حطّمْتَ قيدَكَ بعد الكدِّ والدَّأَبِ
فطِرْ بروحِكَ محمولاً على الشُّهُبِ
من حلَّ مثلك في الفردوس ضاحيةً
هيهات يأسى لدنيا البؤسِ والوصبِ
هيهات يأسى لدنيا من طبائعها الْ
إِغراقُ في اللؤم والإغراق في الكَلَبِ
لولا افتتانُ بنيها في بهارجها
لكان أجهلُهُم أدعى إلى الهرب
كفاك منها احتقارًا للنبوغ بأن
تذريه عابثةٌ للدود في الترب
تلك المهازل من كونٍ ومن بشرٍ
مررْتَ فيها مرورَ الشيخ باللعب
أبا السوانحِ لم تنسجْ روائعَها
إلا لتجعلَها في ذمّة الحِقَب
للشمس من قُنن الميزاب ما نثرتْ
على يراعتك الشهباءِ من ذهب
وللعواصف والأمطار ما تركتْ
على نواصيك من ثلجٍ ومن سُحب
وللنيازك في الأبعاد ما خلعتْ
على عزيمتك الشَّماء من لهب
تغيب عن أعين الدنيا أباطرةٌ
فيضحك الدهرُ للأصنام من خشب
ويقبض الموت منا كلَّ نابغةٍ
فيكْفَهِرُّ الضحى حزنًا على الأدب
حزنًا على من أدار الكأسَ مُسكرةً
من خمر فكرته لا خمرةِ العنب
حزنًا على قلمٍ مدَّ الغمام له
أذيالَه فهمى باللؤلؤ الرطب
أبا الثمانينَ ضمَّتْ في مطارفها
جيلاً تَقَمَّصَ أجيالاً من العرب
الناقدُ الحرّ تزهو تحت أنملهِ
طرائفُ النقد بين الجدّ واللعب
ذكرتُه وَهْوَ أستاذٌ يلقِّنني
ما جاء أو لم يَجِئْ، في عالم الكتب
وقولُه لِيَ لا تجزع لكارثةٍ
فالعلمُ عدة أهل الفضل للنُّوَب
لا يقهرُ السيفَ الا حاملٌ قلمًا
إنّ اليراعَ بكفِّ الحرّ كالقُضُب
ما هدَّ «يلدزَ» أسوارًا وطاغيةً
سوى يراعٌ بحبل الحق معتصب
قد كان عصرٌ به للسيف دولتُه
وللأساطيل ما للجحفل اللَّجِب
واليومَ عصرٌ غزا العلم الفضاء به
يدور كالشمس من قُطبٍ إلى قُطُب
فخذْ بأسبابه إن العلا سَهَرٌ
وفكرةٌ تلتظي كالنار في الحطب
حسبُ الأديب إذا ما فاته نَشَبٌ
يراعةٌ كشعاع الفجر من قَصَبِ
حسبُ الفنون وحسب العلم أنهما
نورٌ محا ظلماتِ الجهل والريَبِ
تزدان بينهما الدنيا بما زرعتْ
من المواهب في أبنائها النُّجُب