تخطَّ إلى المحتوى

ألبس القصيدة المصيدة

غير معروف

١٤١ بيت

المتفرقات

أُلبِسُ القصيدةَ المصيدة

قميصَ آخرِ الليل...

كم تعشق ثوبها الشفاف

حين تغازلها أعمدة الضوء

وصياح سكارى منتهى الصحو.

ذلك قدري...

كأنني من بشرٍ

وُلِدوا ليسهروا

في عينِ الدهر،

لا من وجعٍ يوقظه

سباتُ الضوء.

حياتي... أشهى ليلًا،

تُلهمُ أحوالًا ومقاماتٍ،

وتمضي بي إلى آخرِ سدرةِ الكلام.

أجرِّبُ في ارتباكِ القصيدة،

ضعفي... ونزوتي.

فكلما أغلقتُ ما سمَّوه

نعمةَ الذاكرة،

توسلتْ إليَّ كلُّ قصيدة،

ألا أتعرى في المدى

على سطوحِ الكلمات الهشة

حيثُ تُحصي عيونُ الشرفات

خطايا الظلال والستائر.

مرَّ غريبٌ في جبهةِ البوح،

شدَّ حبالَ الكلامِ المتعثِّر،

وقال: أنا الميتُ

على قارعةِ الطريق.

قتلتني نافذةٌ مزيفة الحبق

أرهقها الانتظار والسهر

فتعلمت تربية النسيان

وتعفنتْ ذكراي

فكل عابر يؤول غيابي

بغبارِ الخديعة.

قال:

لم تعدِ الشرفاتُ تعشقُ البوح

لا عاشقةٌ تحفظُ الأغنيات،

ولا عابرٌ في حياء الصدف

يرفع قبعةَ الإلحاح

ولا راوٍ يصعدُ بالشغف

من بشريةِ الألم اللذيذ

إلى ألوهيةِ إغريقية

تسرق أمجاد المحاربين.

وامرأةٌ من دفاتر الاكتمال

كانت تمشي في خيالي

عارية الرغبة والدهشة

خلفَ فراشاتِ الوقت،

تلتقطُ الضوء الهارب

من شقوقِ العتمة،

تلوِّحُ لي،

ثم تختفي.

وقناعٌ يفتِّشُ في الشعر المرهق

عن وجهِ امرأة تستعير الكلام

من بائع متجول للخيال،

تفتش عن حقلِ قصبٍ

لم تكتبهُ اللغةُ بعد

تركَت قلبًا ينبضُ

فوقَ رعشة اللوعة

وأثرًا عله لا يفشي

فضيحة ضعف الأصابع

حين لا يسكنها خفية

طير المجاز ولو مقايضة

في منتصف ليل الشعراء.

وفتاةٌ خرب سقفها كبريائها

قطيع العابرين في خيمتها

قالت:

«جميلٌ شعرك... لكنَّ حزنَكَ

أبعدُ من نزوتي. »

وقارئٌ خرجَ لتوِّه

من حانةِ البهاءِ،

تركَ مظلَّتَه،

وانتظر المطر.

لم يفهمْ سرَّ المظلَّة،

غيرُ صديقٍ. كان يسكنُه الماء.

قال: هذا رسَّامٌ...

تخونُه الكلمات،

فيكتبُ بالماءِ

ما تعجزُ عنه الأقداح.

وقلتُ: لنجعلْ

للأسماءِ لعبةً أخرى...

لن نبدِّلَ القصيدة.

لن نمسَّ جرحَها،

ولا رعشةَ الحبرِ

في أصابعِها المرتجفة

سنبدِّلُ... الاسمَ فقط.

ونعلِّقُ فوقَ الصفحة

وجهًا بهيا يجيدُ

اصطيادَ عيونِ العابرين.

ونتركُ للشهوةِ

أن تكتبَ قراءتَها.

فمُسِخَتْ... حتى غدتْ

كلامًا لا علة فيه ولا عوج

يتوكأُ على الفراغ.

لا صورةَ توقظُ،

ليل الغابرين ولا السفاح

ولا استعارةَ تهرب من تهمة الرياح

مجرد كلام ينعي موته،

ولا موسيقى تُرمِّمُ

كسورَ الصمت

ولا قضية تصوب بوصلة البرية.

ونشرتُ

إلى جوارِ النصِّ الغض

صورةَ امرأةٍ مصنوعةٍ

من رغبةِ العيون.

ووقَّعتُ باسم ولّاعة

الشاعرةُ العاشقةُ

للنار والثلج والصهيل.

وانتظرتُ... ثوانيَ فقط.

حتى انتظمَ الطابورُ

وجثا نزوات أمامَ القصيدة.

جاءوا... يحملونَ كأس المديح

نسوا أن النص مجرد فوضى

فارتفعتِ القبعاتُ،

وازدحمتِ الأكفُّ

بالتصفيق والتكريم

قالوا:

ما أبهى هذا النص!

ما أعمق هذه الشاعرة!

وكانتِ القصيدةُ الحقيقية

تبتسمُ في سرِّها...

لشاعر لا يشعل فتيل النزوة

كانوا يقرأونَ الاسم العاري

ويُحدِّقونَ في الصورة

يفتشون عن مداخل مشرعة

نحو الجسدَ البض

قبل المجاز والنبض

والوجهَ كأنه ينادي

سريرا مفتوح الرغبات.

ونزعتُ القناع عن الصورة الفاتنة

وأطفأتُ «ولّاعة» اللاقراءة

فعادَ الاسمُ إلى صاحبِه الخفي

وانطفأَ التصفيق العلي

وتراجعَ المديحُ كما يتراجعُ

دخانٌ عراه خجل العويل.

ولم يبقَ غيرُ القصيدة،

تواجهُ قارئًا وحيدًا،

يعرفُ أنَّ اللغةَ لا تحتاجُ

وجهًا كي تُبصر.

عندها...

أدرك المجاز أن هذه الفوضى

لم تكنْ سوى مصيدةٍ لغويّة،

سقطَ فيها قطيعُ الذئاب.