لا أحد سيكون معك.
سوى ظلالٍ تعبر على عجل،
تترك على الجدار
خربشاتٍ أقدم من الندم.
ستقرؤها، كما تُقرأ الندوب،
ستتعلم تأويل أثر الأظفار،
ستتعلم هلع الخطوات عند الفجر
حتى يغدو وقعها
تأويلا للرغبات الخفية.
أنت في قبوٍ خفي،
كلما ظننته الأخير
فتح بابًا إلى قبوٍ آخر.
الحجارة، منذ أفاقت من نومها،
تحفظ أسماء الزائرين،
توقظ في كل وافد حلمًا لا يكتمل.
الجدران تطعم بنهم
من وليمة البكاء والجنون.
والحارس، بعد مليون حج،
لم يعد ينتظر الخلاص...
تعلّم أن يغسل العفونة بلا ماء،
وأن يتركها تلتصق بالأيام.
كأنها جلدٌ ثانٍ.
لا أحد يسأل عنك.
ستصبح جزءًا من عتمةٍ
تعرف اسمك أكثر مما تعرفه أنت.
وستدرك، متأخرًا،
أنك لم تكن سوى فكرة
طُلب منها أن تتوب،
أن تعترف بأن الهتاف جنون،
أن السماء قسمت الصلاة والمجون
بعدالةٍ لا يفهمها أحد.
الأصدقاء سيختفون
واحدًا بعد آخر.
كلما التقوا صدفة...
قالوا، حتى يسمعهم باب العليم:
"لم يكن معنا...
تسلل إلى حياتنا...
لم يكن منا...
كان مجرد هفوةٍ في ليالينا،
وكان جليسًا ثقيل الظل
@يطيل الصمت. "
سيكون عليك
أن تعشق كل حرفٍ
في محضرٍ يلبسك كفنًا.
سترافقك حكاياتٌ
نجت من النسيان،
ورغبةٌ يتيمة
في أن تبدأ من جديد...
لا لتنجو،
بل لتنام.
قد تستعيد مقهاك القديم
على رصيفٍ يخشى النزيف.
قد تسافر،
مثل كل المعذبين،
في عطلةٍ مزيفة،
وتلتقط صورًا
لوجهٍ
لن تتعرف إليه.
سيتركون الضوء
معلّقًا فوق جفنيك،
لا ليهزم الظلام،
بل كي يجامل الليل،
ويسمّيه
ضرورة الغفوة.
وكلما اقتربت من الغفوة
أعادك السؤال القديم،
ووجه الحارس العابد.
سؤالٌ بأصابع تعرّي الكبرياء،
ثم سؤالٌ بصدمةٍ تنهي صبر الكلمات،
ثم سؤال... بشتيمةٍ ثقيلة
تفشي خوف غرف النوم،
حتى يصبح رأسك غرفةً
لا يسكنها إلا الصدى.
لن يسألوك عما تعرف،
سيسألونك عما لا تعرف،
حتى تشك في اسمك،
وفي تهمتك الأصلية.
فالاعتراف الحقيقي
لا يزهر قضيةً،
قبل أن تمنحهم قصةً
عن عالمٍ خفيٍّ بلا هوية،
وأنت...
مجرد توقيع.
يد.
لطمة.
ركلة.
صفعة.
جحيمُ ضوءٍ
تناوب على الغرفة،
وهوياتٌ
تخرج من قبعة العذاب.
وحين تعطش.
ماءٌ لا يطفئ ظمأً،
وماءٌ يغرق رغبة العطش.
صمتٌ
يؤجل بغرور
مخاض الاعترافات العلنية.
سؤال... ثم سؤال.
ستنسى عدد الأيام،
وستقيس النهار بعدد الزيارات،
والليل بعدد الغفوات التي لم تأت.
سيغادر اسمك جلدك.
من أنت؟
وكلما ناداك أحد،
التفتَّ
إلى رجلٍ آخر
في ذاكرتك.
وكيف تنام... ألا تنام.
عليك أن تتهم الحرية بالنزوة،
وأن تتهم رجلًا لا تعرفه
بالنظرية والزعامة،
وأن تمنحه تهمةً نهائية
لتسترد غفوةً واحدة.
لا أحد سيكون معك.
حتى اسمك المتلعثم
تنكّر لعارك العاري،
فأنت عارٍ
إلا من ذكرى.
ستعطش وأنت تغرق
في سطل ماء... وعفن.
ستشتهي العتمة
كما يشتهي الجائع رغيفًا.
ستطلب الموت.
سيقف خلف الباب طويلًا،
بوجهٍ يشبه الموت.
حتى إذا دخل...
اكتشفت أنك تعرفه.
كان بين الأصدقاء.