هُنَاكَ..
عَلَى ضِفَّةِ النَّهَرِ كُوخٌ صَغِيرٌ
أُطِلُّ عَلَيْهِ بِعَينِ اشتِيَاقِي
فَأَبصِرُ جَدِّيَ يَجلِسُ
كَي يَشرَبَ الشَّايَ مُبتَسِمًا
وهْوَ يَنكُشُ مَا قَد تَبَقَّى مِنَ الذِّكرَيَاتِ
لِيَلتَقِطَ الأَمسَ مِن بَينِ عُشبٍ نَمَا فَوقَ أَرضِيَّةِ الكُوخِ
يَجتَرُّهُ فِي الحِكَايَاتِ،
نَضْحَكُ مِنْهَا
ونَهَربُ حِينَ عَصَاهُ تُهَدِّدُنَا بِالعِقَابْ.
وبَعضُ الدَّجَاجَاتِ تَنْكُشُ بالقُربِ مِنهُ
لِتَلقُطَ مَا قَدْ تَنَاثَرَ مِنْ أَكَلِهِ
جَنبَ مَقعَدِهِ الخَشَبِيِّ العَتِيقِ
الَّذِي قَد جَفَاهُ الشَّبَابْ.
وكُنتُ أَرَى جَدَّتِي تَحلِبُ الشَّاةَ
كُلَّ صَبَاحٍ
لِتَصنَعَ مِمَّا جَنَتهُ يَدَاهَا الفَطَائِرَ،
نَأْكُلُهَا،
ثُمَّ نَركُضُ خَلفَ الفَرَاشَاتِ حِينًا
وحِينًا نُهَروِلُ خَلفَ السَّرَابْ.
وكَانَ أَبِي يَعزِقُ الأَرضَ
يَبدُرُ فِيهَا الأَمَانِي،
يَقُولُ غَدًا سَوْفَ تُنبِتُ قَمحًا وَأُرزًا
لِأَجلِ صِغَارِي إِذَا مَا طَوَاِنِيَ الغِيَابْ.
وأُمِّي تُسَاعِدُهُ
تَحمِلُ المَاءَ فِي جَرَّةٍ يَقطُرُ الشَّهدُ مِنْهَا
تُوَزِّعُ بَسمَتَهَا لِلجَمِيعِ
تُغَنِّي..
فَتُحيِي بِذَاكِرَةِ الكُوخِ لَحنَ الإِيَابْ.
وتَمْضِي السُّنُونْ..
فَأُبْصِرُهُ طَلَلًا شَاهِدًا فِي الفَرَاغِ
عَلَى ذِكَرَيَاتِ الطُّفُولَةْ.
يُنَبِّئُنِي أنَّ تَحقِيقَ أَحلَامِ طِفلٍ صَغِيرٍ
بَدَتْ مُستَحِيلَةْ.
ويُخبِرُنِي أَنَّ طَائِرَتِي الوَرَقِيَّةَ
قَد كَسَرَتْهَا
أيَادِي السِّنينِ الطَّوِيلَةْ.
وأَنَّ الَّذِي كَانَ بِالأَمسِ لَيسَ يَعُودُ
إِذَا أَدرَكَتْهُ يَدُ الحَاضِرِ المُتَرَبِصِ بِالصُّبحِ
مُذ رَاوَدَتْهُ الأَمَانِي الجَمِيلَةْ.
أُحَيِّيهِ..
يُلْقِي عَلَيَّ ظِلَالًا تَفُوقُ اتِّسَاعَ السُّكُونْ.
وفِي رُكْنِهِ..
تَكتُبُ الرِّيحُ حِكمَتَهَا فَوَقَ أَورَاقِ عُمرِي
تُهَدِّئُ خَوفِي
وتَمنَحُ نَبضِي طُمَأْنِينَةً
لَا تُبَاعُ..
ولَا تُقْتَنَى بِالجُنُونْ.