رُمِينا ، وكُنَّا قَبْلُ يُخْطِئُنا الرَّمْيُ
فَلَوْلا رَمانا غيرُكُمْ أيّها الظبْيُ
رَمَيْتُمْ بِسهمٍ لا يُرَدُّ وإنّما
يُقالُ لَهُ : مِنّا الدِّما ، وَلَكَ الرِّيُّ
وإنّ لكمْ فينا لَما تَرْتَضُونَهُ
حَلَلْنا لكمْ صَيْدًا هَنيئًا ، ولا بَغْيُ
وما كانَ قلبي بالمُباحِ ، وَلا الذِي
يُظَنُّ بِهِ لَهْوٌ لَدَى الحُبِّ أوْ هَذْيُ
وما كان خِلْوًا قَبْلَكُمْ مِنْ أحِبَّةٍ
ولكنَّهُ لَمْ يَهْوَهُمْ وَهْوَ مَحْنِيُّ
تَدَلَّلْ فَقَدْ حُكِّمْتَ غَيْرَ مُراجَعٍ
وحُكْمُ مُلوكِ الأرضِ بَعدَكَ مَعْصِيُّ
وما أنا إلّا ماجِدٌ كُفْؤُهُ السَّما
وحَسْبُكَ طَرْفٌ ما بِكُفْءٍ لَهُ شَيُّ
وإنّي لَيُنسِينِي وصالُكَ ساعةً
سِنينًا قَضَى فيها بِحِلِّ دَمِي النّأيُ
وقالوا : غَوَى هذا الفتَى بَعْدَ رُشْدِهِ
ألا إنَّ رُشدًا لا أراكَ بِهِ غَيُّ
وَلَوْ كُنْتَ مِنْ أغْصانِ شَجْرَةِ آدَمٍ
حَلَلْتَ ، وإنّي في هَواكَ لَمَهْدِيُّ
أرانِي لِوَعْدٍ كاذبٍ مِنْكَ آمِلًا
وأتْعَسُ أهلِ النارِ يَحلُو لَهُ الكَيُّ
وإنّي لَيُسْلِيني التَّمَنِّي عَنِ المُنَى
إذا عَسُرَتْ ، إنّ المُحِبَّ لَمَعْمِيُّ
فيا عاذِلي أقْصِرْ ، فإنَّكَ عِندَنا
لَمَنْ نَهْيُهُ أمْرٌ ، وَمَنْ أمْرُهُ نَهْيُ
وَأَرْسِلْ قَلوصِي ، ما لِمَنْفايَ وِجْهَتِي
ولكنَّنِي ماضٍ إلَى حَيْثُ لا نَفْيُ
إلى حَيْثُ مَعْهودِي مِنَ البأسِ والنّدَى
وَحَيْثُ مُقامِي لا أبا لَكَ مَرْضِيُّ
وما كنتُ بِدْعًا ، إنني نَسْلُ مَعْشَرٍ
هُمُ النُجْمُ لا تَخْفَى وإنْ أنْكَرَ العُمْيُ
أنا ابنُ الأُلَى ما يُدْرَكُونَ ، وإنَّما
نِعالُهُمُ لِلْقاصِدينَ الذُّرا هَدْيُ
أنا ابنُ خُضَيرٍ مَنْ بِهِمْ تُعْرَفُ العُلا
هُمُ الرُّوحُ مِنها والجوارحُ والزِّيُّ
إذا سَمِعَ الناسُ النداءَ لغَمْرَةٍ
تَنَحَّوْا ، فَما غيرُ الخُضَيْرِيِّ مَعْنِيُّ
لنا البِيضُ والسُّمْرُ التي طَلْعُها الرّدَى
وتُحْيِي الوَرَى كُتْبٌ لَنَا ما لَها طَيُّ
وإنَّ لنا نارَيْنِ في كُلِّ وِجْهَةٍ
فَنارٌ بِها نَصرٌ ، وَنارٌ بِها قَرْيُ
بنا تُحْقَرُ الجُلَّى ، وتُمْتَهَنُ المُنَى
وتُسْتَمْطَرُ البَلْوَى ، ويُصْطَنَعُ العُرْيُ
يَحارُ شُيوخُ النَّاسِ في الرأيِ إنْ نَغِبْ
وأمْرَدُنا فيهم يَكُونُ لَهُ الرَّأيُ
وما الجَمْعُ إلّا حِينَ نَغشاهُ كامِلٌ
وما الأمرُ إلّا حينَ نرضاهُ مَقضِيُّ
وما الشرُّ إنْ لَمْ نُبْدِهِ نَحْنُ مُرْهِبٌ
وما الخَيْرُ إنْ لَمْ نَجْنِهِ نَحْنُ مَجْنِيُّ
أنا ابنُ خضيرٍ ، فالْتَمِسْ لكَ قاهِرًا
