طَارَ الكَرَى وَنَأَى الحَبِيبُ المُسْعِدُ
فَالقَلْبُ مِنْ حَرَقِ الصَّبَابَةِ يُجْهَدُ
يَا مَيُّ، وَالظَّعْنُ المُوَلِّي حَسْرَةٌ
نَارٌ لَهَا بَيْنَ الحَنَايَا وُقُودُ
أَقْوَيْتِ رَبْعًا كَانَ يَبْهَجُ بِاللِّقَا
فَغَدَا بِهِ بَعْدَ الأَنِيسِ خُمُودُ
دَمَعَتْ بِهِ عَيْنِي تُسَائِلُ رَسْمَهُ
فَبَكَى الحِمَى، وَأَجَابَنِي الجُلْمُودُ
عَجَبًا لِهَذَا الدَّهْرِ كَيْفَ يَسُوقُنَا
لِلْبَيْنِ، وَالشَّمْلُ البَهِيجُ بَدِيدُ!
تِلْكَ المَنَازِلُ قَدْ تَغَيَّرَ حَالُهَا
وَمَحَا مَعَالِمَهَا السَّفَا وَالبِيدُ
يَا مَيُّ، كَيْفَ نَأَتْ دِيَارُكِ بَعْدَمَا
كُنَّا وَعَهْدُ الوَصْلِ فِينَا سَدِيدُ؟
لَهْفِي عَلَى أَيَّامِنَا بِتُرَابِهَا
إِذْ نَحْنُ فِي رَغَدِ الحَيَاةِ نَعُودُ
تَبْكِي السَّمَاءُ لِغُرْبَتِي وَتَوَجُّعِي
وَالنَّجْمُ فِي جَوْفِ الظَّلَامِ شَهِيدُ
لَكِنَّ فَقْدَكِ يَا أُمَيْمَةُ هَدَّنِي
وَاللَّيْلُ بَعْدَكِ مَا لَهُ تَبْدِيدُ
أَمْسَى فُؤَادِي بَعْدَ كُلِّ مَسَرَّةٍ
قَفْرًا، وَلَحْنُ البَائِسِينَ نَشِيدُ
مَا زِلْتُ أَذْكُرُ إِذْ نَظَرْتِ بِنَظْرَةٍ
فِيهَا الأَمَانُ لِذِي الأَسَى مَمْدُودُ
فَاليَوْمَ أَسْتَسْقِي السَّحَابَ لَعَلَّهُ
يَسْقِي رُبُوعًا لَمْ يَزُرْهَا العِيدُ
لَا النَّفْسُ تَسْلُو عَنْ هَوَاكِ وَتَلْتَهِي
لَا وَالَّذِي عَنَتِ الوُجُوهُ سُجُودُ
فَأَنَا الغَرِيبُ بِمَا طَوَتْ حَسَرَاتُهُ
وَمَعِي مِنَ الوَجْدِ المُقِيمِ حُشُودُ
تَقْضِي اللَّيَالِي وَالغَرَامُ بِمُهْجَتِي
كَالجَمْرِ فِي جَوْفِ الغَضَا مَرْدُودُ
عُوجِي عَلَيَّ يَا رِيَاحُ بِنَفْحَةٍ
مِنْ رِيحِ مَيَّ، فَعَهْدُهَا مَحْمُودُ
فَلَعَلَّ طَيْفًا فِي المَنَامِ يَزُورُنِي
فَيَزُولَ هَمٌّ فِي الفُؤَادِ عَتِيدُ
وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الحِجَارَةَ أُشْرِبَتْ
مَا فِي فُؤَادِي، لَالتَوَى الجُلْمُودُ