لَقَدْ سُجِنَتْ رُوحِي بِقُمْقُمِ صَلْصَالِ
رَمَاهُ عَلَاءُ الدِّينِ مِنْ بُرْجِهِ الْعَالِي
غَدَا حِطَماً لَكِنَّمَا الرُّوحُ لَمْ تَزَلْ
حَبِيسَةَ قَبْوٍ رَهْنَ قَمْعٍ وَإِذْلَالِ
تُحَاصِرُهَا فِيهِ الْعَذَابَاتُ وَالشَّجَى
وغُرْبَةُ أَحْلَامِ الشَّبَابِ وَأَغْلَالِي
تَدُومُ بِهِ الظَّلْمَاءُ غَاشِيَةً كَأَنْ
تَوَقَّفَ فِيهِ اللَّيْلُ مِنْ دُونِ إِبْدَالِ
تَذَكَّرْتُ أَنَّ الْأَرْضَ يَطْرُدُ لَيْلَهَا
نَهَارٌ يُبَارِي الشَّمْسَ جَرْياً لَهُ تَالِ
يُقَابِلُهَا أَنَّى جَرَتْ بِمَسَارِهَا
ويَقْفُو خُطَاهَا فِي السَّمَاءِ بِتَجْوَالِ
فَقُمْتُ بِغَمْضِ الْمُقْلَتَيْنِ لَعَلَّنِي
أَرَى الضَّوْءَ تِذْكَاراً يَعِنُّ عَلَى بَالِي
فَمَرَّتْ أَمَامِي الذِّكْرَيَاتُ وَقَدْ غَدَتْ
عَزَاءً لِرُوحِي رَهْنَ طِينِي وَأَسْمَالِي
حَزِنْتُ عَلَيْهَا حَيْثُ طَالَ رُزُوحُهَا
بِزِنْزَانَةٍ تَبْكِي عَلَى حَالِهَا حَالِي
تَغُورُ بِأَعْمَاقٍ نَضَتْ أُكْسِجِينَهَا
بِسِجْنٍ كَبِيرٍ بَيْنَ دِمْنٍ وَأَطْلَالِ
يُحَاطُ بِأَسْوَارٍ مُحَصَّنَةٍ عَلَتْ
بِحَرْسٍ وَأَبْوَابٍ تَنُوءُ بِأَقْفَالِ
تَعِيثُ بِهِ الْجُرْذَانُ عَرْبَدَةً وَقَدْ
رَعَتْهَا خَنَازِيرُ الْمَنافِي كَأَنْجَالِ
فَمَهْمَا عَلَتْ أَسْوَارُ سِجْنِي فَإِنَّهَا
سَتَعْجَزُ عَنْ حَجْبِ الضِّيَاءِ بِآمَالِي
فَمَنْ يَسْعَ طَمْساً لِلْحَقَائِقِ كَالَّذِي
يُخَبِّئُ قُرْصَ الشَّمْسِ وَهْماً بِغِرْبَالِ
ويَجْهَلُ أَنِّي رَاسِخُ الْجَذْرِ شَامِخٌ
وأَمْتَدُّ أَجْيَالاً سَتُفْضِي لِأَجْيَالِ