تخطَّ إلى المحتوى

أنا لعنة معذبة البيان

غير معروف

٢٠٧ بيت

المتفرقات

أنا لعنةٌ معذبةُ البيان،

مضطربةُ الأنفاس،

غيور الأهواس.

بي وسواسُ قهريِّ الانحناء،

وكلُّ انحناءةٍ تتجلّى في عقلي

تخيفُ الأجراسَ والأعياد.

أرغمُ الفراغَ على العياء،

وأربكُ فلسفةَ القياس.

أنا سطحُ جناسٍ

تهربُ منه حبالُ غسيلِ العسس.

إغريقيُّ الاحتفال،

عابدٌ حتى في الانصهار.

أوهمُ العابرين في ليلي،

في مفازاتِ العراء،

أنَّ الجمرَ، والقهرَ، والوجعَ

وليمةُ الصبر،

وطوقُ نجاةِ الشعرِ الغريق.

أنا بقيةُ منفى في ليلٍ دفين،

وبقيةُ أثرِ مصلّى

في حلمِ شهيد.

عالقةٌ بأصابعي

أسماءُ نساءٍ كالضباب،

أحببتُ منهنَّ من اختفت

ذاتَ صباح،

وتركت فاتورةَ الجراح.

تعلّمنَ مني همسَ الوسادات،

فصرنَ شاعراتٍ بلا تفعيلات،

حتى الشعرُ في حفلةِ النثر

لا يفهمن أنه أصعبُ من البحر.

يسكنني قهرٌ قديم،

له ظلالٌ وأطواقٌ

تسبقني إلى العناق والقبلات.

كم تدرّبتُ على تفادي الاشتباك،

لكنني، كما كنتُ دائمًا،

أدرّبُ باقاتي على العشق

في الشتاء خفية

ثم أختفي بلا رسالةٍ

في الربيع.

حتى تجلّت لكبريائي

خادمةٌ في ارتجالِ الزمن،

ذاتَ سقطةٍ على سلّمٍ

كثيرًا ما امتحن سكري.

تغسلُ ضعفي،

وضعفَ ضعفي،

وتضحكُ من قيءِ الليلِ الخجول.

قالت وهي تمدُّ منديلها

إلى أثرِ الضعف:

" إنَّ الغفرانَ متاحٌ

بلا دعاءٍ ولا نواح.

يكفي شهوةُ الإياب،

أن تحنَّ ليدٍ من سديم

تمتدُّ في الخفاء. "

كانت عيناها ترتجلان حدَّ البصر،

تشفقان من تصدّع اتزاني،

تعرّيان ضعفي مهما تستّرت.

وكان ليلُ جفنيها الخفيُّ ينطق:

لا ترمّم صلابتكَ بفضولِ الجيران.

يكفي أنَّ شقّتَكَ ذبيحةٌ،

مؤجّلةُ القرار،

حائرةٌ بين غبارِ الأحذية،

وبلاغةِ الصخرِ والأقبية.

أنتَ منهكٌ بين الحياةِ والموت،

لا سبيلَ لك إلى نشوةِ الهروب

سوى الهروبِ منك إليك.

فاهرب منك إليك

بوصلةُ النبيذ في غفوة

عن شمالَ واحاتِ الروح،

ولا مظلّاتُ الكؤوسِ النديّة

تحميكَ من شتاءِ صبحِ الحقيقة.

قلتُ لها،

في ظل عنوانِ جريدةٍ متعبة:

إن كانت الحكمةُ بقيةَ قناعة،

فأنتِ امرأةٌ حكيمة.

تغسلين خوفَنا من خوفِنا،

حتى غباءَنا.

كأنها سمعتْ ما لم أقل،

فتسلّقت حبالَ تلعثمي،

وقالت وهي تخصبُ الدهشة:

"ألا تعلمُ أنَّ ربَّ السماءِ

ينزلُ إلينا ليلًا بلا أسماء؟

يمنحُنا جرعتَنا في الدعاء،

ويوزّعُ صفاتِه

على الغرباءِ والموتى أحياء. "

تتمة القصيدة بالبنية نفسها:

تمنّيتُ لو كان القولُ ممكنًا

أن أقولَ لهذا التعبِ الجميل:

إنّي كبريتٌ فاسدُ العيدان،

لا ينعشُ شجرتَه المحترقة

أوردةُ الأولين

ولا الأدعية.

