تخطَّ إلى المحتوى

الصبر في غير هذه جملا

المنسرح

٥٤ بيت

الرثاء

الصبرُ في غيرِ هذه جَمُلا

أمّا عليها فإنّهُ رَذُلا

كم كُربةٍ قبلَها صَبرتُ لها

وهذه لا أرى لها حِيَلا

أَنزلْتُ جَدِّي مُحمّدًا بيدي

في ظُلمَةٍ مُدلَهِمَّةٍ نُزُلا

كأنّها بطنُ حوتِ يونسَ إذ

رَأَيْتُ فيها بِعَوْدِهِ أمَلا

ألا وإنّي انقضتْ ثمانيةٌ

سُنونُ كَربٍ عليَّ مُذْ رَحلا

أخَّرَنِي عنْ رِثائهِ جَزَعٌ

والخَطْبُ يُعيِي إذا أتَى جَلَلا

والمرءُ كالطِّفلِ ما الجُدودُ بَقُوا

فإنْ توارَى جُدودُهُ اكتَهَلا

أُجَدِّدُ الحُزنَ مُبْلِيًا جَسَدِي

ولا أبالِي فكلُّنا لِبِلَى

يا صاحِبَيَّ البُكاءَ فاجتهِدا

إلّا تَزيدا شَجايَ فاعتزِلا

ما زالَ صَوتُ النَّعِيِّ فِي أذُنِي :

