ما كنتُ شقيًّا بوطني،
كنتُ أسكنه،
ويسكنني،
يعرفُ خطايَ،
وأعرفُ هواه.
أصافحه كلَّ صباح
دون خريطةٍ،
ولا مفتاح
أقطعه دون دليل
أفتح كل سر جميل
في حكايات المسافرين
وفي خيالي يضحك من شغبي
لا يغضب حين يصخب لعبي
لا يمل من تدمري وغمغماتي.
أعرفُ متى تمطرُ السماءُ وتغمر،
ومتى تهبُّ الريحُ القوية،
دون نشرةٍ جوية،
ولا بلاغ الداخلية،
ولا نشرة أمنية،
ولا نشرة أخبار فصيحة،
ولا خطيبٍ بلغةٍ كسيحة،
ولا محللٍ يشرح معنى الانتماء،
والوطنية،
والوفاء،
والولاء،
ثم يعرّج على بيت الأهواء.
كان الوطن يومها
أبسط من كل التعاريف...
كنا نعرفه في موقد أمي الجليلة،
وفي قفة أبي السعيدة،
وفي أعراس الجيران،
وفي جنازاتٍ عابرة،
فيغمرنا الحزن،
ونبكي خفية.
كنا نعرفه في ضحكة أبي البهية،
وفي حناء كفّي أمي،
وحين تتيه صبية
فلا تخلع القلوب ولا تجزع،
نجدها دوما عند الجيران.
كنا نعرفه في الأعياد والأفراح،
وفي نشوة الدروب والسحاب.
لم يكن رايةً ولا لواءً،
يرتجف على البنايات في المواسم،
ولا نشيدًا يعلو فوق المنصات،
ولا خيبة انتخابية دورية
تتجدد بين تعبٍ وآخر.
كان شيئًا خفيًّا... واضحًا:
رائحة التراب بعد المطر،
وصياح ديكٍ يوقظ الفجر من غفوته،
ويد أمي
تسبق المدينة إلى الاستيقاظ،
وهي ترتب حقيبتي المدرسية،
كأنها تعصر الحلم بين أصابعها.
كنتُ صبيًّا أرى وطني
بقدر الطريق إلى المدرسة،
وبقدر الغبار العالق في الحذاء،
وبقدر الأشجار التي تعرف أسماءنا
وتضحك من خصوماتنا الصغيرة.
كنتُ أراه
ينتهي عند حقل شعير،
ويبدأ عند ابتسامة امرأة في الزقاق
تفتح النهار للناس،
دون أن تعرف أنها تفعل ذلك.
أراه في وجه الخضار،
وفي ميزانه الخشبي
الذي يعلّق دعاءً صغيرًا
نمشي به دون أن ننتبه.
وفي ساعي البريد،
كان يوزّع الرسائل كأنها قلوب،
يحمل قلق الأمهات،
ولهفة العشاق،
وصبر الغائبين.
كان يعرف أن بعض الرسائل
أثقل من الجبال،
وأن بعضها الآخر
وطنٌ مطويّ بين سطرين.
لم أكن شقيًّا بوطني.
في نشيد الصباح،
كنت أضمه كأنه بيتٌ دافئ،
في ساحة المدرسة البعيدة،
في ضحك الصغار،
وفي تعب المدرسين
الذين ما زالوا يؤمنون بالضوء
نجاةً ممكنة من العدم.
كان الوطن بسيطًا إلى حد العجب:
رغيفًا ساخنًا،
سردينًا رخيصًا،
وبحرًا يفتح ذراعيه
لأجساد صغيرة لا تعرف التعب.
كان البحر يعرف أسماءنا،
والرمل يحتفظ بذاكرة أقدامنا،
والشمس تكافئ فقرنا
بأصيلٍ شهيّ الطلعة...
كان يكفينا أن نلتقي مساءً
في ساحةٍ صغيرة،
ونصدق أن الغد قابلٌ للحياة.
لكن شيئًا ما حدث.
كبرت...
وكبرت الأسئلة،
واتسعت المسافة عن المسافة
بيني وبين جنتي الصغيرة،
فتاه عني يقيني
في حقل الشعير،
وفي قنديل عجوز
كانت تشفي سعالي
بجرعات ماء
بات ليلةً والنجوم.
وكبر الوطن أيضًا،
لكن ليس في اتجاهنا،
صار أكبر من أن يُرى
دفعة واحدة،
وأثقل من أن يُفهم ببساطة.
اختفت الطمأنينة البسيطة،
وتبدّل نشيد الصباح،
وصار الكلام باردا...
لكن بلا خيام...
تعبت السبورات من الشعارات،
وتشابهت الأسئلة
حتى صارت الإجابات غبية.
اختفى ضوء الوجوه العابر للوجع.
ومع كل خطوة نحو الكبر،
كان الوطن يتسع...
وتصغر الأحلام في داخلي.
تباعدت الوجوه والأعراس،
وتباعدت المسافات والأغراس.
حتى الصمت
لم يعد صامتًا كما ينبغي...
كان الصمت في شتاء الحكايات
وقارًا لكلماتٍ ساحرة
تخرج من أفواه الجدات.
ها هو الصمت كما ينبغي،
لكن خوفا من لعنة الوشايات.
وصارت المدن أكبر،
لكن دفء النوافذ أقل،
وصارت الطرق أوسع،
لكن الوصول أكثر قسوة.
وصارت الكلمات أكثر نزقًا،
لكن الحقيقة مخيفة.
أحيانًا أبحث عن وطني القديم،
فأجده مختبئًا
في رائحة رغيفٍ غابر،
في صوت بائعٍ متجول،
أو في صلاة مدرسٍ متشائم
لم يغفر لهذا التحول
قتل أعراس السبورات.
أجده في الهامش،
لا في الضجيج،
في البسطاء،
لا في الخطب.
كلما ظننت أن الوطن ابتعد،
أكتشف أنه ما زال هنا،
في من لم يتعلموا
كيف يحولونه جسرًا.
ما كنتُ شقيًّا بوطني،
لكنني كلما كبرت
أدركت أن الأوطان
لا تؤلمنا لأنها تكرهنا،
بل لأنها تشبهنا...
وإن سرقت منا.
لكنها تكبر معنا،
وتتعب معنا،
وتشيخ فينا.
لهذا ما زلت أحبه
حبًا مشوبًا بالحيرة،
والأسى،
والرجاء.
وما زلت كلما رأيت طفلًا
يمشي نحو مدرسته
أشعر أن الوطن الحقيقي
لم يغادر تمامًا.
ما زال هناك...
يمشي بحقيبة صغيرة
وحلمٍ لا يُختصر