مَرَّتْ بِنَا نَفْحَةٌ مِنْ رِيحِ غَالِيَةٍ
تَنْسَابُ بَيْنَ رُسُومِ الدَّارِ وَالكُثُبِ
فَإِذْ بِغَادَةِ حُسْنٍ هَاهُنَا وَقَفَتْ
تَشْكُو لِقَلْبِي تَبَارِيحاً مِنَ النَّصَبِ
قَالَتْ أَنَا الشَّمْسُ فِي العَلْيَاءِ مَسْكَنُهَا
لَكِنَّ نُورِي حَبِيسُ الحُزْنِ وَالكُرَبِ
سَادَ السَّوَادُ عَلَى أَيَّامِ مَمْلَكَتِي
وَضَاعَ عُمْرِي بَيْنَ الهَمِّ وَالتَّعَبِ
تَغَشَّتِ الثَّوْبَ ثَوْبَ الصَّبْرِ فِي جَلَدٍ
سَوْدَاءُ تَرْفُلُ بَيْنَ العِزِّ وَالأَدَبِ
وَفِي ارْتِبَاكٍ نَحَتْ عَنْ رَأْسِهَا طَرَفاً
مِنَ العَبَاءَةِ فِي سَهْوٍ وَفِي عَجَبِ
فَبَانَ لِي مِنْهُ بَدْرٌ كَادَ يَخْطَفُنِي
بَيَاضُ بَرْقٍ سَرَى فِي حَالِكِ السُّحُبِ
كَأَنَّ مِعْصَمَهَا مِنْ فِضَّةٍ صُنِعَتْ
تَجْلُو الظَّلَامَ وَتَحْكِي قِصَّةَ اللَّهَبِ
وَانْسَابَ شَعْرٌ كَلَيْلٍ طَالَ مَنْظَرُهُ
مِثْلَ الجُمَانِ سَرَى فِي أرْوَعِ القُضُبِ
سَوَادُهُ الفَحْمُ قَدْ حَلَّتْ ضَفَائِرُهُ
فَوْقَ المَنَاكِبِ مِثْلَ السَّيْلِ فِي الحِقَبِ
لَكِنَّ وَجْهَ المَهَا مَا زَالَ مُسْتَتِراً
خَلْفَ الخِمَارِ صَمُوتاً غَيْرَ مُقْتَرِبِ
رَامَتْ عُيُونِي سَنَا وَجْهٍ تُطَالِعُهُ
وَلَوْ مِنَ الخَلْفِ كَيْ أَنْجُوَ مِنَ الوَصَبِ
تَمَنَّتِ الرُّوحُ أَنْ تَلْقَى مَلَامِحَهَا
لَكِنَّ حَظِّي بَقِيَ فِي قَبْضَةِ الحُجُبِ
يَا ظَبْيَةً فِي الحِجازِ صَبْرًا
فَأَنْتِ رُوحٌ صَفَتْ كَالتِّبْرِ وَالذَّهَبِ
لَا تَحْزَنِي إِنَّ بَعْدَ العُسْرِ مَيْسَرَةً
تَأْتِي كَغَيْثٍ سَقَى الرَّوْضَاتِ بِالسُّحُبِ
يَا شَمْسَ هَذَا المَدَى لَا تَنْطَفِي أَبَداً
فَالفَجْرُ آتٍ وَنُورُ الصُّبْحِ فِي الطَّلَبِ
أَنْتِ العَزِيزَةُ فِي طُهْرٍ وَفِي شَرَفٍ
وَالصَّبْرُ شِيمَةُ مَنْ يَعْلُو عَلَى الرُّتَبِ
فَارْخِي عِنَانَ الرَّجَاءِ الحُلْوِ فِي ثِقَةٍ
وَدَعِي الهُمُومَ لِعَصْفِ الرِّيحِ وَاللَّعِبِ
بَيَاضُ كَفِّكِ قَدْ أَحْيَا رَمِيمَ هَوًى
وَسِحْرُ شَعْرِكِ قَدْ أَوْدَى بِذِي الأَرَبِ
فَكَيْفَ لَوْ كَشَفَ الوَجْهُ المَصُونُ لَنَا؟
لَذَابَ قَلْبِي مِنَ الإِعْجَابِ وَالعَجَبِ
طِيبِي نَفِيساً فَلَا شَمْسٌ تَمُوتُ أَسًى
مَا دَامَ رَبُّ الوَرَى فِي فَيْضِهِ الرَّحِبِ
عُودِي لِدَارِكِ يَا بِنْتَ الكِرَامِ فَقَدْ
رَسَمْتِ طَيْفاً مِنَ الإِجْلَالِ لِلْعَرَبِ