أشعلُ، لا غير،

فتيلَ الخيال،

ولا أقفُ ليلًا

عند بابِ السماء،

لأنَّ الشعراءَ

قدرُهم

الموتُ غيلةً

بخنجرِ الكلمات.

فالسماءُ تركتنا للغفران،

ومضتْ تحصي كلَّ عام

صدقاتِ النبلاءِ

والقتلة.

تمنّيتُ لو جاز البوحُ للسلالم،

فأنا بلا بندقيةٍ

في جبهةِ الاشتياق،

أحملُ ما يكفي من النار

لأضيءَ خرائطَ الغياب،

لكنني أغيبُ

عند اللقاء.

صعبٌ

أن تنتظري نزولَ ربٍّ من السماء،

وهو قريبٌ منك...

فيكِ نفخةٌ منه،

تربطكِ به.

فلا حاجةَ

لطابورِ الليل...

اللهُ كما يعرفني

يسكننا

منذ البدء.

قالت،

كأنها سمعتْ شهوةَ القول،

تقولُ شعرًا

يليقُ بالحانات.

وأنا

غصنٌ ذبلَ من كبرياء،

هربَ باكرًا

من نعيمِ الخمّارات.

ومضتْ

تغسلُ غرفةَ الغريب،

فرأيتُ

في عينيِ الجدار

تربّصَ المرآة.

أنا طائفٌ

يوقظُ شهوةَ الجدار،

ويعطّلُ

حيادَ الستائر.

أنا لعنةٌ خالدة...

شهيةُ النداء.

أسكنُ

تفاصيلَ هروبِ أنثى

من قسوة الذكريات.

لا شيء أزليٌّ...

رفقةُ الزندِ والغمد.

أنتِ، سيدتي...

تلعنينَ الحانات،

لأنكِ

تجيدينَ الضحكَ

في وجهِ الخيبات.

ولا ترمينَ

نردَ القواميس،

مأساتي...

أنَّ الكلماتِ بيعتْ

لنخّاسِ اليراقاتِ المكتملةِ الكعب،

فلم تعدْ ترى في النواقيس

غيرَ الحديد... والصدأ.

قلتُ يومًا لامرأةٍ

من طينِ غوايتي، مضمّخةٍ بالمطر:

سأظلُّ قلبَ الحريق.

حين تغربينَ عند طرفِ سرير،

أكونُ ما يبقى من الرحيق،

ومن الشهيق،

ومن العتيق.

مهما تواريتِ خلفَ الزمن،

وتبدّلتِ الخرائطُ والبوصلات،

فكلُّ سريرٍ يهزّكِ

يسكنهُ إعصاري، ومطري، وشغبي.

وكلُّ ضحكةٍ تغريكِ في الخفاء

تحملُ شيئًا من أسراري.

فأنا لعنةٌ...

تزهرُ بها زهرةُ غوايتك.

قد أختفي...

لكنَّ جحيمي لا يختفي.

أنا أكثرُ من وجهِ ذكرى،

أنا الوجهُ الوحيد،

ولو في حفلةِ التنكّر.

سأظلُّ سقفَ قبلةٍ

هاربةٍ من شفتيك.

حين تتهاوى الأعذار،

وتتعبُ الأخطار،

وحين يدفعكِ الخيالُ الدافئ

إلى سفرٍ لا يعترفُ بالخرائط،

سأكونُ ملمسَ الغطاء،

ورائحةَ الجدار،

وصوتَ الماء

في سقفِ العراء.

أحمقٌ هذا الشعر...

بالأمسِ كان كبريتُه يشتعلُ بالحضور،

واليوم... يشتعلُ بالغياب.

أنا عصارةُ كلِّ المتع،

قطرةٌ مني على شفتيكِ،

وارتعاشةٌ على كفّيكِ،

تكفي لتختصرَ بين عينيكِ

ألفَ منفى.

أنا لعنةٌ... لن أغادرك.

في كلِّ وجهٍ سيزهرُ أثرٌ مني،

وفي كلِّ مرآةٍ سينقصكِ وجهي.

وفي كلِّ سريرٍ ستنهضُ ريحٌ

تعرفُ اسمي.

وكلُّ لمسةٍ ستظلُّ تبحثُ عني،

كما يبحثُ الرمادُ عن آخرِ جمرة.

فإذا ظننتِ أنني عابرٌ كمقام الغجر،

ستفتحُ حتما ذاكرتُكِ نافذةً صغيرة،

وأدخل... كأولِ خطيئة،

وكآخرِ غفران.

من أجلِ

ابتسامةِ شهية

تشعلُ غابات متوارية.