تخطَّ إلى المحتوى

شعر التفعيلة

١١٦ بيت

المتفرقات

في آخرِ الليلِ،

حين تتسلّلُ الذكرياتُ كالأفاعي من ثقوبِ الوسادة،

ويُبحِرُ النعاسُ في قاربٍ مثقوب،

أفتحُ نافذتي على لا شيء…

إلّا على قلبي،

يتدلّى من الغيمِ

كقنديلٍ انطفأ منذ قرون.

أنا لستُ هنا،

أنا نُقطةُ ضوءٍ

علقتْ في عنقِ السديم،

تتلوّى بين أصابعِ الغياب

كأغنيةٍ نسيتْ لحنَها.

أسيرُ في دهاليزِ نفسي،

وكلُّ بابٍ يُفضي إلى مرآةٍ

تعكسني على هيئةِ سؤالٍ:

من أنا

إن لم تعرِفني الأرضُ

ولا احتضنَتني الجهات؟

قلبي —

ورقةُ توتٍ

تقاومُ رياحَ تشرينِ الروح،

تتدلّى على غصنِ أملٍ يابس

وتُقَبِّلُ فراغَ الهواء

كأنّها تقول:

"ما زلتُ حيّة… ولو في الرمقِ الأخير."

رأسي —

مدفأةُ أفكارٍ خامدة،

كلّما نفختُ فيها الرغبة

لفظت رمادًا.

روحي —

بئرٌ مهجور،

تنعقُ فيه الأمنيات

كغربانٍ سقطتْ من كتبِ التاريخ،

وكلُّ من اقتربَ ليغرفَ منها

عاد عطشًا… وأكثر!

أبحثُ عني

في الممرّاتِ الضيّقةِ للطفولة،

فأجدُني أركضُ حافيًا

خلفَ ظلٍّ لم يكن لي،

وأضحكُ…

ثم أختفي!

مرّتْ بي المواسمُ،

لا وردةٌ انتبهتْ لوجودي،

ولا ثلجٌ اشتاقَ لجسدي،

ولا ريحٌ حملتني معها

حين رقصتْ مع الأشجار.

كأنّي

نقطةُ مطرٍ

ضلّتْ سُحبَها،

وسقطتْ

فوقَ صحراءٍ تتوضّأ بالملح.

يا أنا…

ألم نكنْ يومًا شعلةً؟

لماذا إذاً نحترقُ دون أن نُنير؟

ألم نغنِّ للحياة؟

فكيف أصبحَ نشيدُنا

أجوفَ… كقبرٍ نُقشَ عليه "هنا حلمٌ لم يولدْ بعد"؟

أُريدُ أن أصرخَ،

لكنّ حنجرتي بئرٌ بلا صدى،

وكلُّ ما يصعدُ منها

هو أنينٌ يتسكّعُ بين الأضلاع

ككلبٍ نبذهُ الجميع.

صوتي —

بوصلةٌ معطّلة

تشيرُ دومًا إلى التيه،

وكأنّ الجهاتَ الأربع

قرّرتْ أن تتآمرَ عليّ.

هل من خطيئةٍ أكبر

من أن تولدَ شاعراً

في زمنٍ أصمّ؟

أن تحملَ وردةً

إلى من لا يعرفونَ الفرقَ

بين العطرِ والبارود؟

يا غربتي في قلبي،

يا وطناً هاجرني

منذ أن تعلّمتُ الكتابة،

ما نفعُ القصيدةِ

إن كانت لا تفتحُ بابًا،

ولا تشفي ندبة،

ولا تعيدُ الغائبين؟

تعبتُ…

تعبتُ من ملاحقةِ الضوءِ

في دهاليزِ روحي،

كأنّي سجينٌ يبحثُ عن نافذةٍ

في جدارٍ لا ينتهي.

هل تُغفرُ لنا الحيرة؟

هل يُثابُ التائهون

إن أخلصوا التيهَ؟

هل يحنُّ الزمنُ

على من أضاعوهُ بالأمل؟

في داخلي —

مدينةٌ لا تسكنها سوى العيونِ المطفأة،

كلُّ ناصيةٍ فيها

تروي سيرةَ خيبة،

وكلُّ مقهىً

يسكبُ قهوته على وجوهِ المسافرين.

أمشي…

ولا تمسّني الأرض،

أنادي…

ولا تسمعني السماء،

أُحبّ…

ولا يعرفني الحب.

وحدها القصيدة

تفتحُ لي ذراعيها

كلّما ضاقتِ الحياة،

فأضمّها كأنّي أضمُّ نفسي،

وأبكي فيها…

كمن يبكي وطنًا

لم يزرْه يومًا،

لكنه يحفظُ نشيدهُ عن ظهرِ وجع.

فيا من يقرأني الآن،

إن وجدتَ اسمي في قصيدةٍ

كتبتُها دون وعي،

فاعلمْ

أنّي كنتُ أبحثُ عني فيها…

وما وجدتُ.