سِوايَ ، فما عندِي إسارٌ ولا سَبْيُ
أتحسبُنا نَبْغِي الكِلابَ وهذهِ
أنوفُ الليوثِ حَولَ أقدامِنا حَلْيُ ؟
يَهُزُّ قلوبَ النّاسِ مِنّا تَجَهُّمٌ
فكيفَ لَدَينا الضَّربُ والطّعنُ والرَّمْيُ ؟
ونوعِدُ رُحْمَى بالمُسِيءِ فإذْ بِهِ
لَهُ وَجْهُ مَيْتٍ بينما قلبُهُ حَيُّ
وإمّا نَعِدْ يَهْنأْ لِمَوْعُودِنا الكَرَى
ألا إنّ وَعْدَ الأكرَمينَ لَمأتِيُّ
فَلا أمَّ لِي إنْ سامَنِي النَّقْصَ جِنَّةٌ
ولا أبَ لِي إنْ سامَنِي الخَسْفَ إنْسِيُّ
وَسوَّأنِي قَوْمٌ علَى غيرِ سوْأةٍ
وما حِيلةُ الصَمْصامِ شِيمَتُهُ الفَرْيُ
لِيُنْكِرْنِ ما شاءَ الخَلِيُّ فإنَّهُ
لَيُنْكِرُ طَبْعَ الليْثِ مَنْ أصلُهُ جَدْيُ
ولستُ بِهَيّابِ المَنُونِ دوائرًا
حَوَالَيَّ ، والأقلامُ أزْهَى لَها البَرْيُ
وإنَّ امْرَءًا لَمْ تَغْلِ بالهَمِّ نَفْسُهُ
لَذو كَدَرٍ ، والماءَ أزكَى لَهُ الغَلْيُ
وإنّي ثَنانِي سَبْعَةٌ عَنْ وِدادِ مَنْ
يُناشَدُ مِنْهُ الوُدُّ والجاهُ والهَدْيُ :
غريبٌ ومظلومٌ وذُو فاقَةٍ وذُو
همومٍ وذُو سُقْمٍ وعانٍ وَمَقْلِيُّ
وَإنّي لَأَبْكِي مُسْتَقِلّاً عَطِيَّتِي
ويَبكِي مِنَ اسْتِكْثارِها مَنْ بِها أُحْيُوا
وَيَخْلُدُ ذِكرِي لِلّذي جُدْتُ خُفْيَةً
بِهِ ، وَهْوَ عِندِي مُنذُ أنْفِقَ مَنْسِيُّ
فمالي أرانِي والأنامَ كأنَّنا
سحابٌ وصخْرٌ حيثُ سَقْيٌ ولا رِيُّ ؟
فهذا بلائِي فيهِمُ : الجودُ والوَفا
وهذا جزائِي مِنهمُ : الجَحْدُ والنَسْيُ
لَعَمْرُكَ ما يُضْنِي الفتَى طُولُ سعيِهِ
ولكنَّما يُضنيهِ أنْ يُنْكَرَ السَعْيُ
ولمّا تساوَتْ في الحِمامِ رؤوسُنا
تَرَبَّصَهُ بِي مَنْ حياتُهُمُ الرَّعيُ
وإنّي لَتَحْكِينِي الجبالُ صلابةً
وتَحكِي عِدايَ حَيثُ لَيْسَ لَها وَعْيُ
وإنِّي لَمَنْ يُخشَى وإنّيَ لَلّذِي
يُرَجَّى وإنِّي لَلْوَساوِسُ والوَحْيُ
فلوْلا الْتِذاذِي الدهرَ مِنْ يأسِ كاشِحِي
وَجَدِّكَ لَمْ أحْفِلْ متَى طالَنِي النَعْيُ
إذا لَمْ يَكُنْ عيشِي عَلَى ما أرِيدُهُ
فأهلًا بموتٍ ليسَ يَلحَقُهُ خِزْيُ
ألا أيُّهَذا السَّائلي أينَ وِجْهَتِي
أرامَ سِوَى العلياءِ قبليَ مِصريُّ ؟
أسِيرُ وما إنْ مِنْ رَفيقٍ مُكافِئِي
وإني لَبِالرحمنِ والنَّفْسِ مَكْفِيُّ
وما أنا مِمَّنْ يَرْتَجِي الخَلْقُ سَبْقَهُ
لئنْ جَهِدُوا جَرْيًا فَذَلِكَ لِي مَشْيُ
قَرِيضِي وإنْ يُهْمَسْ لَدَى الصُّمِّ مُسْمَعٌ
وَسَيْفِي وإنْ يُحْبَسْ لَدَى العُمْيِ مَرْئيُّ
وبِي طالَ وَصْفُ العِيِّ أهلَ مَنابِرٍ
وأسْكُتُ دهرًا لا يُظَنُّ بِيَ العِيُّ