أبو عَلاءٍ لِرَبِّهِ انتَقَلا

به فُجِعنا وكانَ أمثلَنا

إنَّ المَنايا لَتَنتَقِي المُثُلا

لو كانَ في الموتِ مِنْ مُبادَلَةٍ

جعلتُ نفسِي لنفسهِ بدَلا

أو كانَ عُمْرٌ يَمُدُّ في أجَلٍ

مَددتُ يومًا بِعُمْرِيَ الأجَلا

أبو حِسانٍ بَكَيْنَهُ بِدَمٍ

وفاضِلٍ عَنْ رَشادِهِ ذُهِلا

وجَدُّ مُسْتَحسِرينَ كانَ لَهُمْ

في الفَخرِ ذُخرًا وفي العُلا مَثَلا

فكلُّ أسباطِهِ بِهِ مَلِكٌ

مُصَدَّقٌ قَولُهُ : أنا ابنُ جَلا

يَحلِفُ ذو اللُّبِّ عندَ رُؤيَتِهِ

أنَّ المَعالِي تَمَثَّلَتْ رَجُلا

إنْ يُسألِ البَدرُ عنْ مُناهُ يَقُلْ

يا ليتَ لِي مِنْ أبِي العَلاءِ عُلا

بَهِيُّ طَلْعٍ يَسيرُ مُتَّئِدًا

كأنّما الأرضُ صارِمٌ صُقِلا

هَيْبَتُهُ غالَبَتْ بَشاشَتَهُ

فاليأسُ مِنهُ يُغالِبُ الأمَلا

ورُبَّ عالينَ ماجدِينَ أولِي

مآثرٍ قد هُدُوا بها السُّبُلا

أخمَلَهُمْ راقِدًا ومُنْتَصِبًا

وسادَهُمْ حافِيًا ومُنْتَعِلا

ومُسْتَجِيرينَ مِنْ جَبابِرَةٍ

به لَقُوا مِنْ أمانِهِ ظُلَلَا

ووَارِثِي فاقَةٍ مُلازِمَةٍ

ألْفَوا دُرُوبَ الغِنَى به ذُلُلا

لا يَسْمَعُ الطَّالِبُوهُ غيرَ نَعَمْ

لَمْ يَدرِ لَوْلا الشَّهادتانِ بِلا

يَحمِلُ عنهمْ أعباءَهُمْ فَرِحًا

ولا تُطِيقُ الجِبالُ ما حَمَلا

لمّا رَأَى حاسِدِيهِ قد عِجِزُوا

رقَّ لَهُمْ فادَّعَى لَهُ زَلَلا

أرثِيهِ لا مُحصِيًا مَحاسِنَهُ

وسامحَ اللهُ مَنْ يَقولُ غَلا

لو لَمْ يَكُنْ خاتَمًا مُحَمَّدُ يا

مُحَمَّدًا كِدتَ تختِمُ الرُسُلا

لِي فِي مماتِ النبيِّ تعزِيَةٌ

قد دَفَعَتْ عَنْ مَقاتِلِي العِلَلا

يا أزهرًا أنْبتَتْهُ جامِعَةُ ال

أزهَرِ زَهرًا مُحَمَّلًا عَسَلا

سَمْحًا عَطُوفًا فِي دِينِهِ وَسَطًا

لم يَرضَ حِزبًا يُقَسِّمُ المِلَلا

وابنًا وفيًّا لمصرَ يَحفَظُها

لم يبغِ عنْ دربِ مَجدِها حِوَلا

وحافظًا للقرآنِ كانَ إذا

غُمَّ تَلَا مِنهُ خاشِعًا فَسَلا

وكانَ فِي نَسْخِهِ لِأكثرَ مِنْ

عشرِ سنينٍ بِطَيبَةٍ عَمِلا

وعِشْتُ في المَهْدِ أشهُرًا مَعَهُ

مُنَعَّما فِي الجنانِ قد رَفَلا

يَحمِلُنِي إذْ يقودُ مَركَبَهُ

وإذ يُصَلِّي بِمَجْمَعٍ جَذِلا

في رمضانَ القرآنَ يقرؤهُ

في كُلِّ يومينِ مرَّةً وَجِلا

ويذكُرُ اللهَ كُلَّما طَرَفَتْ

عيناهُ ، ما إنْ سَها ولا غَفَلا

كأنَّهُ في يَقينِهِ مَلَكٌ

مِنْ حاملِي عرشِ ربِّهِمْ كَمُلَا

وافاهُ في عامِهِ الأخيرِ شَنِيعُ

الداءِ فيهِ جُنونُ مَنْ عَقِلا

فراضَهُ صابرًا ومُحتَسِبًا

لَمْ يَرضَ فيه على الورَى عِوَلا

رُبَّ كَريمٍ بَرَتْهُ نائِبَةٌ

فخَفَّ لحمًا وقدرُهُ ثَقُلا

لو كانَ يبغِي الشفاءَ أدركَهُ

بدعوةِ اللهِ كُلَّما ابْتَهَلا

لكنْ دعاهُ الهَوَى لخالقهِ

وطالَما كان ذو الهَوَى عَجِلا

جَدّاهُ لا عارَ بعدَ فقدِكُمُ

كعارِ طَرفٍ بِدَمْعِهِ بَخِلا

شَفَّ البُكَى والسُّهادُ بَعدَكُمُ

عَينَيَّ حتَّى كأنَّما سُمِلا

واللهِ ما أنْصَفَتْ عُيونِيَ إذ

لَمْ يَغمُرَنْ دَمعُها رُبًا وفَلا

ما كانَ عَدلًا بأنْ أُرَثِّيَكُمْ

بِمِقْوَلٍ في سِواكُمُ بُذِلا

إنِّي عزيزٌ عليَّ ذكْرُكُمُ

بِخاطرٍ قبلُ صادَفَ الهَزَلا

كنّا نَخافُ النُشُورَ قَبلَكُمُ

فالآنَ صرنا نَهواهُ مُنْتَقَلا

إنّا إلَى اللهِ راجعونَ كَفَى

به وَكِيلًا عليهِ مُتَّكَلا

سَقَى ثَراكَ الطَّهُورَ مُنْسَجِمٌ

مِنْ دِيَمِ الهاطِلاتِ مُتَّصِلا

ما أفَلَتْ أنْجُمٌ وما غَرَبَتْ

شمسٌ وما طارَ طائِرٌ وعَلا