أبكيكِ والعيدُ الكئيبُ يَدُسُّ لي
بذؤابةِ الأفراحِ بعدَ خفاءِ
يمشي الزحامُ وكلُّ وجهٍ باسمٌ
إلا فؤادي غارقٌ ببكاءِ
جاءتْ تُزَفُّ إليَّ أطيافُ المُنى
فإذا هنائي ضاعَ في أشلاءِ
إني الذي جرحَ الحنانَ بغفلةٍ
وسقى جفونَكِ مرَّه بعنائي
إني الذي أدمى جمالَ براءةٍ
وجنيتُ من وردِ الخدودِ دماءِ
كنتِ الضياءَ إذا تكاثفَ ليلُنا
والنورُ يسري في عيونِ سمائي
كنتِ الأمانَ إذا ارتعشتُ من الأذى
والصدرَ يحوي عاصفَ الأنواءِ
وحملتِ عني من جراحي كلَّها
حتى انحنيتِ ثقيلةً بعبائي
تعبتْ جفونُكِ من سهادِ ليلِها
وسئمتِ صبراً في طويلِ بلائي
حتى خبا في مقلتيكِ بريقُها
وتكسرتْ أنفاسُكِ الخضراءُ
فرحلتِ عني لا بموتٍ ظاهرٍ
بل كاختفاءِ الروحِ في الأشياءِ
أنتِ الحياةُ وإن بعدتِ فإنني
أحيا على ذكراكِ لا بهوائي
أَبكيكِ وأنتِ الضوءُ غادرَ مُقلتي
فأَنا بِلا عينيكَ بعضُ بَكائي
أرثيكِ لا موتاً ولكن قسوتي
قَتَلَتْ ملامحَ ضحكِكِ الوضَّاءِ
يا من سكنتِ في الخواطرَ والهوى
ورعيتِ قلبي في ظلامِ رجائي
يا من بذلتِ الودَّ حتى أتعبتْ
روحاً تذوبُ كذوبةِ الأنداءِ
أرجو سماحَكِ إِن تَكَسَّرَ عُذرُنا
فالدمعُ يَفضَحُ لوعَتي وعنائي
أنا من هدمتُ الحُبَّ بعد ثباتِهِ
وفرطتُ في أسسِ الهوى بجفاءِ
أنا من جعلتُ الحبَّ ناراً حارقاً
وكنتُ أصلَ اللَّوعةِ الدَّأْماءِ
أنا من أطلتُ الحزنَ حتى أُتعبتْ
عيناً تذوبُ كما يذوبُ سناءِ
فتكسرتْ فيكِ الرقاقُ مشاعرٌ
وتبدَّدتْ كالعطرِ في الأجواءِ
وبقيتُ أحملُ في الضلوعِ جريمتي
وأجرُّ خطوي ثاقلَ الإعياءِ
وبكيتُ لو يجدي البكاءُ تَفَتَّتَت
من وقعِ دمعي صخرةُ الصحراءِ
واليومَ أمشي في الزحامِ مغيَّباً
وكأنني وحدي بلا أعضائي
أرى البسومَ تمرُّ والقلبُ الذي
في داخلي يبكي بلا أصداءِ
أشتاقُ عينيكِ اللتين تحملتْ
كلَّ العذابِ وقلةَ الإرضاءِ
ويداكِ كم مسحتْ لظى أوجاعِنا
واليومَ ترتجفانِ من بأساءِ
مدِّي يديكِ ولو بحلمٍ عابرٍ
فالعمرُ بعدكِ غارقٌ بعمائي
إني ندمتُ وما ندمتُ كذا أسىً
إلا لأنكِ كنتِ كلَّ رجائي
إني أحبُّكِ واعترافي شاهدٌ
يبكي ويرجو رحمةَ الغفراءِ
قاسمتُكِ الآنَ والضميرُ موثِّقي
ألا أعودَ لمثلِ هذا الداءِ
سأكونُ لطفاً، بل وعطرَ حضورِها
سأصونُ قلبَكِ صونةَ الأُمناءِ
سأكونُ ما ترجينَ لا ما خفتِهِ
وأعيدُ رسمَ الودِّ بالنعماءِ
وأذوبُ حتى ليس يبقى في يدي
إلا الذي يرضيكِ من إعطائي
فإن استطعتِ العفوَ يا نبضَ المُنى
فالعمرُ يبتدي ابتداءَ نجائي
عودي فإنكِ لم تكوني عابراً
بل كنتِ أمّاً في رُبى أحنائي
أمّاً تضمِّدُ جرحَ قلبٍ ضائعٍ
تسقيهِ من عذبِ الهوى بصفاءِ
لا تتركيني للظلامِ ووحدتي
فأنا بلا عينيكِ بعضُ بكائي
إن لم تعودي فانتهائي معلنٌ
وسأستمرُّ أذوبُ في صحرائي
يا ليلةَ العيدِ ارفقي بي ساعةً
فالحزنُ أفنى ما بقى بفنائي
إن لم يكن للريحِ نبضٌ يُرتجى
فليشهدِ العيدُ انطفاءَ ضيائي
واجعل عزائي أنني في حبِّها
أحيا وإن كان الفراقُ عزائي