حين لثم القمر جبين المدى،
ارتبكت الكناية...
تسابقت الاستعارات
حتى نزفت ركب الشعراء...
كانت نجمة عابرة
تجر خلفها حقائب الضوء،
تحدق في قسوة العدسات.
لم يكن القمر حزينا،
كان يحمل صدى عالقا
على سطح لا يعرف اسمه.
علقوا على حلمه
نظارة باردة،
قاسوا غربته
بمقاييس لا ترى.
وحدهم الشعراء
يصعدون إلى جرحه
بسلم من هشاشة،
يكسرون زجاج النظر
كي لا يبقى الضوء
رهين العين.
كان القمر يعيش
خارج الهواء.
هواء آخر
يتنفسه في زحمو العبارات.
في دفاتر البشر
كان القمر استعارة مزيفة
قالوا
حجر.
لا ماء فيه،
لا مطر،
لا حياة.
لم يفهموا
أن الضوء ليس ملكا لأحد،
وأنه يعود كل صباح
إلى اليد التي منحته.
ظل يقلب الصفحات،
لا بحثا عن الحقيقة،
بل عن الاسم الذي سقط منه.
وحين لم يجده،
مضى...
واختفى...
ليس لأنهم سموه حجرا،
بل لأنهم لم يسمعوا
حكاية الأصابع
حين تفيض بالماء،
ولا أسرار القناديل
حين تضيء بلا فتيل.
نام.
في نومه
كانت المراصد
عيونا زجاجية
تلتهم المسافة.
تحصي شقوقه،
تزن صمته،
تكتب على جسده البعيد:
لا حياة هنا.
ابتسم.
أرسل غصنا من الضوء
إلى عابر. ضل طريقه.
جاءه صوت
لا من حنجرة،
بل من ذاكرة الماء:
يا رفيق القوافل الأولى،
يا بهجة القوارب والعاشقين،
يا معطف الغريب
في خريف لا ينتهي...
لا تحزن.
انكسر الضوء.
لم يعد موجا،
ولا مرآة.
صار ذاكرةً تمشي.
نهض البحر
كطفل فقد اسمه.
تركت الصبايا
آثارهن على الرمل،
ثم محاها الموج
كي لا يشي بأحد.
لامست الجدات
قنديل السماء،
انساب الضوء
على أهدابهن
كحنين لا يعرف الطريق.
كانت الطرق
تمشي بلا وجوه.
وكان الليل
يمحو ملامحه
ليتذكر نفسه.
صمت القمر...
حتى السؤال
فقد صوته.
طوى بياضه،
اختبأ في الوجه
الذي لا تراه الأرض.
ظنت النجوم
أن السماء فقدت صوابها.
ظنت الظلال
أنها أثقل من أصحابها.
أما البحر،
فبقي يصعد إليه:
موجةً... موجة.
كأنه يسدد دينا قديما
للضوء.
في لحظة المد،
لم يكن الموج يتحرك.
كان يتذكر.
كان يعلّم الصبايا
كيف يتركن الجسد
للجهة التي لا اسم لها.
كلما أخفى البحر وجهه،
أضاءته المياه.
وكلما أمسك الضوء،
هرب منه
كسمكة تعرف يد الصياد.
رأى الشجرة
تأكل ظلها كي تبقى.
ورأى النبع
يشرب من عطشه.
رأى الضوء
يتكلم بلغة البشر،
ثم ينطفئ
ككلمة فقدت صاحبها.
فعاد يدور.
لا حول الشمس،
ولا حول العالم.
حول سرٍّ
لم يُخلق للعدسات.
منذ تلك الليلة،
حين يكتمل المد،
لا يقرأ البحر القمر.
بل يستعيده.
في قصيدة شاعر
يراه العالم
من ثقب استعارة.
كأن الكون،
كلما ظن أنه فهم نفسه،
أعاد كتابة اسمه
بتأويل لا بفهمه الراصد.