنْتَ بَعْدَ عَنَائِكَ؟
لَقُلْتُ: قَتِيلُ الغِيدِ وَالخُرَّادِ
وَإِنْ سَاءَلُوا: مَنْ ذَا المُذَالُ جُسُومُهُ؟
لَقُلْتُ: صَرِيعٌ فِي رُبَى الأَوْتَادِ
سَأَبْقَى أَحِنُّ وَإِنْ تَقَوَّسَ مَنْكِبِي
وَأَرْسُمُ طَيْفاً فِي مَدَى الآمَادِ
فَقَدْتُ شَبَابِي فِي هَوَاكِ لِعِلَّتِي
وَأَمْسَيْتُ رَهْنَ المَوْتِ طَوْعَ إِرَادِ
نَفَى السُّقْمُ عَنِّي نَضْرَةَ العُمْرِ بَعْدَمَا
رَمَتْنِي المَنَايَا فِي شِبَاكِ شِدَادِ
دُمُوعِي عَلَى بِيضِ الوَسَائِدِ جَدْوَلٌ
يُسَائِلُ عَنْكِ الغُرْبَةَ الوَخْدَ لِلفَادِي
وَمَا دَمْعُ هَذِي العَيْنِ إِلَّا مَرَارَةٌ
تُسَائِلُ عَنْكِ العِيدَ يَا خَيْرَ زَادِي
فَكَمْ غَيَّبَ المَشْفَى جَبِيناً نَضِراً
وَكَمْ كَفَّنَتْ كَفُّ العَنَا إِسْعَادِي
وَ كَمْ وَارَتِ الجُدْرَانُ وَجْهاً مُهَلَّلاً
وَأَوْدَى بِآمَالِي وَعِزِّ تِلادِي
تَعَالَيْ أَمِيطِي عَنْ جُفُونِيَ لَيْلَهَا
وَعَنْ شَفَتِي المَغْلُوبِ طَعْمَ قَتَادِ
هَلُمِّي اجْلِيَ الغُمَّاتِ عَنْ عَيْنِ بَائِسٍ
وَذُودِي عَنِ الثَّغْرِ العَلِيلِ سَوَادِي
أُحِبُّكِ رَغْمَ الهَجْرِ كَيْفَ وَإِنَّمَا
أَرَاكِ لِأَعْضَائِي مَلاذَ سِنَادِي
أُحِبُّكِ رَغْمَ العَجْزِ حُبّاً كَأَنَّهُ
لِهَيْكَلِيَ المَهْدُودِ خَيْرُ عِمَادِ
أَيَا مَنْ عَصَمْتِ القَلْبَ عَنْ كُلِّ فِتْنَةٍ
وَصُنْتِ عُهُوداً فِي لَظَى الإِرْعَادِ
حَمَيْتِ فُؤَادِي عَنْ سِوَاكِ بِعِفَّةٍ
وَأَوْفَيْتِ عَهْدِي فِي لُجَجِ الإِرْفَادِ
أَتَيْتُكِ مَكْسُوراً تَضُمِّي شَتَاتِيَ
وَتَجْلِي صَدَاً قَدْ رَانَ فِي كُلِّ نَادِ
رَجَعْتُ كَسِيفٍ فَلَّ صَبْرِي بَواتِري
وَتَجْلِي صَدَاً قَدْ حَلَّ بَيْنَ عِيَادِي
فَأَنْتِ الشَّبَابُ الغَضُّ إِذْ حَلَّ بِي
مَشِيبٌ يُحَاكِي صَرْخَةَ الأَعْيَادِ
بُزُوغُكِ فجرٌ صَانَ عُمْرِي مِنَ الرَّدَى
غَدَا نَبْضُهُ رَهْنَ الصَّدَى و الإِصْفَادِ
إِذَا مِتُّ قُولِي: مَاتَ صَبّاً مُوَلَّهاً
وَأَوْصَى بِيَ الوَجْدَ الَّذِي كَانَ عِمَادِي
إِذَا حَانَ حَيْني فَانْدُبِي صَبَّ عِيشَةٍ
وَأَوْدَعَنِي عهدَ الوفاء لِغَادِي
سَأَرْحَلُ لَكِنَّ الفُؤَادَ مُخَلَّدٌ
يُرَدِّدُ حُبَّكِ فِي صَدَى الإِنْشَادِ
سَأَمْضِي وَيَبْقَى النَّبْضُ فِيكِ مُرَتِّلاً
حُرُوفَ هَوَاكِ فِي حِمَى الآبَادِ
فَعُودِي بِوَصْلِكِ، إِنَّ كُلَّ طَبَابَةٍ
سِوَى لَمْسِ كَفِّكِ ضَلالُ الآرَادِ